الثلاثاء، 5 مايو 2026

 الرحالة ابن بطوطة على جبل عرفات يردد لبيك اللهم ما لبيك

لبيك لا شريك لك لبيك
خرج ابن بطوطة للحج عام ٧٢٦ هجرية ووصف لنا بعين الرحالة وقلب المسلم المشتاق لرؤية بيت الله الحرام والمشتاق إلى مناجاة ربه من فوق جبل عرفات وصف لنا جبل الرحمة فقال : " وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليّه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا".
وإذا حان وقت النّفر، أشار الإمام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجّ لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصّه فيه برضاه.

 بركة الحج شمال القاهرة محطة هامة على درب الحج المصرى

الحج «مشقة» والأجر فيه على قدر الجهد والتعب، ولأن حجاج بيت الله تعالى يأتون من كل فج عميق، فكان الحاج فى القرون الأولى من الإسلام يواجه صعابا كثيرة تعترض طريقه من أجل أن يؤدى الركن الخامس من أركان الإسلام.
ويروى فى أحد الأحاديث القدسية فى فضل الحج «أن الله تعالى قال فى الحجاج: انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا»، وذلك له أعظم الأجر.
أشهر طرق الحج
وكانت الطرق والدروب التى يغلب عليها الوظيفة الدينية من أشهر الطرق فى الدولة الإسلامية، حيث يسلكها الحجاج والمعتمرون، ومن هذه الطرق والدروب: «درب بركة الحاج» أو «بركة جب عميرة» بالقاهرة. وكانت تشمل المنطقة من عين شمس والمطرية حتى مدينة السلام، بما تضمه الآن من مناطق «المرج»، و«عزبة النخل»، و«الأندلس»، وكفور «الشرفا»، و«الباشا»، و«أبو صير»، و«منطقة مؤسسة الزكاة»، ثم بعد ذلك فُصلت عنها هذه المناطق إداريا فى أوقات متفاوتة.
يروى الباحث صابر سعيد القاضى، فى بحثه المسمى «درة التاج فى تاريخ بركة الحاج» أن تلك البلدة تقع على الطريق التجارى القديم، الذى يربط مصر ببلاد الشام والحجاز، وأن هذا الطريق البرى كان يُستخدم من قديم الأزل فى التبادل التجارى بين البلدان، وهو يبدأ من القاهرة مرورا ببركة الحاج ثم بلبيس بمحافظة الشرقية ثم إلى السويس ومنها يقطع شبه جزيرة سيناء كاملة وصولًا إلى ميناء العقبة.
وقد أطلق العديد من الأسماء على هذه المنطقة: منها، «بركة الحاج» أو «بركة الجب» أو «جب عميرة»، وهى قرية إلى الشمال الشرقى من القاهرة، وتعتبر مركز توافد الحجاج من مصر والأندلس والمغرب وإفريقيا، يجتمعون عندها فى الذهاب والإياب، وهى من أنشط الأسواق فى بداية الطريق، حيث يُعرض فيها العديد من البضائع.
أما اسم كلمة (بِركة) بكسر الباء والراء فجاء فى إشارة إلى أن أرض المنطقة منخفضة عما حولها من الأراضى، وكانت قديمًا فى زمن فيضان النيل تمتلئ بالمياه، فتتحول إلى بحيرة موسمية كبيرة تحفها حدائق ومتنزهات بديعة تجلب إليها أصنافًا من البط البرى والطيور المهاجرة من أوروبا كطيور الكراكى. ولأجل هذا كان الملوك والأمراء والأعيان ينزلون إليها لصيد هذه الطيور والاستمتاع بأجوائها العطرة ونسيمها العليل وقضاء الأعياد والمناسبات الاجتماعية التى كان المصريون يحتفلون بها.
وقد تمتعت «بركة الحاج» بأهمية كبيرة فى تاريخ مصر الإسلامية بحكم موقعها الإستراتيجى المهم بصفتها أول وآخر محطة للذاهبين والعائدين بطرق الحج والتجارة للحجاز والشام، وكذلك كانت متنزها كبيرا ومضمارا للرياضة والصيد حتى نهاية العصر العثمانى، وكانت متنزها للخلفاء والملوك والسلاطين والولاة طول التاريخ الإسلامى.
ففى الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك، يقول: «بركة الحاج قرية موضوعة فى الشمال الشرقى للقاهرة بنحو خمس ساعات، وفى غربى الترعة الإسماعيلية بنحو ستة آلاف متر فى جنوب الخانقاه كذلك، وفى شرقى قرية المرج بنحو ثلاثة آلاف متر، ويقال لها بركة الجب... وبركة الحاج الآن قرية صغيرة أكثر أبنيتها من الطوب اللبن على طبقة واحدة وبها جامع بمنارة مبنى بالآجر وفى أرضها نخيل كثيرة أحمر الثمر وسواقٍ معينة بُعد مائها عن سطح أرض الزراعة نحو ثلاثة أمتار وفى شرقيها بنحو مائتى متر جبانة فيها ساقية عذبة الماء تسميها الأهالى ساقية شعيب ويزعمون أن نبى الله شعيبًا هو الذى احتفرها لسقى غنمه وجميع أهالى القرية يشربون منها».
ويرى الباحث أن اسم «بركة الحاج» بدأ فى الظهور بوضوح على مسرح الأحداث مع دخول الإسلام مصر، وارتبطت بدرب الحج البرى الذى استخدمه حُجاج مصر وبلاد شمال أفريقيا وبلاد المغرب العربى وبلاد غرب إفريقيا، بل وبلاد الأندلس أيضا. فكانت «بركة الحاج» أول منزل (محطة) من منازل الحاج فى درب الحج المصرى، فيها اجتماع حجيج بيت الله الحرام قبل سفرهم وعند عودتهم، وإليها يخرج المشيِّعون لوداع أهلهم عند السفر أو استقبالهم عند الإياب.
وكان أمير الحاج ينزل بالمحمل الشريف، كسوة الكعبة، إلى «بركة الحاج» ويقيم بها أربعة أو خمسة أيام حتى يكتمل حجيج بيت الله الحرام القادمين من كل فج عميق، ومع كل حاج راحلته التى سيركبها فى الطريق تحمل له زاده ومتاعه. وكانت تُقام بالبركة أسواق عظيمة بها كل ما يحتاجه المسافر من طعام أو شراب أو دواب، وكانت بها أماكن تُسمى بـ«الخانات»، تشبه الفنادق الآن، مُعَدة لاستقبال كل هؤلاء، وكذلك أماكن لإيواء خيولهم وجمالهم.
ويخرج الركب من مصر بالمحمل السلطانى والسبيل المُسبل للفقراء والضعفاء والمنقطعين بالماء والزاد والأشربة والأدوية والعقاقير والمعاجين والأطباء والكحَّالين والمُجَبِّرين والجرَّاحين فى أكمل زى وأتم أبهة، وبالأعلام والكوسات السلطانية والأدِلَّاء والأئمة والمؤذنين والأمناء ومُغَسِّلى الموتى.
وكان الديوان العالى يعقد اجتماعًا فى «بركة الحاج» يتم فيه تسليم أمير الحاج الصُّرَّة الشريفة، وكان يحضر هذا الاجتماع الباشا والدفتردار والأمراء والصناجق وأغوات وكتخدات الفرق وأغاجاويشان وأغا المتفرقة والروزنامجى وباش قلعة الروزنامة وأمين الصرة وكاتب الصرة الشريفة وصرَّاف الصرة ويتحرر فى الاجتماع بإملاء الروزنامجى مقدار الصرة المُرسلة لأهالى الحرمين الشريفين وأوجه إنفاقها: «ما هو لأهالى مكة، وما هو لأهالى المدينة».
مراحل المسار الأربعة:
ويذكر الباحث أن درب الحج المصرى مر بأربعة مراحل:
• المرحلة الأولى: باستخدام الطريق البرى الذى يبدأ من بركة الحاج، وقد امتدت هذه المرحلة منذ الفتح الإسلامى لمصر وحتى منتصف القرن الخامس الهجرى، وكان للطريق مساران فى شبه الجزيرة العربية، أحدهما داخلى والآخر ساحلى.
• المرحلة الثانية: امتدت منذ حوالى سنة 440 هـ إلى سنة 666 هـ، وخلال تلك الفترة استخدم الحجاج المصريون السفن النيلية إلى قوص ثم السفر بالقوافل إلى عيذاب ثم عبور البحر الأحمر إلى جدة بدلًا من الطريق البرى الواقع فى شمال الحجاز، وذلك بعد استيلاء الصليبيين على مدينة «أيلة» ما تسبب فى غلق الطريق البرى للقوافل بين مصر والشام والحجاز.
• المرحلة الثالثة: امتدت منذ سنة 667 هجريا إلى سنة 1301 هجريا وخلالها عاد الحجاج إلى استخدام الطريق البرى الساحلى بعد تحرير الظاهر بيبرس لمدينة أيلة من أيدى الصليبيين.
• المرحلة الرابعة: امتدت هذه المرحلة منذ سنة 1301 هـ وحتى التاريخ المعاصر وفيها توقف استخدام الطريق البرى وأصبح الطريق البحرى من السويس هو المستخدم.
ويضيف بعض الباحثين مرحلة خامسة وهى إحياء مسار طريق الحج القديم التى بدأت عام 1993، حين بدأ اكتشاف الدرب بمعاول وعلماء الآثار ضمن أول بعثة أثرية تعمل على درب الحاج المصرى القديم فى القسم الذى يقع داخل الحدود من بركة الحاج وحتى مدينة العقبة الأردنية.
وقد ترك طريق الحج المصرى القديم مجموعة من المنشآت المعمارية والحصون والقلاع والآبار والنواطير التى تخدم الحجاج الذين يمرون من هذا الطريق لأداء شعائر الحج والعمرة فى مكة المكرمة، إلا أن بعضها تهدم والبعض الآخر ما زال باقيا يحتاج إلى الاهتمام والترميم ويمثل عاملاً جاذباً للسائحين، ومنها قلعة عجرود غرب السويس، وقلعة نخل بسيناء، وقلعة الجندى برأس سدر، وقلعة جزيرة فرعون قرب العقبة، وقلعة القصير بالبحر الأحمر، ومن بين مشروعات تنمية سيناء توجد خطط لإحياء طريق الحج، حيث لايزال بعض مساراته يسمح بعبور السيارات وعلى جانبيه معالم لمحطات وقلاع الطريق القديم التى بناها الملوك فى مختلف العهود، لتقوم على خدمة الحجيج فى مسيرتهم ذهابا وإيابا، وتشمل هذه الخطط إقامة المتاحف للآثار والأبنية وإقامة محطات تجارية وخدمية وفنادق ومصانع للأغذية والملابس وأسواق لهدايا الحجاج على غرار ما كان يُقام فى أثناء مرور القوافل.
------------------------
النص منقول عن بوابة الأهرام gate.ahram.org.eg/

 


الحج والحجاز في كتب الرحالة

التراث الإسلامي زاخر بكنوز الرحلات المنسية والمحققة، ومن هذا التراث ما يتعلق بوصف فريضة راكزة في الوجدان الإسلامي، ألا وهي الحج، الذي أفرد له الرحالة، الغربيون والمسلمون، على حد السواء، مكانة كبيرة في مؤلفاتهم، سواء تعلق الأمر بوصف الطريق، أو العمران في الحجاز، أو التوغل في المشعر الحرام، لنقل صورة مقربة عن هذه المناسك.
كتاب تحفة النظار لابن بطوطة
من الكتب الشهيرة كتاب «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» لصاحبه ابن بطوطة، (توفي سنة 1377م)، الذي بدأ رحلته الحجازية من دمشق، ووصف الطريق وارتحالهم عبر بصرى إلى تبوك، ومن بعدها إلى طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقدماً معلومات عن محطات الرحلة وعادات ركاب الحج من الشام، كما وصف طيبة وحرمها الشريف، وتفصيلات دقيقة لمسجد رسول الله، الذي قال عنه إنه مستطيل، و«تحفة في جهاته الأربع بلاطات دائرة به، ووسطه صحن مفروش بالرمل، كما يدور بالمسجد الشريف شارع مبلط بالحجر المنحوت، والروضة المقدسة صلوات الله وسلامه على ساكنها، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي منورة بالرخام البديع النحت الرائق النعت»، كما وصف مكة المكرمة فقال «مدينة كبيرة متصلة البنيان، في بطن واد تحف به الجبال، فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها..”، وقال عن المسجد الحرام «في وسط البلد متسع الساحة طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع، والكعبة العظمى في وسطه..»، وذكر الحجر الأسود والمقام الكريم والطواف وزمزم، وأبواب المسجد وما دار به من المشاهد، وأتى على ذكر علماء الحجاز وأهلها وفضائلهم، وروى مجموعة من الحكايات في سياقات مختلفة تعطي تفاصيل عن الحج وعاداته، فقال «إذا كان في أول يوم شهر ذي الحجة تضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات بكرة وعشية، إشعارها بالموسم المبارك، ولا تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات..».
وذكر كسوة الكعبة التي بعثت في يوم النحر من الركب المصري إلى البيت الكريم، ووصف كيفية إسبالها على الكعبة الشريفة.
كتاب الرحلة العياشية
رحلة العياشي
ومن الكنوز التراثية رحلة أبي سالم بن أبي بكر العياشي (القرن 11 هـ/17م) والتي عرفت في الحقول العلمية، بـ«تعداد المنازل الحجازية»، و«التعريف والإيجاز ببعض ما تدعو الضرورة إليه في طريق الحجاز»، و«رحلة العياشي الصغرى»، وهي في الأصل رسالة بعث بها مؤلفها إلى أحد أصحابه من علماء فاس، ممن أخذوا عنه وأجازهم، وفيها توصيف لركب الحج السجلماسي، ضمن رحلات الحج المغربية، وقد لخص العالم والرحالة أبو سالم العياشي في رحلته الصغرى لعام 1068 هـ/1657م المراحل والمنازل في الطريق إلى الحجاز، وهذه الرسالة مؤرخة بتاريخ 28 ربيع الأول عام 1068 هـ/ الموافق نحو 3 يناير 1658 م، وقدم فيها لصاحبه نصائح تهم المسافر في طريقه إلى الحج، وأسماء الحواضر العلمية والعلماء في طريقه من سجلماسة إلى الحجاز، وما يجب أن يتزود به لنفسه ولرفقته وللدواب من علف، وأتى على ذكر الأسواق في الطريق واختلاف البضائع من مكان إلى آخر، والاحتياط في مواقيت السفر من مكان إلى آخر، لإدراك الحج.
كتاب الرحلات الحجازية لمحمد صادق باشا
ومن الكتابات الشهيرة عن الرحلات الحجازية مؤلفات محمد صادق باشا (1822 – 1902م)، والتي تتضمن روايته لرحلات الحج، مرافقاً للمحمل المصري، وهي المؤلفات التي تصف الرحلة الحجازية، والتي نشرت تحت العناوين التالية: «نبذة في استكشاف طريق الأرض الحجازية من الوجه وينبع البحر إلى المدينة النبوية»، وطبع في القاهرة سنة 1294 هـ(1877م)، و”مشعل المحمل” وطبع أيضا في القاهرة سنة 1298 هـ 1881 م، و«دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج»، المطبوع في مطبعة بولاق بالقاهرة سنة 1896م.
وقد قام محمد صادق بزيارة الأراضي الحجازية عدة مرات، استهلها بزيارته الأولى للمدينة وكانت عام 1277 هـ 1860 م بمعية الوالي سعيد باشا، اتبعها بزيارة ثانية للمدينة أيضاً عام 1861وسجلها في كتابه «نبذة في استكشاف طريق الأرض الحجازية»، والثالثة والرابعة عامي 1880 و1884 وكانتا بقصد أداء فريضة الحج، وسجل وقائعهما في كتابيه «مشعل المحمل» و”كوكب الحج” وكانت رحلته الأخيرة في مهمة رسمية بقصد تسليم قمح صدقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة بجدة عام 1885، وجاء ذكرها في ذيل كتاب “كوكب الحج”.
ويقال إن محمد صادق هو أول من التقط صورة للمسجد النبوي سنة 1861، حيث كانت معه آلة تصوير، كما صور سنة 1880م الحرم المكي الشريف ومواقع أخرى يتصل سبيلها بالحج، وقد أشار إلى ذلك باحثون منهم وليام فيسي.
كما توجد الكثير من الكتب الأخرى في وصف الحج والحجاز كرحلة ابن معصوم المدني، أو سلوة الغريب وأسوة الأريب، ورحلة الطالب أحمد بن أطوير الجنة (المتوفى 1849 م) والمسماة «رحلة المنى والمنة».
كتاب «حلة إلى رحاب شريف مكة» لشارل ديديه
انطباعات الرحالة
ومن الرحلات الغربية رحلات شهيرة، كرحلة كارستن نيبور، التي وصف فيها أقاليم شبه الجزيرة العربية، ورحلة الشاعر والأديب الفرنسي، شارل ديديه سنة 1854، وجمعها في كتابه «رحلة إلى رحاب شريف مكة»، وقد بدأ رحلته من مصر، وقد التقى شريف مكة عبد المطلب بن غالب في الطائف، ووصف طريق جدة والبحر الأحمر، والأشخاص الذين قابلهم، كما يضم كتابه بعض الانطباعات الشخصية العامة عن الأمكنة والناس، وبعض الملاحظات اليومية الدقيقة التي كان يدونها عن أحوال الحجاز في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما التقى العديد من الشخصيات، ويجد القارئ في وصف ديديه تحليلاً سلوكياً رائعاً لكل تلك الشخصيات، ويكرر ديديه في أكثر من موضع أن رحلته جاءت بالصدفة، وليس لها أي مسوغات سياسية.
كتابات وخلاصات
ومن ضمن الرحالة الذين زارو الحجاز تشارلز داوتي وهو رحالة إنجليزي حيث انضم الى قافلة للحج تحت اسم مستعار “خليل” ووصل إلى مدائن صالح سنة 1876 واستطاع ان يتجول في المنطقة، مستنسخا الكتابات والرسوم المنقوشة، وفي الخامس من يوليو 1878 توجه مع قافلة للحجاج إلى الحجاز، ووصل الطائف ثم توجه الى جدة في أغسطس 1878، وكتب كتابه “الجزيرة العربية الصحراوية”، رسم فيه صورة فريدة من نوعها عن المنطقة، وعن البدو وحياتهم، وعن كرمهم وعاداتهم، كما أبرز الكثير من المفارقات في حياتهم.
كما توجد خلاصات كثيرة للرحلات الغربية إلى الحجاز، ومن ذلك كتاب “اكتشاف جزيرة العرب” الذي حاولت فيه الباحثة الفرنسية جاكلين بيرن جمع حصيلة خمسة قرون من المغامرة والعلم، لتروي قصصهم الشيقة، وتسجل ما قدموه من خدمات في حقل المعرفة البشرية من خلال هذه الرحلات، التي تتعدد أوجه الكتابات في سياقاتها، ويصعب حصرها لكثرتها وتنوعها.
-------------------
النص منقول عن موقع جمال بن حويرب للدراسات من مقال تحت عنون الحج والحجاز فى كتب الرحالة للكاتب محمد بابا

 



المحمل المصرى تراث وتاريخ
يا رايحين للنبى الغالى
هنيالكم وعقبالى
لقد فاق المحمل المصرى كل أمثاله من محامل الدول العربية والاسلامية ، فاقهم فى تجهيزه وإعداده ونظامه واحتفالاته وعاداته وتقاليده ومعتقداته ، وفاقهم حتى فى خلافاته ونزاعاته وارجع البعض بداية المحمل المصرى الى عصر الظاهر بيبرس والبعض الآخر أرجعها الى شجر الدر ، وكل ذلك ليس له من سند تاريخى ، وان كان المؤرخ المقريزى قد ذكر ان الظاهر بيبرس هو أول من أدار المحمل فإن تعبير دوران المحمل لا يعنى بالضرورة البداية الفعلية لاتخاذ المحمل المصرى وسيلة لارسال كسوة الكعبة المشرفة فى صحبة قافلة الحجاج وانما الدوران المقصود يكون لذلك الطقس الذى كان يؤديه القائمون على المحمل بإداراته سبع دورات كاملة أمام الناس للفرجة والمشاهدة 1
كان الاهالى فى عصر محمد على يخرجون لملاقاة المحمل عند عودته وفى صحبتهم الطبول والزمور عند بركة الحاج قبل دخولهم الى القاهرة ، كما قال واصفا ذلك ادوارد وليم لين وجيرار دى نرفال 2
ـ البتنوني في معية الخديوي
ويقول "محمد لبيب البتنوني" الذي صحب خديوي مصر "عباس حلمي الثاني" في رحلة حجه إلى الأراضي المقدسة، والتي بدأت في 29 ذي القعدة 1327 هـ/ 12 ديسمبر 1909: "ذهب بعض المؤرخين إلى أن المحمل يبتدئ تاريخه من سنة 645 هـ، وقيل إنه الهودج الذي ركبت فيه شجرة الدر ملكه مصر في حجها في هذه السنة، وصار بعدها يسير سنوياً أمام قافلة الحج وليس فيه من أحد: لأن مكان الملوك لايجلس فيه غيرهم". وأضاف البتنوني: " ويعمل للمحمل يوم خروجه من مصر احتفال كبير من أيام الدولة الأيوبية، وهذا الاحتفال الآن له يوم مشهود بالقاهرة، تمشي فيه الجنود الراكبة والبيادة (المشاة) وحرس المحمل وركبه وخدمته من ضويه وعكامة، يتقدمهم أمير الحج الذي يعينه الجناب العالي الخديوي سنوياً، وهو من الباشوات العسكريين في الغالب، وبعد أن يدور المحمل دورته المعتادة في ميدان القلعة، يمر على المصطبة وهي المكان المعد لجلوس الجناب العالي الخديوي يوم الاحتفال، ومعه رجال حكومته السنية من الوزراء الفخام والعلماء الأعلام وكبار وذوات العاصمة( مصطبة المحمل او ما يعرف بكشك الخديوى وهى بناء شيد فى عصر الخديوى إسماعيل ليجلس فيه للاحتفال بخروج المحمل الى الحجاز وهذة المصطبة ما تزال موجودة أسفل القلعة من الناحية الغربية واتخذت مقرا للحزب الوطنة فترة واحترقت فى ثورة يناير ) وهنالك يأتي حضرة مأمور الكسوة الشريفة وبيده زمام جمل المحمل، فيستلمه الجناب العالي منه ويسلمه إلى أمير الحج، وعندها تضرب المدافع ويسير الموكب يتقدمه أشاير السادة الصوفية ثم الجنود ثم جمل المحمل يتقدمه أمير الحج ويتلوه المحاملي والجمالة ثم الفرايحية "الطبالون" على جمالهم، ويستمر هذا الموكب سائراً إلى المحجر فالدرب الأحمر ويمر من بوابة المؤيد فالغورية فالنحاسين فباب النصر فالعباسية، وهناك يتفرق الموكب، وينزل ركب المحمل إلى خيامهم التي ضربت لهم في فضاء العباسية، وينصب المحمل في وسط ساحتها ليزوره من يريد التبرك به، حتى إذا كان يوم السفر إلى السويس، نقلوه مع أدواتهم وذخائرهم إلى وابور المحمل الذي يكون مهيأ في محطة العباسية، ويعد شحنه يسير إلى السويس، ومنها يبحر إلى جدة، ثم يقصد مكة برأ".
وعقب انتهاء مناسك الحج، ينتقل ركب المحمل إلى المدينة حيث مثوى الأعظم العطرات
المستشرقون والمحمل المصرى
إدوارد لين و"دوران المحمل"
الرحالة المستشرق البريطاني الشهير "إدوارد لين" أو " منصور أفندي"، أبرز من عبر عن الجوانب الإنسانية للشعب المصري في كتابه "المصريون المحدثون، شمائلهم وعاداتهم" الذي صدر في لندن عام 1836 ، حيث استطاع من خلال ملاحظاته لعادات المصريين وتقاليدهم، والرصد الدقيق لتفاصيل حياتهم اليومية من خلال تجاربه الشخصية التي عاشها، أن يشكل لوحة رائعة برع في التقاط ألوانها وظلالها المتباينة لكل مظاهر الحياة في مصر إبان عصره، وحاول اكتساب السلوك الإسلامي، حتى أنه شارك المسلمين في صلاتهم بالمساجد، وقدم تفسيراً جديداً لتقاليدهم ونظم المجتمع الإسلامي فى ذلك العصر.
وقد شاهد إدوارد لين "دوران المحمل" في يوم 6 شوال سنة 1249هـ / 15 فبراير سنة 1834 م، فقال: " عقب عيد الفطر بيومين أو ثلاثة، ترسل كسوة الكعبة من قلعة القاهرة حيث يتم تصنيعها على نفقة الباشا إلى جامع الحسين لتخاط وتزخرف وتعد لإرسالها مع قافلة الحجاج، والكسوة من القماش الأسود المطرز بالقصب، منقوش عليها آيات من القرآن وتزدان حوافها بنقوش ذهبية".
الأديب الفرنسى جيرار دى نرفال
والمحمل المصرى
اما الأديب والرحالة الفرنسي الذي ملك عليه الشرق كل حواسه، وأسرته رؤى القاهرة بين حكايات وأساطير ألف ليلة وليلة، وتمنى لو زارها في غير أحلامه! وتحققت أمنيته ووصل إلى القاهرة في 15 يناير سنة 1843، كان الاحتفال بعودة المحمل من مكة من أكثرالمشاهد إثارة لجيرار دي نيرفال، فذهب إلى خارج باب الفتوح لمشاهدة الموكب العظيم بين حشود هائلة، وعن انطباعاته يقرل: "خيل إلى أن الزمن يعود إلى الوراء وأنا أرى مشهداً من مشاهد العصور الوسطى، طلائع فرسان الوالي انطلقت بين الجماهير بدروعهم البواقة وخوذاتهم الوضاءة لتجعل من هذا التخيل حقيقة، وبعيدأ فوق التلال المترامية أرى آلافا من الخيام الملونة، حيث توقفت قافلة الحجاج للراحة من وعثاء السفر 4 لم يخل المشهد من المنشدين ونافخي الأبواق وقارعي الطبول والدفوف، ما كان أروع مشهد هذا "الأوركسترا الشرقي" فوق أسنمة الهجن وطائفة من المغاربة الذين يكثر بينهـم الدراويش يرددون بحماس شديد أوراد الذكر والمديح، ويزدان الموكب بألوان الرايات والبيارق، بينما الأمراء والشيوخ في ثيابهم الفاخرة على صهرات جيادهم ذات السروج المزركشة بالقصمب والمرصعة بالأحجار الكريمة مما يزيد المشهد رونقاً وبهجة!".
ومن أبرز الكتابات التي استوقفتني كثيراً، ما أبدعه "ألبرت فارمان" قنصل عام الولايات المتحدة الأمريكية في مصر، إبان عهد الخديوي من الكسوة الداخلية للكعبة إسماعيل وبداية حكم ابنه الخديوي توفيق وقد وصل إلى مصر في 28 أبريل سنة 1876، ودامت إقامته يها خمس سنوات كاملة، وقد رصد في كتابه، "مصر وكيف غدر بها" أدق تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في ذلك العصر المفعم بالأحداث والتطورات الهائلة، وكان حريصاً على وصف الاحتفالات بالمناسبات الدينية والقومية في إطار التقاليد الموروثة للشعب المصري.
يقول فارمان: "من أمتع المناظر التي يشاهدها الأجنبي في القاهرة منظر الحجاج المسافرين إلى مكة والمدينة كل عام، رحيل قافلة الحجاج وعودتها وما يلحق بها من أفراح.
عقب عيد الفطر، تعد العدة لسفر الحجاج، وفى اليوم الثالث والعشرين من شوال ترحل قافلة الحجاج حاملة معها الكسوة الجديدة التي تغطي الجدران الخارجية للكعبة كل عام، وتصنع الكسوة من الحرير الأسود الفاخر الموشى بالذهب، وتزدان بالآيات القرآنية، وهي من الفخامة إذا عرفنا أن الحكومة المصرية تكلفها 300، 23 دولار وتنفق الحكومة نحو 330 ألف دولار مصاريف للحج أي ضعف المبلغ المقرر للمدارس!!
وتحاك الكسوة بجامع الحسين، ويصنع أيضاً ستار يعلق على باب الكعبة، وكسوة فاخرة لمقام إبراهيم، وكسوة من الحرير الأخضر الفاخر الموشى بالذهب للجدران الداخلية للكعبة، أما كسوة قبر محمد فتأتي من دمشق".٣
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ ابراهيم حلمى : المحمل ، ص 87: 90
٢ـ إبراهيم حلمى : المرجع السابق ، ص 288
٣ـ عرفه عبده على : الكسوة الشريفة والمحمل فى كتابات الرحالة ، مجلة العربى، العدد 484، 1999م