الاثنين، 2 فبراير 2026

 الشيخ محمد الخضر حسين

في مِثْلِ هذا اليومِ –الثَّاني منْ فبرايرَ عامَ 1958م، المُوافِقِ الثَّالثَ عشَرَ منْ رجبٍ سنةَ 1377هـ- تُوفِّي الإمامُ العلَّامةُ التُّونُسيُّ المِصريُّ الشَّيخُ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني.
وُلِدَ فضيلتُه في السَّادسِ والعشرِينَ منْ رجبٍ سنةَ 1293هـ، المُوافِقِ السَّادسَ عشَرَ منْ أغسطس عامَ 1876م، بمدينةِ نَفْطَةَ بتُونُسَ، ويعودُ أصلُ أُسرتِه للجزائرِ.
نَشَأَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين في أُسرةٍ عِلْميَّةٍ؛ فأمُّه ابنةُ الشَّيخِ مصطفى بن عزوز، منْ أهلِ العلمِ والفضلِ، ووالدُ جدِّه لأمِّه هوَ العالمُ الفاضلُ محمد بن عزوز، وخالُه السيد محمد المكي بن عزوز منْ كبارِ العُلماءِ والصَّالِحِينَ، وقدْ كانَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين مُتأثِّرًا به تأثُّرًا كبيرًا، مثلَما تأثَّرَ بأبيه.
حَفِظَ فضيلتُه القرآنَ الكريمَ، وألَمَّ بمبادئِ القراءةِ والكتابةِ وطَرَفًا مِنَ العُلومِ العربيَّةِ والعُلومِ الشَّرعيَّةِ بمدينةِ نَفْطَةَ، ثمَّ انتقلَ معَ أُسرتِه إلى العاصمةِ التُّونُسيَّةِ، وهوَ في الثَّانيةِ عشْرةَ منْ عُمُرِه، والتحَقَ بجامعِ الزَّيتونةِ، فقَرَأَ على: الشَّيخِ سالم أبو حاجب، والشَّيخِ محمد النجار، والشَّيخِ مصطفى رضوان، وخالِه العلَّامةِ الكبيرِ الشَّيخِ محمد المكي بن عزوز.
أنشَأَ فضيلتُه مجلَّةَ «السَّعادةُ العُظمَى»، واشتركَ في تأسيسِ الجمعيَّةِ الزَّيتونيَّةِ، كما عُيِّن مُدرِّسًا بالصَّادقيَّةِ، الَّتي كانَتْ المدرسةَ الثَّانويَّةَ الوحيدةَ في تُونُسَ كلِّها، وكُلِّف بالخَطابةِ في الجمعيَّةِ الخَلْدونيَّةِ.
ولمَّا قامَتِ الحربُ الطَّرابُلسيَّةُ بينَ إيطاليا والدَّولةُ العُثمانيَّةُ أَيَّدَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين الدَّولةَ العُثمانيَّة بقلمِه ولسانِه؛ فنَشَرَ بمجلَّتِه قصيدةً عَصْماءَ، مطلعها: [من البسيط]
رُدُّوا عَلَى مَجْدِنَا الذِّكْرَ الَّذِي ذَهَبَا يَكْفِي مَضَاجِعَنَا نَوْمٌ مَضَى حُقُبَا
فوُجِّهَتْ إليه تُهمةُ بَثِّ رُوحِ العداءِ لسُلطةِ الحمايةِ الفَرَنْسيَّةِ، فهاجَرَ إلى دمشقَ؛ وعَمِلَ مُدرِّسًا للغةِ العربيَّةِ في المدرسةِ السُّلطانيَّةِ بدمشقَ سنةَ 1330هـ/ 1912م، ثمَّ سافَرَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين إلى الأستانةِ، وقابَلَ أنور باشا وزيرَ الحربيَّةِ، فعيَّنَه مُحرِّرًا عربيًّا بالوزارةِ، ثمَّ أرسلَه أنور باشا إلى برلينَ عاصمةِ ألمانيا في مهمَّةٍ رسميَّةٍ، فقضَى في ألمانيا تسعةَ أشهرٍ، ثمَّ عادَ إلى الأستانة، فوجَدَ خالَه الشَّيخَ محمد المكي بن عزوز تُوُفِّيَ قبلَ عودتِه بشهرَيْنِ، فضاقَتْ به العاصمةُ العُثمانيَّةُ على سَعَتِها، وحنَّ إلى دمشقَ، فعادَ إليها، لكنَّه اعتُقِلَ في دمشقَ وعُذِّبَ، وعندَما أُفرِجَ عنْه عادَ إلى الأستانةِ، فأوفَدَه أنور باشا للمرَّةِ الثَّانيةِ إلى ألمانيا سنةَ 1335هـ/ 1917م، فالتقَى زُعماءَ الإصلاحِ الإسلاميِّ، أمثالُ: الشَّيخِ عبد العزيز جاويش، والدُّكتور عبد الحميد سعيد، والدُّكتور أحمد فؤاد، ثمَّ عادَ إلى الأستانةِ، ومنْها إلى دمشقَ.
وفي سنةِ 1337هـ/ 1918م ذهبَ إلى الأستانةِ، وكانَتِ الحربُ العالميَّةُ الأُولَى في نهايتِها، والدَّولةُ العُثمانيَّةُ في طريقِها للزَّوالِ، فتوجَّهَ إلى ألمانيا مرَّةً ثالثةً، وقضَى هناكَ سبعةَ أشهرٍ، ثمَّ عادَ منْها إلى دمشقَ مُباشرةً، وكانَتِ الأوضاعُ غيرَ مُستقرَّةٍ، وكانَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين قدْ تسرَّبَ إليه المَلَلُ منْ كثرةِ الأسفارِ وعدمِ الاستقرارِ، وعندَ وُصولِ الاحتلالِ الفَرَنْسيِّ لسوريا فكَّرَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين أنْ يعودَ إلى تُونُسَ، ويستقرَّ بها ما بَقِيَ منْ حياتِه، وإنْ كانَ قلبُه مُعلَّقًا بدمشقَ، وفي النِّهايةِ استقرَّ عزمُه على أنْ يستوطِنَ القاهرةَ؛ حيثُ يسعدُ فيها بلقاءِ أصدقائِه منْ كبارِ العُلماءِ وزُعماءِ النَّهضةِ الوطنيَّةِ والأدبيَّةِ، فحضَرَ إلى القاهرةِ سنةَ 1339هـ/1921م.
وفي سنة 1340هـ/ 1922م ألَّف الشَّيخُ محمد الخضر حسين رسالتَه القيِّمةَ «الخيالُ في الشِّعرِ العربيِّ»؛ ممَّا جَذَبَ إليه انتباهَ دارِ الكُتُبِ المِصريَّةِ، فعمِلَ مُحرِّرًا بالقِسمِ الأدبيِّ فيها، ثمَّ حَصَلَ على الجِنسيَّة المِصريَّةِ، وتقدَّمَ لامتحانِ شهادةِ العالِميَّةِ (الدُّكتوراه) بالأزهرِ الشَّريفِ، وتشكَّلَتْ لجنةُ الامتحانِ برئاسةِ الشَّيخِ عبد المجيد اللبان، وكُلَّما تعمَّقَتِ اللَّجنةُ في الأسئلةِ وجدَتْ منْه تعمُّقًا في الإجابةِ معَ غزارةِ علمٍ، حتَّى قالَ الشَّيخُ عبد المجيد اللبان: «هذا بحرٌ، لا ساحلَ له، فكيفَ نقِفُ معَه في حِجاجٍ؟!» فنالَ العالِمِيَّةَ، وصارَ أُستاذًا في الأزهرِ الشَّريفِ، فمُدرِّسًا بكُلِّيَّةِ أُصولِ الدِّينِ، إلى أنْ أصبحَ شيخًا للأزهرِ الشَّريفِ.
وفي سنةِ 1342هـ/ 1924م أسَّسَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين جمعيَّةَ: «تعاوُنُ جالياتِ إفريقيا الشَّماليَّةِ»، وكانَ دائبَ الحركةِ: يَدْرُسُ ويُدرِّسُ، ويكتُبُ للصَّحافةِ والمجلَّاتِ، ويشترِكُ في الجمعيَّاتِ والأنديَّةِ، وكانَ يَرَى نهضةَ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ مُرتبِطةً بالدِّراساتِ العلميَّةِ والإنتاجِ الصِّناعيِّ.
وفي سنةِ 1346هـ/ 1927م أسَّسَ معَ جماعةٍ مِنَ الفُضلاءِ «جمعيَّةَ الشُّبَّانِ المُسلِمِينَ» بالقاهرةِ، فكانَ الشَّيخُ وصديقُه الحميمُ تيمور باشا في طليعة المُؤسِّسِينَ لهذهِ الجمعيَّةِ، الَّتي قامَتْ شامِخةً؛ لنشرِ التَّعاليمِ الإسلاميَّةِ والدِّفاعِ عنِ القِيَمِ الرُّوحيَّةِ، ثمَّ أنشأَ «جمعيَّةَ الهدايةِ الإسلاميَّةِ»، وضمَّ إليها جمهرةً مُستنيرةً منْ شبابِ الأزهرِ وشُيوخِه وعُلمائِه، ومنْ طبقاتِ المُثقَّفِينَ ثقافةً مَدَنِيَّةً، وأنشأَ بها مكتبةً كبيرةً، كانَتْ نواتُها مكتبتَه الخاصَّةَ، وأنشأَ لها مجلَّةً تحمِلُ اسمَها، كما أنشأَ لها فُروعًا بالأقاليمِ.
وفي سنة 1349هـ/ 1930م أصدرَ الأزهرُ مجلَّةً شهريَّةً، اسمُها «نورُ الإسلامِ»، وهيَ «مجلَّةُ الأزهرِ» حاليًّا، فتولَّى الشَّيخُ رئاسةَ تحريرِها، ابتداءً منْ جزئِها الأوَّلِ في المُحرَّمِ سنةَ 1349هـ/ 1930م، إلى عددِ ربيعٍ الآخِرِ 1352هـ/ 1933م.
وحينَما أُنشِئَ المَجْمَعُ اللُّغويُّ كانَ الشَّيخُ محمد الخضر حسين في مُقدِّمةِ مَنْ وَقَعَ عليهم الاختيارُ لعُضويَّتِه، كما اختيرَ عُضوًا بالمَجْمَعِ العِلْمِيِّ العربيِّ في دمشقَ، وكانَتْ له أبحاثٌ قيِّمةٌ، نَشَرَتْها مجلَّةُ المَجْمَعِ.
وقدْ أصبحَ الإمامُ العلَّامةُ محمد الخضر حسين عُضوًا بهيئةِ كبارِ العُلماءِ في الأزهرِ الشَّريفِ بموجبِ الأمرِ الملكيِّ رَقْمِ (22) الصَّادرِ من قصرِ القُبَّةِ، باسمِ صاحبِ الجلالةِ الملكِ فاروق الأوَّلِ مَلِكِ مِصرَ، في الثَّالثِ والعشرِينَ مِنْ رجبٍ 1370هـ، المُوافِقِ التَّاسِعَ والعِشرِينَ منْ أبريل 1951م، وكانَ عُنوانُ البحثِ الَّذي تقدَّمَ به لعُضويَّةِ الهيئةِ: «القياسُ في اللُّغةِ العربيَّةِ»، كما حَصَلَ على كسوةِ التَّشريفِ العلميِّ مِنَ الدَّرجةِ الأولَى في السَّادسِ منْ مايو مِنَ العامِ نفسِه.
وبعدَ ثورةِ يوليو 1952م تولَّى الشَّيخُ محمد الخضر حسين مشيخةَ الأزهرِ الشَّريفِ، وكانَ لديه برنامجٌ إصلاحيٌّ كبيرٌ؛ للنَّهضةِ بهذهِ المُؤسَّسةِ الإسلاميَّةِ الكُبرَى، وجعلِها وسيلةً لبَعْثِ النَّهضةِ الإسلاميَّةِ العُظمى الَّتي يتطلَّعُ إليها العالمُ الإسلاميُّ في جميعِ القارَّاتِ. ولكنَّ الشَّيخَ استقالَ منْ مشيخةِ الأزهرِ في الثَّاني منْ جُمادَى الأولَى سنةَ 1373هــ، المُوافِقِ السَّادسَ منْ يناير سنةَ 1954م، وتفرَّغَ كعادتِه للكتابةِ والبحثِ والمُحاضَرةِ حتَّى لَقِيَ ربَّه.
وقدْ تنوعَّتِ المُؤلَّفاتُ العلميَّةُ للشَّيخِ محمد الخضر حسين؛ نتيجةً لثقافتِه الواسعةِ في عُلومِ: اللُّغةِ، والفقهِ المُقارَنِ، وتاريخِ التَّشريعِ، والسِّياسةِ الشَّرعيَّةِ، فتركَ لنا تُراثًا وثروةً علميَّةً هائلةً، منْ أهمِّها: «مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ»، «الدَّعوةُ إلى الإصلاحِ»، «الخيالُ في الشِّعرِ العربيِّ»، «القياسُ في اللُّغةِ العربيَّةِ»، «الإلحادُ»، «نقضُ كتابِ الإسلامِ وأصولِ الحُكْمِ»، «حياةُ ابنِ خلدونَ»، «عُلماءُ الإسلامِ في الأندلسِ».
إضافةً إلى مجموعةٍ كبيرةٍ مِنَ الأبحاثِ والمقالاتِ، الَّتي نشرَها في مجلَّةِ نورِ الإسلامِ -مجلَّةِ الأزهرِ حاليًّا- ومجلَّةِ الهِدايةِ الإسلاميَّةِ، وغيرِهما.
وبعدَ حياةٍ مَوَّارةٍ بالأحداثِ الجِسامِ، والجُهودِ العلميَّةِ، فُجِعَ العالَمُ الإسلاميُّ بخَبَرِ وفاةِ الإمامِ محمد الخضر حسين مساءَ يومِ الأحدِ الثَّالِثَ عشَرَ منْ رجبٍ سنةَ 1377هـ، المُوافِقِ الثَّانيَ منْ فبراير عامَ 1958م، وصُلِّي عليه في الأزهرِ الشَّريفِ، وشيَّعَ جِنازتَه كِبارُ العُلماءِ وعُمومُ الأزهريِّينَ، ودُفِنَ بجوارِ صديقِه العلَّامةِ أحمد تيمور باشا بوصيَّةٍ منْه، في مدافِنِ الأسرةِ التَّيموريَّةِ بالإمامِ الشَّافعيِّ.
رَحِمَه اللهُ رحمةً واسعةً، وأنزلَه منازلَ الأبرارِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق