الخميس، 19 فبراير 2026

 "عبدالرحمن الداخل" سكن برقة عدة سنوات ونزل ضيفا على اهل مدينة طرابلس وهو في طريقه قرطبة ،

رحلة محفوفة بالمخاطر شهدتها المدن الليبية وهي تستقبل الامير عبدالرحمن بن معاوية بكل حفاوة وترحيب ،
وصل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي القرشي المعروف بلقب صقر قريش وعبد الرحمن الداخل، والمعروف أيضًا في المصادر الأجنبية بلقب عبد الرحمن الأول.
وصل الي برقة وتقدم نحو طرابلس وهو يحاول الوصول الي بلاد الأندلس ، مكث في طرابلس فترة في ضيافة أخواله “بني نقرة” من بربر طرابلس ونتيجة لملاحقته من قبل ابن حبيب الفهري عاد الي برقة ومكث هناك سنوات وهو يخطط ويجمع من حوله الامراء الامويين والموالين الي ان جاء الوقت المناسب فاانطلق كالسهم نحو هدفه ،
وقبل الخوض في تفاصيل الرحلة الي قرطبة نقف قليلا عند الأيام الأخيرة لسقوط الدولة الاموية في دمشق وماحل بها وامرائها بني أمية،
تمكن العباسيون في 26 أبريل سنة 750 للميلاد من اقتحام أسوار عاصمة الدولة الأموية دمشق وإعلان انتهاء نحو 90 عاما من الحكم الأموي وبهذا زالت وأختفت تلك الدولة العظيمة وأفلت كما تأفل الشمس عند مغيبها مهيبة حزينة دامعة، وتخضب أفق زوالها بدماء الكثير من أمرائها ورجالها الذين أعمل فيهم العباسيون السيف قتلاً وذبحًا، واستباحوا أموالهم وممتلكاتهم كما استباحوا دماءهم ، وسيطر العباسيون على زمام الأمور في المشرق، ومضوا يتعقبون الأمويين في كل مكان، حتى أفنوا عددًا كبيرًا منهم، وتفرق من بقي أو كُتبت له النجاة في أنحاء البلاد، وسلك العباسيين طرق عديدة ومارسوا الحيلة في طلبهم أو الوصول إليهم، لاستئصالهم وإبادتهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك.
ولقد تظاهر العباسيون بالندم لبث الثقة والأمن في نفوس الأمويين الفارين، وأعلن الخليفة “عبد الله السفاح” أنه يفتح صفحة جديدة للصفح عن الأمويين، وكتب كتابًا يتعهد فيه بالأمان للأمويين، ويدعو رجاله وأعوانه إلى عدم التعرض لهم بمكروه، واستأمن الخليفة بذلك الكتاب عددًا من أمراء البيت الأموي. وأخذ العباسيون يقربون الأمويين وينزلونهم في معسكر “صالح” بالقرب من نهر “أبي فطرس” وخدعوهم بالوعود الكاذبة، والمواثيق الخادعة. وصدّق الأمويون وعود العباسيين، وخدعتهم تلك الحيلة، وغرهم منهم ذلك اللين الزائف وتلك المودة المصطنعة، فأقبلوا عليهم يسلمون إليهم رقابهم، وهم لا يدرون أنهم إنما يساقون إلى الذبح، ولا يشعرون أن العباسيين قد أعدوا العدة لقتلهم وإبادتهم جميعًا.
مقتل يحيى بن معاوية ”شقيق “عبد الرحمن الداخل” كان يحيى بن معاوية بن هشام فيمن فرّ من بني أمية، وعندما بلغته دعوة العباسيين ساورته الظنون في صدق نواياهم، فلم يتعجل بالرجوع وتسليم نفسه إليهم، وسرعان ما صدقت ظنونه وكشف العباسيون عن حقيقة نواياهم فقتلوا جميع من لجأ إليهم من الأمويين، وعندئذ قرر “يحيى” الفرار والنجاة، ولكن العباسيين اكتشفوا مكانه، وأدركوه قبل أن يتمكن من الهرب وقتلوه.
عندما علم “عبد الرحمن بن معاوية” بمقتل أخيه فلم يجد أمامه غير الهرب، فعزم على الفرار إلى إفريقية لبعدها عن مقر الخلافة، وصعوبة وصول أنصار الخليفة إليها، خاصة بعدما بدأ سلطان العباسيين يتقلص عن تلك البلاد في ظل اشتعال الصراع بين قبائل العرب المضرية واليمنية حول أمور الحكم فيها، وشجعه على ذلك أن كثيرًا من أمراء بني أمية سبقوه في الفرار إليها.
خرج “عبد الرحمن” مع أخ له صغير السن لم يتجاوز الثالثة عشرة- وبعض أهله، واتجه إلى رجل من معارفه فطلب منه أن يشتري له عددًا من الدواب ويهيئ له ما يتزود به في سفره، ولكن بعض عيون العباسيين دلوا عليه، فانطلقوا في إثره فخرج حتى وصل إلى شاطئ الفرات، فأحاطت به خيول العباسيين، فألقى بنفسه في الماء ومعه أخوه، وانطلقا يسبحان نحو الشاطئ الآخر، وكان الشاطئ بعيدًا، فأخذ عبد الرحمن يسبح بقوة وحماس وكان يجيد السباحة، بينما بلغ أخاه التعب وهو في منتصف النهر، وخشي الغرق، ففترت عزيمته، وضارت قواه، وأراد العودة إلى الشاطئ، وهم يخدعونه وينادونه بالأمان، فراح عبد الرحمن يناديه ويحثه على السباحة، ويحذره من غدر العباسيين وخداعهم، إلا أنه كان قد بلغ من التعب والإجهاد ما جعله يغتر بأمانهم ويؤمل في عهودهم، فرجع إليهم، وما كاد يصل إليهم وتتلقاه أيديهم، حتى أحاطوا به بعد أن تمكنوا منه، وضربوا عنقه أمام أخيه، وهو ينظر إليه، ولا يملك له شيئًا. وظلت تلك الصورة الدامية لمصرع أخيه محفورة في ذهنه، ماثلة أمام عينيه، وكأنها مطبوعة على مقلتيه، تلهب حماسه للثأر من العباسيين والانتقام لأخيه الصغير الذي ذبحوه أمام عينيه.
الوصول إلى ليبيا "إفريقية"
وصل “عبد الرحمن بن معاوية إلى طرابلس بعد عناء شديد، وما لبث أن لحق به مولاه “بدر” الرومي ومولاه “سالم”، وبحوزتهما الكثير من أمواله التي تركها هناك . ولم تكن الأمور في إفريقية " ليبيا وتونس” بأقل سوءًا مما تركها في المشرق، فقد صار “ ابن حبيب الفهري” –والي إفريقية- يطارد الأمويين الفارين إلى بلاده قتلاً وذبحًا، يستحل دماءهم وينهب أموالهم، بعد أن كان حليفًا لهم بالأمس القريب.
عبد الرحمن بن معاوية في طرابلس عند أخواله من قبائل البربر ؛
نزل “الامير عبد الرحمن ” على أخواله “بني نقرة” –من بربر طرابلس- وعندما علم “ابن حبيب الفهري" ذلك أخذ يتحين الفرصة لقتله، ويحتال لاستدراجه، كما فعل بغيره من أبناء عمومته. وأدرك “عبد الرحمن ابن معاوية” ما يدبره له؛ فخرج إلى مكناسة، ونزل على قوم من قبيلة زناته البربرية؛ فأحسنوا استقباله وناصروه، ولكن “ابن حبيب الفهري” لم يكف عن طلبه وتتبعه، فرجع الامير عبدالرحمن إلى منطقة برقة ،
عبدالرحمن الداخل يعود الي برقة
ظل مستخفيًا بها مدة طويلة وهناك من يقول مدة مابين أربعة الي خمسة سنوات ، استطاع خلال تلك السنوات الاتصال بعدد كبير من قبائل البربر، واستجار ببني رستم ملوك تيهرت الواقعة بما يعرف اليوم بالجزائر ، وراح يجمع حوله أشتات الأمويين الذين فروا من اضطهاد العباسيين، وأمراء البيت المرواني الذين نجوا من القتل .
الطريق إلى الأندلس والانطلاقة كانت من برقة، كان “عبد الرحمن بن معاوية” طوال تلك المدة التي قضاها في برقة يراقب الأمور من حوله بوعي وحذر، ويدرس أحوال الأندلس بعناية ليتحين الفرصة المناسبة للعبور إليها. واستطاع بمساعدة مولاه ومساعده " بدر " الاتصال بعدد كبير من الموالين للأسرة المروانية وأنصار الأمويين في بلاد الأندلس، وراح يوثق علاقاته بكل خصوم العباسيين في تلك البلاد ، فالتف حوله عدد كبير من المؤيدين، واستطاع كسب المزيد من الأنصار خاصة من جماعات البربر، الذين وجدوا فيه الأمل لاستعادة نفوذهم، وعقدوا عليه الرجاء في التخلص من الأوضاع المتردية التي صاروا إليها، وتجمع حول “عبد الرحمن بن معاوية” أكثر من ثلاثة آلاف فارس، كلهم يدين له بالولاء، ويوطن نفسه على أن يقتل دونه. وتقدم الأمير عبد الرحمن نحو قرطبة حاضرة الأندلس وعاصمتها،
استعد له الوالي “يوسف بن عبد الرحمن الفهري”، بما تمكن من حشده من قوات. ودقت طبول الحرب وكان “يوسف الفهري” كبير السن ضعيف البنية، فكان جل اعتماده على “الصُّمَيل” الذي قرر أن يستعين بأهل السوق للاشتراك في القتال، فخرجوا يحملون العصي والسيوف، وخرج الجزارون بسكاكينهم وأرباب الحرف بآلاتهم. وأصبح “الصُّمَيل” هو القائد الأعلى لقوات “يوسف الفهري” وموضع ثقته، ومحل مشورته.
سعي “الصُّمَيل” إلى المكر والخداع، ورأى في صغر سن “ الأمير عبد الرحمن بن معاوية ” وقرب عهده بزوال ملك آبائه ما يغريه بالرضا بالأمان والقناعة بالنعمة ورغد العيش بدلاً من حياة الأخطار والصعاب التي يواجهها، فأشار على “يوسف الفهري” أن يغري “عبد الرحمن” بالزواج من ابنته ويجعله واحدًا من القادة ليأمن جانبه ويتقي خطره، ولكن فشلت تلك الحيلة، ولم يعد هناك من سبيل غير الحرب .
الانتصار وميلاد الدولة الأموية في الأندلس .
التقى الفريقان بالقرب من “قرطبة”، وبالرغم من صغر سن “الامير عبد الرحمن ” الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، فإنه أبدى من صنوف المهارة والفروسية والقيادة ما جعله يتمكن من إحراز انتصار حاسم والتغلب على قوات “عبد الرحمن الفهري” وإلحاق هزيمة منكرة بجيشه. ودخل “عبد الرحمن بن معاوية” قرطبة فصلّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بمثابة إعلان ميلاد الدولة الأموية في الأندلس، وبويع له بالخلافة في 18مايو عام 756للميلاد ليصبح أول امير أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويطلق عليه ذلك اللقب الذي عُرف به “عبد الرحمن الداخل”، ومؤسس تلك الدولة الفتية التي أصبحت حضارتها منبعًا لحضارة أوروبا الحديثة، وظلت منارًا للعلم والمدنية عبر قرون طويلة من الزمان .
المدونة الليبية الأندلسية
منقول بتصرف المدونة الليبية الأندلسية
المصادر مقالة بقلم الكاتب : سمير حلبي
مصادر المقالة : الأمويون بين الشرق والغرب: د. محمد السيد الوكيل- دار القلم- دمشق- الدار الشامية- بيروت- (1416هـ= 1995م). تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي: د. حسن إبراهيم حسن- دار الجيل- بيروت- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة- (1416هـ = 1996م). صقر قريش: علي أدهم – المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- (1394هـ= 1974م). الكامل في التاريخ: عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ابن الأثير)- دار صادر- بيروت- (1399هـ = 1979م). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: أحمد بن محمد المقري التلمساني- تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي– دار الفكر للطباعة والنشر– بيروت- (1406هـ = 1986م). شارك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق