هو الأسدُ الجسور، والإمامُ الهمام، أحدُ عمالقة الإسلام؛ أذلَّ الله به الكفـ..ر، وزلزل به الطغيان، وقوّض عروش الإلحـ..اد، وأرغم الجبابرة. وكان للمسلمين كالبدر المنير، والمجدِّد للدين، حتى لُقِّب بـ بقية الخلفاء الراشدين. إنّه العابد الساهر، الراكع الساجد، الذي أقام العدل فانقادت له الممالك. إنّه أبو المظفّر محيي الدين محمد أورنك زيب عالمكير؛ سلطان الهند وما حولها، وحفيد تيمورلنك، وابن السلطان جلال الدين أكبر. وُلد أورنك زيب في غوجارات بالهند سنة 1619م، وهو ابن السلطان شاه جيهان الذي بنى مقبرة تاج محل الشهير لزوجته ممتاز محل والدة أورنك. ولما ماتت حزِن عليها حزنًا شديدًا حتى ضعف اهتمامه بالملك، فخاض أورنك معارك مع إخوته وتولّى الحكم وعمره 40 سنة، لتشهد الإمبراطورية في عهده أقصى اتساع لها. خضعت له شبه القارة الهندية، وأسر أشهر ملوكها، وجُبيت إليه الأموال، وطاعته البلاد والعباد. وكلما فتح بلادًا شرع في فتح أخرى، وكانت عساكره لا يُحصَون كثرة. أقام دولة العلم، وخاض المسلمون في عهده أكثر من 30 معركة، قاد منها بنفسه 11 معركة، وفرض الجـ.زية على الهنـ.دوس بعد إخماد ثوراتهم، ولم يجرؤ ملك قبله على فعل ذلك لقوتهم وكثرتهم. أتمّ حفظ القرآن وهو على كرسي الحكم، وكان في رمضان يفطر على أرغفة من الشعير من كسب يده بعد أن كان يكتب المصاحف بيده. ولم يستطع الحج، فكتب مصحفين بخط يده وأرسل أحدهما إلى مكة والآخر إلى المدينة. وكان يصوم الاثنين والخميس ويصلي الجماعة ويؤم المسلمين في التراويح ويعتكف العشر الأواخر، وقيل إنه كان متصوفًا رحمه الله. أبطل 80 نوعًا من الضرائب، وفرض الجزية على غير المسلمين بعدما أبطلها أجداده. وأقام المساجد، والحمامات، والمدارس، والبيمارستانات، وأصلح الطرق، وبنى الحدائق، ومنع الأعياد الوثنية مثل النيروز، ومنع الانحناء له، ومنع دخول الخمر لبلاده، وصرف المغنين والموسيقيين عن بلاطه. كما ألزم القضاة بكتاب فقهي مذهل هو الفتاوى العالمكيرية، من أعظم كتب الفقه الحنفي ترتيبًا وتصنيفًا. دخل في عهده الملايين من طبقة المنبـ.وذين في الإسلام، ووقف حائلًا أمام المدّ الشيـ.ـعي الصفوي، وألّف كتابًا شرح فيه أربعين حديثًا شريفًا. وتُوفي سنة 1707م بعد حكم دام 52 سنة. ومن ورعه أنه أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر المسلمين، وألا يزيد ثمن كفنه عن 5 روبيات. بوفاة هذا الأسد الكاسر غربت شمس المجد عن الهند، وضعفت دولة الإسلام هناك حتى سقط آخر سلاطينها بهادر شاه سنة 1857م على يد الإنجليـ.ز، ومنذ ذلك الحين لم تقم للمسلمين فيها قائمة.