دا البيت رقم ٣ في المجاورين، عمارة قديمة في حارة متفرعة من شارع سوق قايتباي، القاهرة، في الدور الارضي اوضة مقفولة جوا شقة فيها قبر صغير كدة، دا قبر المؤرخ المصري الشهير "عبد الرحمن الجبرتي" ، اشهر مؤرخي مصر، اخر مرقد للشيخ اللي قعد فيها ٣ سنين منعزل عن الجميع فاقد لبصره بيبكي، قبل ما يموت ويتدفن فيها ..
عبد الرحمن كان من عيلة غنية جدا، اصول عيلته من الصومال يعني جد جده هاشمي من ساكني الصومال جه يدرس في الازهر وقعد في القاهرة، واشتغلوا في التدريس والتجارة لحد ما بقا عندهم فلوس واملاك، ابو عبد الرحمن مثلا هو حسن الجبرتي، شيخ من كبار مشايخ الازهر وكان فاتح بيته للطلبة من جميع انحاء العالم بجانب مؤلفاته نفسه، وكان يمتلك ٣ بيوت متجوز فيهم وخلف اكتر من اربعين ولد، كلهم ماتوا ماعدا عبد الرحمن بس ..
كبر عبد الرحمن وكان بيقدر يحفظ كويس جدا، عايش حياة كلها بزخ وصرف لكنه اهتم بالعلم، ولخوف ابوه من انه يموت زي اخواته ما ماتوا قبل البلوغ، اول ما بلغ وبقا عنده ١٤ سنة جوزه عشان النسل ميتقطعش، الا انه بعد كام سنة بس مات ابوه، وسابله املاك لا تعد ولا تحصى من اراضي زراعية ومحلات ومباني وصدقات من علماء العالم وامرائها، الا انه مكنش مهتم اكتر من تحصيل العلم، وكان بيحب الحواديت والتاريخ جدا، وساعده على ده صاحب ابوه اللي جه عشان يعزي فيه وقرر يتبنى عبد الرحمن علميا وهو مرتضى الزبيدي مؤرخ يمني ..
اختاره الزبيدي في انه يترجم معاه اعلام القرن ال١٢ وعلمه اصول المهنة والجمع والتريث كويس جدا، وده حبب عبد الرحمن اكتر في التاريخ، وبدأ رحلته الخاصة في المجال ده، خصوصا انه كان مشغول جدا بآخر ١٠٠ سنة قبليه كنوع من الفضول، فيعمل ايه؟ قرر انه يستغل فلوسه اللي ورثها في انه يلف مصر كلها، ومعاه اقلام وكراريس، يسمع من شيوخها ويزور قبورها ينقل النقوش عليها ويدور على احفادهم ويسمع منهم ويدون، واتميز عبد الرحمن انه مكنش بيكتب حاجة غير بمصادرها وبعد ما يتأكد منها ١٠٠٪ عشان مينقلش غلط، واتعرف الجبرتي بأنه مؤرخ الشعب ببساطة لانه كان بيلف بنفسه ويتكلم مع الكل مهما كان مين، يفيد ويستفيد ..
مات الزبيدي بالطاعون بعد سنتين، وقبل ما مراته تبيع ممتلكاته وكتبه للعامة قدر الجبرتي انه ياخد مجموعة منها بخط ايده ويستخدمها بنفسه ويفيد بيها، وبعدها كمل رحلته اللي بدأها بالمشايخ حواليه وصولا لاي حد مهما كان مين، لدرجة انه كان بيسمع للمجذوبين ويدون وراهم، وكان بيجمع كل القصص عشان يجهز لكتابه عن تاريخ مصر اللي كان عايز يوهبه للشعب بعيدا عن الحكام والتطبيل، لكن وهوا في رحلته دي وبيكتب ويسافر، اتفاجيء هوا والمصريين كلهم بالحملة الفرنسية ١٧٩٨م ، فجأة كدة من غير سابق انذار ..
الجبرتي كان مختلف عن عموم الناس، في وقت ما الناس هنا بتجاهد وهناك بيخونوا وجيش وحرب ومدافع، استغل هو كل الوقت في انه يكتب اللي بيشوفه بعينيه او اللي حواليه بيشوفوه، خصوصا في عهد الاحتلال الفرنسي، كان بيراقبهم ويرصدهم ويسجل كل ده وكان عنده ساعتها ٤٤ سنة، يعلق عليهم يكتب بيعملوا ايه او ايه مظاهرهم الاجتماعية وشكل ستاتهم مثلا، او تعاملهم مع المصريين كعامة او الحكام الاتراك او المماليك، بجانب نظم الحياة والاسواق والمنتجات واسعارها الخ ..
ده خلاه يكون دائم الزيارة للمنشآت الفرنسية اللي اتعملت في مصر ويروح يتعامل معاهم ويسمع منهم، بسبب ده اختاره الجنرال مينو من ضمن اعضاء الديوان الوطني اللي شكله ساعتها، وقام عليه المصريين وقتها واتهموه بالعمالة للفرنسيين بسبب اسلوبه في كتابته عن المصريين لانه كان ساعات بيوافق حبهم للعلم والحضارة، وفي نفس الوقت اتهمه الفرنسيين بالتعصب ضد مظاهر الحضارة الحديثة اللي كان الفرنسيين عايزين ينشروها في مصر ..
المهم انه نفض لكل ده وبعد رحيل الحملة الفرنسية قدم كتابه "مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس" للناس، الكتاب عجب الناس كلها وبدأوا يتكلموا عنه خصوصا انه كان دقيق جدا وموثوق جدا ومهتم بأصغر التفاصيل، وبدأ الناس يشكروه واتعرف اسمه بين الجميع، لدرجة ان الوزير العثماني اخد كتابه وعرضه عالسلطان سليم التالت في الاستانة اللي امر بترجمته للتركية ونشر هناك سنة ١٨٠٧م عشان ينجح بدوره هو كمان ..
القصة دي حمست الجبرتي انه يكمل مشروعه اللي بدأه من سنين، وهو انه يجمع كل اللي كتبه ودونه في كتاب واحد، سماه "عجائب الاثار في التراجم والاخبار" وقسمه ل٣ اجزاء، اول جزء لحد سنة ١٧٧٦م ، تاني جزء لحد ١٧٩٨م، وتالت جزء لحد ١٨٠٦م، وضاف كتابه كفصل جوا الكتاب الكبير ده، بعد ما اشتغل عليه ليل نهار لحد ما خرج فيما يعرف النهاردة ب"تاريخ الجبرتي" وهو واحد من اهم كتب التاريخ المعروفة عن مصر في العالم كله ..
في الفترة دي مسك الحكم محمد علي باشا، وكان الجبرتي زي عادته بيراقب، بيتفرج ويكتب، يلف عالناس يسمع منها ويكتب، يروح اسواق ويروح لمشايخ، ومستني يشوف محمد علي هيعمل ايه عشان يكتب ومستني يشوف الدنيا هتمشي ازاي، لكن الجبرتي كان بيتفرج ومش عاجبه الحال، فا اتحول لمعارض كبير لمحمد علي باشا خصوصا بعد معاداته للعثمانيين وانفصاله عنهم، بجانب مذبحة المماليك الشهيرة ..
الجبرتي بقا معارض صريح لمحمد علي وسياساته، لدرجه وصفه صراحة بانه مصاب ب "داء الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم فمن تجاسر عليه من الوجهاء بنصح حقد عليه وعاداه معاداة من لا يصفو أبدا"، وصلت الاخبار دي لمحمد علي ويقال انه طلب من الجبرتي يكتب كتاب فيه يمدحه لكن الجبرتي رفض لسببين، اولا لانه معارض ليه ثانيا لانه عمره ما طبل لحاكم، فا محمد علي هدده فا استمر الجبرتي في رفضه ..
يوم ٢٨ رمضان سنة ١٢٣٨ هجريا، الجبرتي كان شغال على كتاب تاريخ اليونان، بالاضافة لانه كان بيشتغل على تدوين احداث عصره في عهد محمد علي، ومش في باله اي حاجة من العداء بينه وبين الباشا، وقتها كان الجبرتي عنده ابن وحيد اسمه خليل، وخليل كان شغال في وظيفة اسمها التوقيت في قصر محمد علي في شبرا، اليوم ده خلص شغله وسلم عهدته ومشي، بعد القصر بخطوات في طريقه هجم عليه رجالة ضربوه لحد ما قطع النفس وربطوه في رجل الحمار بتاعه وخلوا الحمار يمشي بيه، فا لما الحمار وصل لحتة عمار فيها ناس عرفوا انه ابن الجبرتي من الكراريس اللي كان شايلها في هدومه، فشالوه على اكتافهم وراحوا لابوه ..
الجبرتي كان بيكتب وقاعد في حاله، لقى مجموعة من التاس شايلين واحد غرقان في دمه وجايبن عليه، عشان يتفاجيء بأنه ابنه الوحيد، ولفظ انفاسه الاخيرة بين ايدين عبد الرحمن الجبرتي، المنظر اللي مقدرش الجبرتي انه يستحمله فكسر اقلامه وقطع ورقه وهجر الناس كلها، قطع كتابة وخروج نهائي وقعد في اوضته يعيط ليل ونهار لمدة ٣ سنين لحد ما فقد بصره، والتعب لازمه لحد ما مات وحيدا في اوضته دي على سريره سنة ١٨٢٥م، واتدفن في الاوضة اللي في البيت رقم ٣ المذكورة ..
محدش عارف مين اللي قتل ابنه لان محدش شاف، لكن الشكوك كلها بتقول ان محمد علي عمل كدة عشان يسكته وينتقم منه لمعارضته ليه، خصوصا انها جريمة حصلت في طريق شغله من قصر محمد علي، والخلاف بين الجبرتي ومحمد علي معروف للجميع، يعني في النهاية قدر محمد علي "لو صحت الرواية" انه يسكته للابد، بأنه قتله ابنه الوحيد، ويموت حزين عليه لا بيقرا ولا بيكتب ولا بيشوف، الله يرحمه ..
البيت موجود لحد النهاردة واكتر الناس متعرفش غير ان البيت في حارة اسمها حارة الجبرتي وبس، لكن متعرفش انه مدفون جوا في العمارة القديمة دي وهي مجرد عمارة قديمة عادي، بس فيها قبر اشهر مؤرخي مصر كلها ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق