الأربعاء، 11 فبراير 2026

 ثُمَّ أرسَلَ الحجَّاجُ إلى أمِّ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رَضيَ اللهُ عنهم، يَطلُبُها أنْ تَأتِيَ إليه، فَامتنعَتْ مِنَ الإتيانِ إليه، والوقوفِ لَديْه، فَأعادَ عليها الرِّسالةَ وأرسَلَ قائدًا على لِسانِه، فحَلَفَ وقالَ: «واللهِ لَتَأْتِيَنِّي أو لَأبعَثَنَّ إليكِ» أي: لَأُرسلَنَّ مَن يَسحَبُكِ ويَجرُّكِ «بِقُرونِكِ» أي: مِن ضَفائرِ شَعرِكِ، فامتَنَعَت أنْ تأتيَ إليه، وأقْسَمَتْ وقالتْ: «واللهِ لا آتيكَ»، أي: لا أَجيئُكَ حتَّى تبعثَ إليَّ مَنْ يَسحبُني بِقُرونيِ وبِضَفائرِ شَعري، فلمَّا عَلِمَ الحَجَّاجُ بذلكَ قالَ لمَن عِنده: «أَرُونِي سِبْتَيَّ»، أي: نَعْلَيَّ، والمعنى: ائْتوني بِهمَا أو قَدِّمُوهما لي، فَأخَذَ نَعلَيْه فَلَبِسَهما، ثُمَّ انطَلقَ وذَهَب إلى أسماءَ رَضيَ اللهُ عنها وهو «يَتوذَّفُ»، أي: يُسرِعُ، وقيلَ: يَتبَخْترُ، حتَّى دَخلَ عليها، فقال لها: «كيفَ رَأيْتِني؟» أي: كيْف وَجدْتِني صنَعْتُ بِعدُوِّ اللهِ؟ أرادَ بهذا الوصْفِ ابْنَها على زَعْمِه الفاسدِ، قالتْ أسماءُ رَضيَ اللهُ عنها: «رَأيتُكَ أفسدْتَ عليه دُنياه» بقَتلِه ظُلمًا، «وأفْسَدَ عليك آخِرتَكَ» بظُلمِكَ إيَّاه، ثُمَّ قالتْ: «بلَغَني» أي: ذَكَر لي النَّاسُ ونَقَلوا لي، أنَّكَ تقولُ لِولَدي عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رَضيَ اللهُ عنهما تَحقيرًا له في حَياتِه أو بعْدَ مَماتِه: «يا ابنَ ذاتِ النِّطاقَيْنِ» وهو لَقبُ أسماءَ بنتِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنهما، والنِّطاقُ هو ما تَشُدُّ به المرأةُ وسَطَها عندَ مُعاناةِ الأشغالِ؛ لِتَرفَعَ به ثوبَها، أراد الحَجَّاجُ بقولِه: «ذاتِ النِّطاقينِ» تَعريضًا بإهانتِها بالخِدمةِ؛ لأنَّ الَّتي تَنتَطِقُ -أي تَتحزَّمُ- إنَّما هي الخادمُ لِتَقْوى على الخِدمةِ؛ ولذلك أجابَتْه بقَولِها: «أنا واللهِ ذاتُ النِّطاقَينِ» تُؤكِّدُ أنَّها صاحبةُ هذا اللَّقبِ، وأخَذَت تُبيِّنُ له السَّببَ؛ فقدْ كانت رَضيَ اللهُ عنها شَقَّت نِطاقَها نِصفينِ، فقالت: «أمَّا أحدُهما فكنْتُ أرفعُ به طعامَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وطعامَ أبي بكرٍ مِنَ الدَّوابِّ» أي: أَربطُ به سُفرةَ طَعامِهما في سَفرِ هِجرتِهما، وأُعلِّقُها مَرفوعةً على راحلتِهما؛ خَشيةً مِنَ الدَّوابِّ كَالفأرةِ والنَّملةِ ونحْوِهما، وأمَّا النِّصفُ الآخَرُ فَنِطاقُ المرأةِ الَّتي لا تَستغْنِي عنه لِخدمِتها المتعارَفَة في بيتِها الممدوحَةِ في حقِّها، فرَدَّت أسماءُ بذلك على زَعمِ الحَجَّاجِ؛ لأنَّ في خِدمتِها لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَبْطِها طَعامَه بنِطاقِها، ما لا يَعلَمُ قَدْرَه مِن الشَّرفِ؛ فليْس ذلك نقْصًا ومَهانةً.

ثمَّ أخبَرَتْه أسماءُ بحَديثٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حدَّثَنا أنَّ اللهَ سُبحانه وتَعالَى سيُظهِرُ في قَبيلةِ ثَقيفٍ كذَّابًا شَديدَ الكذِبِ؛ لأنَّه يَدَّعي النُّبوَّةَ، ومُبيرًا، أي: مُفْسِدًا مُهلِكًا كثيرَ القتلِ للنَّاسِ ظُلمًا، قالت: «فأمَّا الكذَّابُ فَرأَيناه»، تعني المختارَ الثَّقفِيَّ؛ فإنَّه تَنبَّأَ وتَبِعَه ناسٌ كَثيرٌ حتَّى أهْلَكَه اللهُ تَعالَى، «وأمَّا الْمُبيرُ فلا إخالُكَ»، أي: فَلا أَظنُّكَ يا حَجَّاجُ إلَّا ذلك المُبِيرَ.
فأخبَرَ أبو نَوفلٍ: أنَّ الحَجَّاجَ قام مِن عِندها ولم يَرُدَّ عليها كلامَها، بلْ سَكَت عنها، وحاصلُ هذا القولِ أنَّها جَعَلَت الحَجَّاجَ مِصداقًا للمُبيرِ الَّذي أخبَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بظُهورِه مِن ثَقيفٍ، وكان الحَجَّاجُ مِن ثَقيفٍ، وكان مَعروفًا بسَفكِ الدِّماءِ.

 من هزيمة الرملة إلى نصر حطين:

في أواخر خريف عام 1177م، تحت سماء الشام المتقلبة بين الدفء والرياح الباردة، انطلق **صلاح الدين الأيوبي** من القاهرة على رأس جيش يفوق العشرين ألف مقاتل، يحمل في قلبه حلمًا كبيرًا: توحيد صفوف المسلمين واستعادة الأرض المقدسة من أيدي الصليبيين.
خيّم أولاً في بلبيس، ثم تقدم جنوبًا نحو عسقلان، المدينة الصليبية المهمة. لم يجد مقاومة تُذكر في البداية؛ أسر بعض الأعداء فأمر بإعدامهم، وسرعان ما تفرق جنوده في القرى المجاورة يجمعون الغنائم، يظنون أن النصر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى. كان الجيش مشتتًا، الجنود متناثرين في كل اتجاه، يلهثون وراء المزيد من الغنيمة، بينما تقدم صلاح الدين بمجموعة صغيرة من أمرائه نحو الرملة، المدينة الكبيرة القريبة من الساحل.
فجأة، وقف نهر تل الصافية في طريقهم. توقف الجميع يبحثون عن ممر آمن للعبور، يتفرقون هنا وهناك دون نظام أو حذر كافٍ. في تلك اللحظة الحاسمة، انقض عليهم **بلدوين الرابع**، الملك الشاب البالغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، الذي ينهش الجذام جسده كان يقود جيشه بحزم، يسانده الأمير **رينالد دي شاتيون** (أرناط) وفرسان المعبد والإسبتارية. كان الصليبيون قد راقبوا تحركات المسلمين من بعيد، فاختاروا اللحظة المثالية للهجوم المباغت.
اندلعت المعركة شرسة على أرض **تل الجزر** (أو مونتجيسارد) قرب الرملة. لم يكن مع صلاح الدين إلا عدد قليل من المخلصين، بينما كان معظم جيشه مبعثرًا في الغنائم. حاول الجنود إعادة تنظيم صفوفهم بسرعة؛ اقترح بعضهم نقل الميمنة إلى جهة الميسرة والميسرة إلى القلب، ليصبح التل خلف ظهورهم بدلاً من أمامهم. لكن بينما كانوا منشغلين بهذا التعديل السريع، هجم الصليبيون كالإعصار، مستغلين الفوضى والتشتت.
اشتد القتال، وسقط الشهداء . برز **تقي الدين عمر**، ابن أخي صلاح الدين، وابنه **أحمد** في الصفوف الأمامية، يقاتلان ببسالة منقطعة النظير، يصدان الهجمات ويوقعان بالأعداء. لكن الصليبيون كانوا أكثر تنظيمًا وسرعة في تلك اللحظة الفارقة. تكبد المسلمون خسائر فادحة، واضطر صلاح الدين نفسه إلى الانسحاب مع نفر قليل، يمتطي جملاً سريعًا يشق الصحراء عائدًا إلى مصر، تاركًا خلفه أرضًا مغمورة بدماء الرجال وأحلامًا مؤجلة.
كانت الهزيمة قاسية، مؤلمة، ومُرّة، لكنها لم تكن نهاية الطريق. بل كانت درسًا عميقًا لا يُنسى في أهمية اليقظة الدائمة، والانضباط العسكري، والحذر من الغرور بالغنائم، والحفاظ على وحدة الصف. تعلم صلاح الدين منها ألا يستهين بالعدو مهما بدا ضعيفًا، وأن يجمع قواه ويوحد جبهته قبل أي مواجهة حاسمة.
وبعد أقل من عشر سنوات، في صيف عام 1187م، عاد صلاح الدين بجيش موحد، منظم، مشبع بالإيمان والعزم. هناك، في سهل **حطين** يوم الرابع من يوليو، حقق النصر التاريخي العظيم الذي قلب موازين القوى، أسقط مملكة القدس الصليبية، وحرر معظم الأراضي المحتلة.
من هزيمة الرملة إلى انتصار حطين، سطّر التاريخ قصة قائد عظيم يتعلم من أخطائه، يصقل إرادته، ويجمع شتات أمته. فالنصر الحقيقي لا يأتي مصادفة، بل هو ثمرة نية صادقة، ووحدة حقيقية، وعمل دؤوب، وتوكل على الله بعيدًا عن الغرور والتكبر.

 أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ أبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ علَى المِنْبَرِ، فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِن شَعَرٍ، وكَانَتْ في يَدَيْ حَرَسِيٍّ، فَقالَ: يا أهْلَ المَدِينَةِ، أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟! سَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَنْهَى عن مِثْلِ هذِه، ويقولُ: إنَّما هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ.

الراوي : معاوية بن أبي سفيان
المحدث :البخاري
المصدر :صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3468
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه مسلم (2127) باختلاف يسير
شرح الحديث : يُنصَّبُ خَليفةُ المسلمينَ لحِفظِ دِينِ المسلمينَ ودُنياهم؛ فمِن واجباتِه الأمرُ بِالمعروفِ والنَّهيُ عَنِ المنكَرِ، وحمْلُ النَّاسِ على ما فيه صَلاحُ دُنياهم وآخِرتِهم. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ حُميَدُ بنُ عبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ أنَّ خَليفةَ المسلمينَ مُعاوِيةَ بنَ أبي سُفيانَ رَضيَ اللهُ عنه آنذاك، قام بواجِبِه في الأمرِ بالمعروفِ وإنكارِ المنكَرِ؛ فقدْ صَعِدَ على المِنبرِ في مَسجدِ المدينةِ في أحدِ الأعوامِ التي حَجَّ فيها -وكانت أوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّها مُعاويةُ بعْدَ أنِ استُخْلِفَ في أربعٍ وأربعينَ، وآخِرُ حَجَّةٍ حجَّها سَنةَ سبْعٍ وخَمسينَ مِن الهِجرةِ- وأمسَكَ قُصَّةً مِن شَعرٍ، وهي قِطعةُ الشَّعرِ مِنَ النَّاصيةِ أو مُقدَّمِ الرَّأسِ، كانت النِّساءُ يَصِلْنَ شُعورَهن بمِثلِها، وكانت في يَدِ أحَدِ حَرَسِه، فقال: يا أهلَ المدينةِ، أينَ عُلماؤُكم؟! سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينَهى عَن مِثلِ هذا، ويَقولُ: إنَّما هَلَكَتْ بَنو إسرائيلَ حِين اتَّخذَها نِساؤُهم، فاسْتَنكَرَ مُعاويةُ رَضيَ اللهُ عنه قِيامَ بَعضِ نِساءِ المسلمينَ بِوصْلِ شَعرِهنَّ، وأنْكَرَ على العُلماءِ إهمالَهم لإنكارِ هذا المنكَرِ وتَحريضِ النَّاسِ على ترْكِه، مع أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهى عَن وَصْلِ الشَّعرِ، وقال: إنَّ هَلاكَ بَني إسرائيلَ وقَعَ بِسَببِ وَصْلِ نِسائِهم لِشَعرِهنَّ، وفيه إشعارٌ بأنَّ ذلك كان حَرامًا عليهم، فلمَّا فَعَلوه كان سَببًا لهَلاكِهم مع ما انضَمَّ إلى ذلك مِن ارتكابِهِم ما ارْتَكَبوه مِن المَناهي.

 ‏- مِن لطائف قصص السلف في طلب العِلْم!

قال الإمام أحمد -رحمه الله-: قدمتُ صنعاء أنا ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وكنّا قد حججنا في ذلك العام، فلمّا أتينا منزل عبد الرزاق بن همّام بن نافع، وكان بقرية يقال لها: (الرمادة)، وتخلّف يحيى بن معين، فلمّا جئتُ منزلَه ذهبتُ لأدقّ الباب، فقال لي رجل: لا تدقّ؛ فإنَّ الشيخ مَهيب.
فجلستُ من العصر إلى المغرب، فخرَج، فقمتُ إليه وفي يدي أحاديث قد انتقيتُها، فسلمتُ عليه وقلتُ له: حَدِّثْني بهذه الأحاديث فأنا رجل غريب.
فقال: مَن أنت؟
قلت: أحمد بن حنبل.
قال: أبو عبد الله؟
قلت: نعم، فضَمّنِي إلى صدره، وصلّى المغرب، وقرأتُ عليه الأحاديث، فسَلّم إليّ مفتاح البيت الذي فيه كتبُه وقال: أنتَ أمينُ الله على هذه الكتب، فهذا بيت ما دخلَه غيري منذ ثمانين سنة.
فكتبتُ عنه ثُلثي العِلْم، وجاء ابنُ معين وأبو خيثمة، فأنزلنا وأكرمنا، وخَصّني مِن دونهم ببيته الذي فيه الكتب، وكان قد كتبَ إليه أصحابُه مِن مكة: قد قَدِم عليك الحُفّاظ، فانظر كيف تكون .. اهـ.
وكان عبد الرزاق يقول: كتبَ عني ثلاثة لا لا أبالي مَن لا يكتب عني غيرُهم: أحمد بن حنبل، وابن معين، والشاذكوني .. فأحمد أزهد الناس، وابن معين أعرفهم بالرِّجال، والشاذكوني أحفظ الناس.
= مرآة الزمان.

 ِإِيلَافِ قُرَيْشٍ… حين صُنِع الأمان قبل أن تُعرَف القوة

لم تكن مكة مدينةً تُغري بالبقاء.
وادٍ ضيّق، قاسٍ، لا زرع فيه ولا ماء،
ولا سبب ظاهر يجعل القوافل تتوقف عنده،
ولا ما يفسّر كيف صار مركزًا للحركة في جزيرةٍ تعيش على القلق.
لكن في هذا الوادي قام بيت.
والبيت، حين اختاره الله،
لا يكون مجرد بناء…
بل نقطة أمان في أرض الخوف.
قريش لم تكن قبيلةً ذات بأسٍ عسكري،
ولا دولةً تفرض هيبتها بالسلاح،
ومع ذلك كانت قوافلها تمضي في الطرق التي يخشاها غيرها،
تمرّ بين القبائل المتنازعة،
وتدخل الأسواق الكبرى،
وتعود محمّلة بالرزق،
دون أن تُمدّ إليها يد.
هذا هو الإيلاف.
ليس عقدًا مكتوبًا،
ولا تحالفًا سياسيًا،
بل حالةٌ من الألفة صنعها الله في القلوب.
ألفة جعلت الناس يعرفون قريشًا،
فيأمنونهم،
ويتركون لهم الطريق.
كانوا يرتحلون شتاءً إلى اليمن،
حين يشتدّ البرد في الشام،
ويرتحلون صيفًا إلى الشام،
حين تلتهب أرض الجنوب.
رحلتان ثابتتان،
انتظامهما هو سرّ الحياة في مكة.
قال أهل التفسير:
ألفوا الرحلة،
فلما ألفوها، لم يشقّ عليهم شتاء ولا صيف.
صار السفر عادة،
وصار الرزق منتظمًا،
وصار الأمان أمرًا مألوفًا…
حتى كاد يُنسى أنه نعمة.
ثم وقع الحدث الذي كشف الحقيقة كلّها.
حين تقدّم أصحاب الفيل نحو البيت،
لم تكن قريش قادرة على الدفاع،
ولا على المقاومة،
ولا على المواجهة.
لكن البيت دافع عن نفسه،
وحُفظ،
وحُفظ معه كل ما ارتبط به.
لم تكن الحادثة مجرد نجاة من هلاك،
بل كانت تثبيتًا لمعادلة خفية:
إذا حُفظ البيت،
حُفظ الإيلاف،
وإذا بقي الإيلاف،
بقيت قريش.
ثم نزل الخطاب القرآني،
لا ليحكي قصةً اقتصادية،
ولا ليسرد تاريخ قوافل،
بل ليضع الجميع أمام سؤالٍ واحد،
سؤال لا يحتاج جوابًا طويلًا:
كيف تُعطَون هذا الأمان،
وهذا الرزق،
وهذه المكانة،
ثم تُصرفون العبادة لغير ربّ هذا البيت؟
جاءت السورة قصيرة،
لكنها ثقيلة المعنى.
بدأت بلامٍ ليست للتعليل،
ولا للربط،
بل للتعجّب:
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ…
كأن المعنى:
انظروا، وتأمّلوا،
واعجبوا لهذا الإيلاف،
كيف نشأ،
وكيف استمر،
وكيف صار سببًا للحياة.
ثم جاء الجواب واضحًا، لا يحتمل تأويلاً:
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ
الذي أطعمهم من جوع،
وآمنهم من خوف.
فالقصة، في جوهرها،
ليست قصة رحلة،
ولا تجارة،
ولا قوافل.
إنها قصة نعمة.
والنعمة، إن لم تُقابل بالاعتراف،
تتحوّل من تكريم
إلى حُجّة.
📚
المصدر: التفسير بالمأثور (الطبري: أقوال ابن عباس، مجاهد، قتادة، عكرمة، ابن زيد)
🕋
توثيق وسرد بصري: SHALBYالمدينة المنورة| تاريخ وأمجاد

 ممَّا تَتشوَّفُ إليه الشَّريعةُ الإسلاميَّة وتُرغِّبُ فيه: تَحريرُ العبيدِ؛ ولذا جاءَتْ أحكامٌ كثيرةٌ تُيسِّرُ وتحُثُّ على عِتقِ المماليكِ.

وفي هذا الحديثِ يَأمُرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ العَبدَ إنْ كان مِلكيَّةً مُشتركَةً، وأعتَقَ أحدُ هؤلاءِ الشُّركاءِ نَصيبَه في هذا العبدِ، قليلًا كان أو كثيرًا، ذكَرًا أو أُنثى؛ فإنَّه يَجِبُ عليه -إنْ كان غنيًّا- أنْ يُتِمَّ عِتْقَه جَميعَه، فإذا كان هذا الرَّجلُ له مالٌ زائِدٌ عَن قُوتِ يَوْمِه وقُوتِ مَن يَلْزَمُه نَفَقَتُه، ويَكفي لضَروريَّاتِه، كالسَّكنِ والثَّوبِ ونحْوِها، يَستطيعُ الدَّفعَ منه؛ يُقدَّرُ ثمَنُ العبدِ بتَقييمٍ عادلٍ مِن غيرِ زِيادةٍ ولا نَقْصٍ، ويُعطِي باقيَ الشُّركاءِ نَصيبَهم المقدَّرَ، ثُمَّ يُحرَّرُ العبدُ ويُخلَّى سَبيلُه.
فإنْ لم يكُنْ له مالٌ فتَكونُ حِصَّتُه فقطْ هي الَّتي حُرِّرت، ويكونُ العبدُ قدْ حُرِّر بعضُه.
وفي الصَّحيحينِ مِن حَديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه: «فإنْ لَمْ يَكُنْ له مالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غيرَ مَشْقُوقٍ عليه»، يعني: يمَكَّنُ هذا المملوكُ مِنَ العَملِ حتَّى يَدفَعَ باقيَ قِيمتِه؛ لِيكونَ حُرًّا، دونَ أنْ يُشدَّدَ عليه في الاكتسابِ إذا عَجَزَ.