الأربعاء، 19 أغسطس 2026

 مسيلمة الكذاب

رآه النبي ﷺ في المنام قبل أن يظهر.. من هو مسيلمة الكذاب؟

في السنة التاسعة للهجرة، قدم وفدٌ من بني حنيفة إلى المدينة المنورة، وكان بينهم رجلٌ لم يكن يبحث عن الهداية بقدر ما كان يبحث عن السلطة والملك.
كان اسمه مسيلمة بن ثمامة، الذي عُرف لاحقًا في كتب التاريخ والسيرة بلقب **مسيلمة الكذاب**.
نزل وفد بني حنيفة في دار بنت الحارث، وكان مسيلمة يراقب ما يجري حوله. ورأى مكانة النبي ﷺ واجتماع الناس على طاعته، فاشتد طمعه في أن ينال شيئًا من هذا الأمر.
وكان يقول لمن حوله:
**«إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته»**.
بلغت هذه الكلمات رسول الله ﷺ، فأقبل إليه ومعه ثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله ﷺ، وكان في يد النبي ﷺ قطعة من جريد النخل.
وقف أمام مسيلمة وقال له:
**«لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن أتعدى أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أُريت فيك ما أُريت، وهذا ثابت يجيبك عني»**.
ثم انصرف النبي ﷺ.
لكن العبارة التي بقيت في ذهن ابن عباس رضي الله عنهما كانت:
**«وإني لأراك الذي أُريت فيك ما أُريت»**.
فسأل عن معناها، فجاءه التفسير من أبي هريرة رضي الله عنه.
فقد رأى النبي ﷺ في المنام رؤيا، ثم أوحى الله إليه بتأويلها. رأى في يديه سوارين من ذهب، فاشتد عليه أمرهما، ثم أُمر أن ينفخ فيهما، فنفخ، فطارا بعيدًا.
فأوّلهما النبي ﷺ بأنهما **كذابان يخرجان من بعده**: أحدهما الأسود العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة.
وهكذا كانت الرؤيا إخبارًا بما سيقع قبل وقوعه.
من الطمع في الملك إلى ادعاء النبوة
لم يكتف مسيلمة برغبته في السلطة، بل تجاوز ذلك إلى ادعاء النبوة.
واتخذ لنفسه مكانًا في اليمامة، وبدأ يجذب الناس إليه، مستعينًا بالدجل والتلاعب، ومحاولًا تقليد ما جاء به النبي ﷺ.
كان يريد أن يصنع لنفسه صورة تشبه صورة النبي، وأن يأتي بأمور يزعم أنها كرامات ومعجزات.
لكن محاولاته كانت تنقلب عليه.
يُذكر في كتب السيرة والتاريخ أنه حاول تقليد بعض معجزات النبي ﷺ، فكان يتصرف في الآبار والماء والنخل، ويزعم البركة لمن يمسح رؤوسهم، فجاءت النتائج على خلاف ما أراد، فقلَّ ماء بعض الآبار أو ذهب، ويبس بعض النخل، وأصيب بعض من حاول أن يبارك لهم.
وهكذا تحول ما أراد أن يجعله دليلًا على صدقه إلى شاهدٍ على كذبه.
رسالة إلى النبي ﷺ
لم يتوقف الأمر عند ادعاء النبوة.
كتب مسيلمة إلى النبي ﷺ رسالة يطلب فيها اقتسام الأمر والسيادة، وكأنه صاحب حق في الرسالة والملك.
وكان مما جاء في رسالته:
**«من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الإسلام...»**
ثم زعم أن له نصف الأرض، وأن لقريش نصفها الآخر.
فجاء رد النبي ﷺ حاسمًا، لا مساومة فيه:
**«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»**.
لم تكن المسألة في نظر النبي ﷺ صراعًا على ملك أو نفوذ، وإنما كانت قضية حق وباطل، ووحي ونبوة لا مجال فيها للمساومة.
الرسل لا تُقتل
ثم أرسل مسيلمة رجلين إلى النبي ﷺ.
فسألهما:
**«أتشهدان أني رسول الله؟»**
فقالا:
بل نشهد أن مسيلمة رسول الله.
فقال النبي ﷺ:
**«آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتهما»**.
ثم مضت السنة على أن الرسل القادمين من الأعداء لا يُقتلون، حتى وإن حملوا كلامًا باطلًا.
لكن مسيلمة لم يلتزم بهذا الخلق.
فقد أرسل إليه النبي ﷺ حبيب بن زيد رضي الله عنه برسالة، فلما وصل إليه أخذه مسيلمة، وأراد أن يحمله على الاعتراف بنبوته.
كان يسأله:
«أتشهد أن محمدًا رسول الله؟»
فيقول حبيب:
نعم.
ثم يسأله:
«أتشهد أني رسول الله؟»
فيجيب:
أنا أصم لا أسمع.
كرر مسيلمة السؤال، وكرر حبيب جوابه، ثابتًا على إيمانه، حتى قتله مسيلمة.
وهكذا كان حبيب بن زيد رضي الله عنه مثالًا للثبات، بينما كشف مسيلمة بفعله عن حقيقة دعواه.
حتى الكذب على الوحي لم ينقذه
ولم يكتف مسيلمة بادعاء النبوة، بل حاول أن يأتي بكلام يزعم أنه وحي، مقلدًا أسلوب القرآن الكريم.
وكان كلامه متهافتًا، لا يحمل قوة القرآن ولا بيانه، ومع ذلك استطاع أن يخدع بعض الناس؛ لأن المشكلة لم تكن في قوة حجته، وإنما في استعداد بعض أتباعه لتصديقه بدافع العصبية والجهل.
ومن أغرب ما يكشف حال أتباعه أن رجلًا جاء إليه، فلما سأله عن الذي يأتيه بالوحي قال: «رحمن».
فسأله: «أفي نور أم في ظلمة؟»
فقال مسيلمة: «في ظلمة».
فقال الرجل:
**«أشهد أنك كذاب، وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر»**.
لم يكن الرجل يجهل الحقيقة، بل عرفها ثم اختار الباطل تعصبًا لقومه.
وهنا تظهر خطورة التعصب حين يتحول إلى حجاب يحول بين الإنسان وبين الحق.
اليمامة.. النهاية التي أخبر عنها النبي ﷺ
بعد وفاة النبي ﷺ، ظهرت الردة في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية، وكان مسيلمة قد جمع حوله أعدادًا كبيرة من الأتباع.
وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تحرك المسلمون لمواجهة فتنة مسيلمة، ووقعت **معركة اليمامة**، واحدة من أعنف معارك حروب الردة.
كان القتال شديدًا، وسقط عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم شهداء.
وفي وسط المعركة، كان رجلٌ يحمل في قلبه ذكرى قديمة.
إنه **وحشي بن حرب رضي الله عنه**.
كان وحشي قد قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بحربته في الجاهلية، ثم أسلم، وبقيت تلك الذكرى في نفسه.
وعندما ظهر مسيلمة قال وحشي:
**«لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة»**.
خرج إلى اليمامة، وفي أثناء القتال رأى مسيلمة.
كان واقفًا عند فتحة في جدار، فرماه وحشي بحربته، فأصابته، ثم أجهز عليه رجل من الأنصار.
فسقط مسيلمة الكذاب.
وانتهت بذلك حياة الرجل الذي ادعى النبوة، وطمع في أن ينازع رسول الله ﷺ، ثم جمع حوله أتباعًا انتهى أمرهم في اليمامة.
وكان وحشي رضي الله عنه يقول:
**«قتلت بحربتي هذه خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام»**.
وكان يقصد حمزة رضي الله عنه ومسيلمة.
سجدة أبي بكر
حين وصل خبر مقتل مسيلمة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سجد لله شكرًا.
فقد انكسرت فتنة عظيمة، وسقط رأس حركة هددت وحدة المسلمين في الجزيرة.
ولم يكن مقتل مسيلمة مجرد نهاية رجل، بل كان سقوطًا لفتنة ادعت أن النبوة يمكن أن تكون مجالًا للمنافسة والطمع والملك.
رؤيا تحققت.. وعبرة بقيت
قبل سنوات من نهاية مسيلمة، كان النبي ﷺ قد رأى في منامه السوارين من الذهب، ثم أُوحي إليه بتأويلهما: **كذابان يظهران بعده**.
ظهر الأسود العنسي أولًا، ثم ظهر مسيلمة.
وهكذا تحققت الرؤيا كما أخبر النبي ﷺ.
ولم تكن رؤى الأنبياء أحلامًا عابرة، بل هي حق، وقد وردت في السيرة النبوية أمثلة لرؤى أخبر بها النبي ﷺ ثم وقعت كما رآها.
وفي قصة مسيلمة، ظهر جانب آخر من دلائل النبوة: أن النبي ﷺ أخبر عن رجل سيظهر بعده مدعيًا للنبوة، ثم جاء مسيلمة فعلًا، وادعى ما أخبر عنه النبي ﷺ.
لكن القصة لا تنتهي عند مسيلمة.
فالنبي ﷺ أخبر أن دجالين كذابين سيظهرون، وأن هذا الأمر لن يتوقف عند رجل واحد.
أما الحقيقة التي لا تتغير، فهي قول الله تعالى:
**﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾**.
لقد انتهت النبوة بمحمد ﷺ، ولذلك بقي مسيلمة في التاريخ لا بوصفه منافسًا، ولا صاحب رسالة، وإنما بوصفه الاسم الذي التصق به وصفه إلى الأبد:

 



 


 



 


🔶
الحديث مرفق بالشرح
🔶
كان النبي ﷺ إذا دخل المسجدَ قال أعوذُ باللهِ العظيمِ وبوجهِه الكريمِ وسلطانِه القديمِ من الشيطانِ الرجيمِ قال أقطُّ ؟ قلتُ: نعم. قال فإذا قال ذلك قال الشيطانُ: حُفِظَ مني سائرَ اليومِ
✅
شرح الحديث:
✅
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُعلِّمُ أصحابَه رَضِي اللهُ عَنهم أذكارًا عندَ كلِّ موقفٍ؛ وذلك حتَّى يَظَلَّ لِسانُهم رَطْبًا بذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وفي هذا الحديثِ: يَرْوِي عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم أنَّه كان "إذا دخَل المسجِدَ"، أي: إذا أراد أن يَدخُلَ عِندَ عَتَبةِ بابِ المسجدِ، قال: "أعُوذُ"، أي: ألتَجِئُ وأحتَمِي "باللهِ العظيمِ، وبوَجهِه الكريمِ"، أيِ: الَّذي لا يَرُدُّ سائلًا، "وسُلطانِه"، أي: قوَّتِه وقُدرتِه وغلَبتِه، "القَديمِ"، أي: الأبَديِّ الدَّائمِ، "مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ"، أي: مِن شرِّ الشَّيطانِ الملعونِ المطرودِ مِن رحمةِ اللهِ تعالى، "قال: أقَطُّ؟"، أي: هَلْ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هذا فقَطْ؟ قال: نعَمْ، "فإذا قال ذلِكَ"، أي: إذا قال العبدُ هذا الدُّعاءَ عِندَ دُخولِه المسجِدَ، قال الشَّيطانُ: "حُفِظَ منِّي سائِرَ اليومِ"، أي: حَفِظ اللهُ قائلَ هذا الدُّعاءِ مِن سُلْطانِ الشَّيطانِ وشَرِّه باقِيَ اليومِ.
@الجميع
مصدر الشرح الدرر السنية




 اهتَمَّ الإسلامُ بتَنظيمِ المُعاملاتِ بيْن النَّاسِ؛ حِفاظًا على حُقوقِهم، وإقامةً للعَدْلِ بيْنهم، وحَذَّر مِن سَيِّئِها ونَفَّر مِنها، وبَيَّن سُوءَ عاقِبَتِها.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ المَولى عزَّ وجلَّ أنَّ ثَلاثةَ أصنافٍ منَ النَّاسِ يَفعَلون مِن الأفعالِ ما يَستوجبُ خُصومةَ اللهِ تعالَى يومَ القِيامَةِ، وهذا وعيد شديد لهم؛ لأن من كان الله خصمه فقد هلك لا محالة.
أوَّلُهم: رجُلٌ أعطَى العهدَ واليَمينَ باسمِ اللهِ، ثُمَّ غَدَرَ بهذا العَهْدِ ونَقَضَه، ولم يَفِ بيَمينِه وعَهدِه، وقدْ أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بالوَفاءِ بالعهْدِ في قولِه تعالَى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، وفي الصَّحيحَينِ: «لكلِّ غادرٍ لِواءٌ يومَ القيامةِ يُعرَفُ به».
والثاني: رَجلٌ باع رجُلًا مُسلمًا حُرًّا وهو يَعلَمُ أنَّه حُرٌّ، ثمَّ أكَلَ ثَمَنَ هذا الحُرِّ، أي: انتَفَعَ به، وخُصَّ الأكْلُ بالذِّكرِ لأنَّه أخَصُّ المنافعِ، وقدْ يُجبِرُ الإنسانَ على فِعلِ المُحرَّماتِ وانتهاكِها، وإنَّما عَظَّمَ الإثمَ فيمَنْ باع حُرًّا؛ لأنَّ المسلمينَ أَكْفَاءٌ في الحُرمةِ والذِّمَّةِ، وللمُسلمِ على المسلمِ أنْ يَنصُرَه ولا يَظلِمُه، وأنْ يَنصَحَه ولا يُسلِمَه، وليس في الظُّلمِ أعظَمُ مِن أنْ يَستَعبِدَه أو يُعَرِّضَه لذلك، ومَن باع حُرًّا فقدْ مَنَعَه التَّصرُّفَ فيما أباح اللهُ له، وأَلْزَمَه حالَ الذِّلَّةِ والصَّغارِ، فهو ذَنبٌ عَظيمٌ لذلك.
والثالثُ: رَجلٌ استأجَرَ أجيرًا، فاستَوْفَى منه العَمَلَ الَّذي استأجَرَه مِن أَجْلِه، ولم يُعطِه أَجْرَه؛ لأنَّ الأجيرَ وَثِقَ بأمانَةِ المُؤَجِّرِ، فإنْ خانَ الأمانةَ تَولَّى اللهُ جَزاءَه، ولأنَّه استَخدَمَه بغيرِ عِوَضٍ، وأكَلَ حقَّه بالباطلِ، وهو مِن أقبَحِ المَظالِمِ وأشَدِّها.
وذِكرُ الثَّلاثةِ في هذا الحديثِ ليس للتَّخصيصِ؛ لأنَّه سُبحانه وتعالَى خَصْمٌ لجَميعِ الظالمينَ، ولكنَّه أراد التَّشديدَ على هؤلاء الثَّلاثةِ؛ لِما في الجميعِ مِن تَحقُّقِ صِفةِ الغدْرِ والتي هي مِن أسوأ الأخلاقِ.
وفي الحديثِ: تَجريمُ بَيعِ الحُرِّ وكَونُه مِن الكبائرِ؛ لأنَّ هذا الوعيدَ لا يَترتَّبُ إلَّا على كَبيرةٍ.
وفيه: أنَّ مِن الكبائرِ الجُرأةَ على الأيمانِ الباطلةِ، ونقْضِ العُهودِ، وأكْلِ أُجرةِ الأجيرِ

 


الحديث مرفق بالشرح

🔴
🌹
قال رسول الله ﷺ
🌹
إنَّ اللَّهَ يقولُ لأهْوَنِ أهْلِ النَّارِ عَذابًا: لو أنَّ لكَ ما في الأرْضِ مِن شيءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فقَدْ سَأَلْتُكَ ما هو أهْوَنُ مِن هذا وأَنْتَ في صُلْبِ آدَمَ، أنْ لا تُشْرِكَ بي، فأبَيْتَ إلَّا الشِّرْكَ.
صحيح البخاري 3334
شرح الحديث
🔶
الدُّنيا دارُ ابتلاءٍ واختبارٍ، ويكونُ الإنسانُ في فُسْحةٍ مِن أمْرِه ويَختارُ ما يَشاءُ فِعلَه؛ ولذلك فقدْ آمَنَ باللهِ مَن آمَنَ، وكفَرَ به مَن كَفَرَ بعْدَ ظُهورِ الآياتِ والبيِّناتِ على صِدقِ المرسَلينَ.
وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لبعْضِ ما يدَّعِيه الكفَّارُ يومَ القيامةِ؛ فيُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تعالَى يَقولُ لِأهْوَنِ أهْلِ النَّارِ -أي: أقلِّهم عَذابًا-: لو أنَّ لكَ ما في الأرْضِ مِن شَيءٍ وكُنتَ تَملُّكُها كلَّها، هلْ كُنْتَ تَفْتَدِي بهِ مِن هذا العذابِ الَّذي هو أقلُّ ما يكونُ في النَّارِ؟ فيَقولُ: نَعَمْ، وهذا مِصداقُ قولِ اللهِ تعالَى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِه مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 47]، فعِندَما يُعاينُ الكُفَّارُ ما وعَدَهم ربُّهم ويَتيقَّنُونَ أنَّه الحقُّ، وأنَّهم خاِلدونَ في العذابِ؛ يَوَدُّ أحدُهم لو أنَّ له مُلْكَ الأرضِ كُلَّه؛ لِيَفتدِيَ به نفْسَه مِنَ العذابِ المقيمِ، ولكنْ كَلمةُ اللهِ قد نفَذَتْ ووَعَدُهُ قد مضَى، فلا فِكاكَ ولا خَلاصَ لهم مِنَ العذابِ، وقد سَأَلهمُ اللهُ تعالَى ما هو أيسَرُ مِن ذلك، وهو أنْ يُوحِّدُوه ولا يُشرِكوا به شَيئًا، وذلك وهُم في صُلبِ آدمَ عليه السَّلامُ؛ كما قال تعالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172]، ولكنَّ الكافرَ أَبَى أنْ يَلتزِمَ بهذا الميثاقِ، فخُلِّدَ في جَهنَّمَ جَزاءً وِفاقًا.
وهذا كلُّه مِن التَّحذيرِ مِن الكُفْرِ والشِّركِ وكلِّ ما يُوصِلُ إلى النَّارِ؛ فإنَّها شَديدةٌ، وتَتفاوَتُ في الشِّدَّةِ بحَسبِ الأعمالِ، وقانَا اللهُ جَميعًا منها.
@الجميع
مصدر الشرح الدرر السنية