في هذا الصدد يتحدث الدكتور / جمال الدين الشيال ( رحمه الله ) حيث يقول :
" تذكر بعض المراجع أن دولة المماليك في عصرها الأول تنسب إلى فرقة المماليك البحرية التي كونها الصالح نجم الدين أيوب وسماها البحرية نسبة إلى بحر النيل ( أول من قال بهذا الرأي من المؤرخين القدامى ابن خلدون في تاريخه حيث قال : " وشاع انهم سموا البحرية نسبة إلى القلعة التي بناها الصالـح بين شعبتي النيل إزاء المقياس " ، ومـن بعـده قـال المقريـزي في خططـه " وأسكنهم معه في قلعة الروضة وسماهم البحرية " ) ، وذلك لأنه أسكنها في القلعة التي بناها خصيصاً لهم في جزيرة الروضة والتي كانت تطل على النيل.
ولكن هذا السبب موضع خلاف لأن المراجع التي أرخت للدولة الأيوبية تشير إلى وجود فرقة أخرى من المماليك كونها الملك العادل أبوبكر ( جد الملك الصالح نجم الدين أيوب ) وأسماها " البحرية العادلية " ، كما أن الفرقة التي كونها الصالح كانت تعرف باســم " البحرية الصالحية " تمييزاً لها عن الفرقة البحرية التي كونت قبل عهده أو بعد عهده مثل " البحرية الظاهرية " التي تنسب إلى الملك الظاهر بيبرس ، والبحرية الظاهرية تربت في طباق قلعة الجبل وليس على بحــر النيل وهنا يتم طرح السؤال : لماذا اطلق عليها البحرية الظاهرية ؟.
ويلاحظ كذلك أن المؤرخ ابن تغري بردي أشار في كتابة " النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة " عند وصفه لموكب الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله إلى وجود فرقة من الجند تسمى " البحرية ".
وفي الوقت الذي أنشئت فيه فرقة المماليك البحرية الصالحية في مصر كانت توجد فرقة من المماليك البحرية في اليمن ، فقد ذكر الخزرجي في كتابه " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية " :
" أن السلطان نورالدين عمر بن رسول ( مؤسس الدولة الرسولية في اليمن ) استكثر من المماليك البحرية حتى بلغ عددهم 1000 فارس ، وأنهم كانوا يحسنون من الفروسية والرمي ما لا يحسنه مماليك مصر البحرية ".
فهذا القول يثبت بطلان نسبة البحرية إلى بحر النيل بعد ان أثبت وجود بحرية بعيدة عن مصر والنيل.
ومؤرخو الحروب الصليبية المسلمون يشيرون في كتبهم إلى وجود فرق من جند الفرنجة الصليبيين الوافدة من الغرب الأوربي تحمل أسم " البحرية " وأطلقوا عليها اسم " الفرنج البحرية ".
والأرجح والله اعلم أن هؤلاء المماليك سموا بالبحرية لأنه تم جلبهم من بلاد ما وراء البحار أو عن طريق البحار ، ويؤيد هذا الرأي " جوانفيل " مؤرخ الحملة الصليبية السابعة على مصر فقد قال في كتابة " سيرة القديس لويس : " إنهم يسمون البحرية أو رجال ما وراء البحار " ، ورأى جوانفيل له قيمته لأنه اشترك في محاربة المماليك البحرية الصالحية ، وأسر عندهم واتصل بهم وتحدث إليهم.
وممن يأخذ بهذا الرأي المؤرخ التركي رضا نور ، والذي تحدث في فقرات من كتابه " تاريخ الترك " ، حيث قال : " إنهم سموا بالبحرية لأنهم جاءوا مع تجارهم البنادقة عن طريق البحر " ، وقال في موضع آخر من نفس الكتاب : " إن المغول كانوا يحبون البنادقة ويقفون عليهم تجارة الرقيق الذي كانوا يأخذونه من القفجاق".
فإذا عرفنا أن هؤلاء المماليك الغرباء كانوا رقيقاً يجمع من أسواق الرقيق في بلاد القفجاق والقوقاز أي في الأراضي الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود ، وأن التجار البنادقة كانوا هم الذين ينقلون هؤلاء المماليك في سفنهم ، وان الطريق المعتاد الذي كانوا يسلكونه من بلادهم إلى مصر كان كما يصفه القلقشندي عبر البحر الأسود من بحر القرم إلى خليج القسطنطينية ، ثم بحر مرمره ، ومنه الى البحر الأبيض المتوسط إلى سواحل الشام أو إلى ميناء الإسكندرية أو ميناء دمياط ، إذا عرفنا هذا كله تأكد لدينا التفسير السابق أنهم سموا بالبحرية لأنهم جاءوا إلى مصر عبر البحار ومن وراء البحار.
وبالتالي يطلق على عصر المماليك كله بالبحرية ، لكن درج المؤرخين على التمييز بين عصريهم بالبحرية نسبة للعنصر التركي والاخر بالبرجي او الجركسي نسبة للعنصر الجركسي.
الباحث التاريخي / عماد أبوالعلا