"بسلامة عمرو"...وثيقة حية تكشف كيف كان يُدار ريف مصر في عهد عمرو بن العاص؟
في عمق ريف مصر الوسطى، وتحديداً في كورة الأشمونين (محافظة المنيا الحالية)، كانت تقبع قرية صغيرة هادئة تُدعى "تجينلا".
كان ذلك في أواخر سبعينيات القرن السابع الميلادي (حوالي سنة ٤٣ ه / ٦٦٣م ).
مصر تمر بمرحلة انتقالية كبرى؛ الإدارة العربية الإسلامية الجديدة بدأت تبسط نظامها الإداري والمالي الصارم، وعلى رأس الدولة في مصر يقف الفاتح المهيب عمرو بن العاص ( الولاية الثانية له ) .
في ذلك اليوم المشهود، دخل مندوب الحاكم إلى القرية ومعه أوامر حاسمة : "نريد إحصاءً دقيقاً (تعداداً سكانياً) لكل ذكر بلغ سن التكليف والعمل (١٤ سنة فما فوق) ، ولا مكان للتهرب أو التلاعب ، فلم يكن الأمر مجرد كتابة أسماء؛ بل تطلب دليلاً قاطعاً على النزاهة.

في النظام الضريبي الروماني والبيزنطي الذي ورثه المسلمون في مصر وطوروه، كان سن الـ ١٤ هو السن القانوني الذي يتحول فيه الصبي إلى "رجل" مكلف مالياً وجسدياً؛ أي أنه السن الذي تجب فيه ضريبة الرأس لأنه أصبح قادراً على العمل والإنتاج.
ولو كان الإحصاء لغرض عسكري أو توزيع مؤن فقط ، لاختلفت الفئات العمرية والشروط.

في تلك الفترة المبكرة (القرن الأول الهجري / السابع الميلادي)، لم تكن المصطلحات الإدارية قد استقرت تماماً على كلمة "جزية" بالمعنى الفقهي اللاحق في كل دواوين ريف مصر.
كانوا يستخدمون الكلمة اليونانية Andrismos (مشتقة من Andros وتعني رجل)، وتعني حرفياً "الضرائب المفروضة على الرجال" أو "ضريبة الرؤوس"، وهي تماماً ما كانت تدور حوله حكايتنا في قرية تجينلا.

هنا اجتمع أركان القرية الأقباط الأربعة : فيلوثيوس (العمدة الأول وابن المرحوم حوري) ، وإشعياء (العمدة الثاني)و، وأباتير (كاهن القرية الوقور) ، ويوستوس (كاتب القرية المحترف).
جلس يوستوس وبدأ يخط بقلمه القصب على قطع البردي، وصاغوا قسماً قوياً .
لم يقسموا بالثروت أو الأرض، بل أقسموا بالله العلي العظيم، وبحياة وصحة الحاكم الأعلى "عمرو بن العاص"، واضعين رقابهم وبيوتهم رهناً لهذا التعهد؛ فلو عُثر على شاب واحد مختبئ أو ساقط من الكشوف، سيكون هؤلاء الوجهاء ملزمين بإيوائه وتحمل عقوبته وتكلفته في بيوتهم الخاصة.
وقعوا جميعاً وانصرف المندوب بالبردية التي حفظت لنا هذا المشهد الحي لـ ١٤٠٠ عام.

القراءة الدقيقة للنص بلغته الأصلية :
البردية (Pap. BM 1079) كُتبت باللغة القبطية (اللهجة الصعيدية) وتتخللها مصطلحات قانونية وإدارية يونانية، وهي مقسمة إلى نصفين للقسم على ذات الورقة :

الجزء الأول (قسم العمدة الأول والكاتب)
(1) ⲁⲛⲟⲛ ⲫⲓⲗⲟⲑⲉⲟⲥ ⲡⲣⲱⲧⲟⲕⲱⲙⲏⲧⲏⲥ ⲡϣⲏⲣⲉ ⲙⲡⲙⲁⲕⲁⲣⲓⲟⲥ ϩⲟⲩⲣⲓ ϩⲛ ϯⲕⲱⲙⲏ ⲧⲏⲣⲥ ⲧϫⲓⲛⲉⲗⲁ ⲉⲛⲱⲣⲕ ⲙⲡⲛⲟⲩⲧⲉ ⲡⲡⲁⲛⲧⲟⲕⲣⲁⲧⲱⲣ ⲁⲩⲱ ⲡⲟⲩϫⲁⲓ ⲛⲁⲙⲣ
قراءة صوتية: أنون فيلوثيوس بروتوكوميتيس بِشيري إم بِمكاريوس حوري خِن تي كومي تيجينلا، إن أورك إمِـب نوتي بانتوكراتور أوو بـ أوجاي إن عمرو.
(2) ϫⲉ ⲙⲡⲓⲕⲁ ⲗⲁⲁⲩ ⲛⲣⲱⲙⲉ ⲉⲃⲟⲗ ϩⲛ ⲧⲉⲛⲕⲱⲙⲏ ⲧⲏⲣⲥ ϫⲓⲛ ⲙⲛⲧⲁϥⲧⲉ ⲛⲣⲟⲙⲡⲉ ⲉϩⲣⲁⲓ ⲉⲙⲡⲓⲧⲁⲁϥ ⲉⲡⲓⲗⲟⲅⲟⲥ ⲛⲧⲉⲧⲛⲙⲛⲧϫⲓⲥⲉ
قراءة صوتية: جيه إمبِي كا لآو إن رومي إيفول خِن تين كومي تيرس جين مينتافتي إن رومبي إهراي إمبِي تاف إي بي لوغوس إنتيتين مينت جيسه.
الترجمة: ...بأنني لم أترك أي رجل في قريتنا بأسرها، من سن أربعة عشر عاماً فما فوق، دون أن أدرجه في هذا الكشف (الحساب) المقدم لسيادتكم.
(3) ⲁⲛⲟⲛ ⲓⲟⲩⲥⲧⲟⲥ ⲡⲥⲁϧ ⲛϯⲕⲱⲙⲏ ⲉⲛⲱⲣⲕ ⲙⲡⲛⲟⲩⲧⲉ ⲡⲡⲁⲛⲧⲟⲕⲣⲁⲧⲱⲣ ⲁⲩⲱ ⲡⲟⲩϫⲁⲓ ⲛⲁⲙⲣ ϫⲉ ⲙⲡⲓⲕⲁ ⲗⲁⲁⲩ ⲛⲣⲱⲙⲉ ⲉⲃⲟⲗ ϩⲛ ⲧⲉⲛⲕⲱⲙⲏ ⲧⲏⲣⲥ ⲉⲙⲡⲓⲧⲁⲁϥ ⲛⲧⲉⲧⲛⲙⲛⲧϫⲓⲥⲉ
الترجمة: وأنا يوستوس، كاتب القرية، أقسم بالله ضابط الكل وبسلامة عمرو، بأنني لم أترك أي رجل في قريتنا بأسرها دون أن أقدمه لسيادتكم.

الجزء الثاني (القسم الجماعي المشترك والتوثيق)
(4) ⲁⲛⲟⲛ ⲫⲓⲗⲟⲑⲉⲟⲥ ⲙⲛ ⲉⲥⲁⲓⲁⲥ ⲛⲓⲡⲣⲱⲧⲟⲕⲱⲙⲏⲧⲏⲥ ⲁⲩⲱ ⲁⲡⲁⲧⲏⲣ ⲡⲡⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ ⲛϯⲕⲱⲙⲏ ⲧϫⲓⲛⲉⲗⲁ ⲉⲛⲥϩⲁⲓ ⲉⲛⲱⲣⲕ ⲙⲡⲛⲟⲩⲧⲉ ⲁⲩⲱ ⲡⲟⲩϫⲁⲓ ⲛⲁⲙⲣ
الترجمة: نحن فيلوثيوس وإشعياء عُمَد القرية، وأباتير كاهن قرية تجينلا، نكتب ونقسم بالله وبسلامة عمرو...
(5) ϫⲉ ⲙⲡⲓⲛⲕⲁ ⲣⲱⲙⲉ ⲉⲃⲟⲗ ϩⲛ ⲧⲉⲛⲕⲱⲙⲏ ϫⲓⲛ ⲙⲛⲧⲁϥⲧⲉ ⲛⲣⲟⲙⲡⲉ ⲉϩⲣⲁⲓ ⲉϥⲧⲏⲕ ⲉⲃⲟⲗ ⲉⲓⲧⲉ ϩⲛ ⲛⲉⲛⲏⲓ ⲉⲓⲧⲉ ϩⲛ ⲕⲉⲙⲁ ⲉⲁⲛϩⲉ ⲉⲣⲱⲙⲉ ⲉⲁⲛⲕⲁⲁϥ ⲉⲃⲟⲗ ⲧⲛⲛⲁⲕⲁⲁϥ ϩⲛ ⲛⲉⲛⲏⲓ ⲙⲙⲓⲛ ⲙⲙⲟⲛ
الترجمة: ...بأننا لم نترك رجلاً من قريتنا من سن 14 سنة فما فوق متوارياً عن الأنظار، سواء في بيوتنا أو في أي مكان آخر. وإذا عُثر على رجل تركناه خلفنا، فإننا نلتزم بإيوائه في بيوتنا الخاصة (وتحمل مسؤوليته).
(6) + ϯⲥⲧⲟⲓⲭⲉⲓ ⲫⲓⲗⲟⲑⲉⲟⲥ + ⲉⲥⲁⲓⲁⲥ ϯⲥⲧⲟⲓⲭⲉⲓ + ⲁⲛⲁ ⲁⲡⲁⲧⲏⲣ ⲡⲉⲗⲁⲭⲓⲥⲧⲟⲥ ⲡⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ ϯⲥⲧⲟⲓⲭⲉⲓ
الترجمة: (+) أنا فيلوثيوس أوافق. (+) أنا إشعياء أوافق. (+) أنا أباتير، الكاهن المتواضع، أوافق.

النص مليء بالمصطلحات الهجين (اليونانية والمصطلحات الإدارية القديمة المكتوبة بأحرف قبطية).
وهذه أبرز "المصطلحات الغريبة" في هذه البردية وشرح معناها وسياقها التاريخي:
1. ⲡⲣⲱⲧⲟⲕⲱⲙⲏⲧⲏⲥ (بروتوكوميتيس - Protokometes)
المعنى الحرفي: رئيس القرية أو "العمدة".
الخلفية: هذه كلمة يونانية الأصل كانت مستخدمة في النظام الإداري البيزنطي قبل الإسلام واستمرت بعدها. تتكون من مقطعين:
Proto (أول/رئيس) و Kometes (قروي أو من سكان القرية). في الوثيقة هي اللقب الرسمي لـ فيلوثيوس وإشعياء.
2. ⲡⲟⲩϫⲁⲓ ⲛⲁⲙⲣ (بوجاي نـ عمرو - P-oudjai n-Amr)
المعنى الحرفي: سلامة عمرو / صحة عمرو.
الخلفية: كلمة ⲡⲟⲩϫⲁⲓ تعني (الصحة / العافية / السلامة).
والمصطلح ككل كان يُستخدم كصيغة قسم رسمية طاعةً للحاكم؛ قديماً كانوا يقسمون بـ "سلامة الإمبراطور البيزنطي"، وفي هذا النص تم إسقاط نفس الصيغة الإدارية والقانونية على الفاتح الإسلامي عمرو بن العاص (ⲁⲙⲣ).
3. ⲡⲡⲁⲛⲧⲟⲕⲣⲁⲧⲱⲣ (بانتوكراتور - Pantokrator)
المعنى الحرفي: ضابط الكل / قدير / العلي العظيم.
الخلفية: مصطلح ديني مسيحي يوناني شهير دخل اللغة القبطية، يُستخدم لوصف الله عز وجل. وجاء في النص لتغليظ القسم (ⲉⲛⲱⲣⲕ ⲙⲡⲛⲟⲩⲧⲉ ⲡⲡⲁⲛⲧⲟⲕⲣⲁⲧⲱⲣ = أقسم بالله ضابط الكل/العلي العظيم).
المعنى الحرفي: الكاتب / المعلم.
الخلفية: كلمة قبطية أصيلة تُطلق على الشخص الذي يجيد القراءة والكتابة والتدوين والتصنيف.
وردت كلقب للبطل الرابع في الحكاية يوستوس (ⲓⲟⲩⲥⲧⲟⲥ ⲡⲥⲁϧ = يوستوس الكاتب).
5. ⲛⲧⲉⲧⲛⲙⲛⲧϫⲓⲥⲉ (إنتيتين مينت جيسه - Ntetn-mnt-djise)
المعنى الحرفي: سموّكم / سيادتكم / رِفعتكم.
الخلفية: المقطع ⲙⲛⲧϫⲓⲥⲉ يعني حرفياً (العلو أو الارتفاع)، وتُستخدم في المراسلات الرسمية كصيغة تفخيم واحترام للشخص المسؤول أو المندوب الذي يخاطبونه بـ "سيادتكم".
6. ⲡⲡⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ (بريسبيتيروس - Presbyteros)
المعنى الحرفي: الشيخ / الكاهن / القس.
الخلفية: كلمة يونانية دخلت القبطية تعني كاهن الكنيسة أو شيخ الجماعة، وهي اللقب الخاص بـ أباتير (ⲁⲡⲁⲧⲏⲣ ⲡⲡⲣⲉⲥⲃⲩⲧⲉⲣⲟⲥ).
7. ⲡⲉⲗⲁⲭⲓⲥⲧⲟⲥ (إلاخيستوس - Elachistos)
المعنى الحرفي: الأصغر / الأقل / المتواضع / الحقير لاحقا
الخلفية: مصطلح يوناني كنسي كان رجال الدين يصفون به أنفسهم من باب التواضع أمام الله وأمام السلطة؛ لذا وقّع الكاهن اسمه: "أنا أباتير، الكاهن المتواضع".
8. ϯⲥⲧⲟⲓⲭⲉⲓ (تي ستويخي - Ti-stoichei)
المعنى الحرفي: أنا أوافق / أنا ملتزم بما كُتب.
الخلفية: صيغة قانونية يونانية قياسية كانت تُوضع إلزامياً في نهاية العقود والعهود والبرديات الرسمية، وتعادل اليوم عبارة "وقعّه واعتمدَه" أو "بصمة وإمضاء".
الترجمة: نحن فيلوثيوس، عمدة القرية، ابن المرحوم حوري، من قرية تجينلا، نقسم بالله ضابط الكل (العلي العظيم) وبسلامة (صحة) عمرو...