الأحد، 15 فبراير 2026

 تعد مسألة "نجاة أبوي النبي ﷺ" من المسائل التي اعتنى بها علماء أهل السنة والجماعة، وقد صنفوا فيها المصنفات لإثبات نجاتهما وعدم شمولهما بوعيد المشركين.

ويمكن تلخيص المنهج الاستدلالي الذي سار عليه العلماء فيما يلي :
أولًا: المسلك الأصولي (دليل أهل الفترة)
يعد هذا الطريق هو الأقوى والأهم عند المحققين، ويقوم على مقدمتين:
تعريف أهل الفترة: هم الذين لم تدركهم دعوة نبي، أو عاشوا في زمن انقطاع الرسل.
وبما أن والدي النبي ﷺ ماتا قبل البعثة، ولم تدركهما شريعة سيدنا عيسى عليه السلام لبعد العهد وإطباق الجهل، فهما من أهل الفترة يقيناً.
الاستدلال بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]، فالحكم بالنجاة هنا مبني على انعدام الحجة الرسالية، وهو قول جمهور أهل السنة كالأجهوري، والنفراوي، والسيوطي، والرازي.
ثانيًا: الرد على شبهات الأحاديث المعارضة :
أجاب العلماء عن الأحاديث التي قد يُفهم منها خلاف ذلك (مثل حديث: "إن أبي وأباك في النار") من وجهين:
قاعدة الترجيح: تقديم النص القرآني "قطعي الثبوت والدلالة" على أحاديث الآحاد التي هي "ظنية "، فلا يُعارض أصل قرآني بخبر آحاد .
التأويل اللغوي: أن لفظ "الأب" في لغة العرب وفي القرآن الكريم يُطلق على "العم"، كما في قوله تعالى حكاية عن أبناء يعقوب: ( وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا) ، وإسماعيل كان عماً ليعقوب لا أباً.
وبناءً عليه، يُحمل لفظ "أبي" في الحديث على عمه أبي طالب، كما حُمل لفظ "أب" في قصة إبراهيم على عمه "آزر".
ثالثًا: دليل الطهارة والاصطفاء :
استند العلماء إلى أدلة تكريم النسب النبوي من خلال:
الطهارة من الشرك: الاستدلال بقوله ﷺ: «لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»، مع قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾؛ فلو كان في أصوله ﷺ مشرك لما وُصفوا بالطهارة المطلقة.
الخيرية المطلقة: في قوله ﷺ: «فأنا من خيار إلى خيار»، وهذا يقتضي أن يكون والداه هما الأفضل في زمانهما، والأفضلية لا تتحقق مع وجود مؤمنين غيرهما إلا إذا كانا على التوحيد والفطرة.
رابعًا: مسلك الإحياء (كرامة النبوة) :
وهو مسلك ذهب إليه جماعة من الحفاظ (كالخطيب البغدادي والقرطبي والسيوطي)، ومفاده أن الله تعالى قد أحيا والدي النبي ﷺ له كرامةً، فآمنا به ثم ماتا.
وبالرغم من أن هذا المسلك يعتمد على أحاديث اختلف في تصحيحها، إلا أن العلماء ساقوه في باب الفضائل والكرامات النبوية التي لا يستحيل عقلاً ولا شرعاً وقوعها.
وختاما ؛ فيجب الحذر من إطلاق اللسان بغير الأدب مع الوالدين الكريمين لرسول الله ﷺ في هذه المسألة، فعَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي لَهَبٍ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عُقْبَةَ، وَالْوَلِيدَ، وَأَبَا مُسْلِمٍ، ثُمَّ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي أَبَوَيْهَا فَجَاءَتْ، رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَلَدَ الْكُفَّارُ غَيْرِي؟، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَتْ: قَدْ آذَانِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي أَبَوَيَّ فَقَالَ، لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّيْتِ الظُّهْرَ فَصَلِّي حَيْثُ أَرَى»، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ، الظُّهْرَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَكُمْ نَسَبٌ وَلَيْسَ لِي نَسَبٌ» فَوَثَبَ عُمَرُ فَقَالَ: غَضِبَ اللهُ عَلَى مَنْ أَغْضَبَكَ فَقَالَ: «هَذِهِ بِنْتُ عَمِّي فَلَا يَقُلْ لَهَا أَحَدٌ إِلَّا خَيْرًا»
فإذا كان النبي ﷺ قد غضب بإيذاء بنت عمه درة بكفر أبويها أبي لهب وأم جميل مع ثبوت دخولهما النار ولعنهما بالآية القرآنية قطعية الثبوت والدلالة، ولا يمكن بأي وسيلة تأويل كفرهما ودخولها النار، فهو - ﷺ - أحرى بالغضب على تكرار دخول أبويه النار وترويجه بين المسلمين مع أن ذلك ثابت بحديث صحيح ظني الثبوت والدلالة.
- وقال الإمام ابن عابدين: وبالجُملة كَمَا قال بعضُ المُحَقِّقِين: إنه لا يَنبَغِي ذِكْرُ هذه المَسألة إلَّا مَع مَزِيدِ الأَدَب، ولَيْسَت مِن المَسَائل التي يَضُرُّ جَهلُها أو يُسأَلُ عنها في القَبر أو في المَوقِف؛ فحِفظُ اللِّسَان عن التَّكَلُّم فيها إلَّا بِخَيرٍ أَوْلى وأَسلَم.
نسأل الله السلامة والنجاة ، وصلى الله وسلم على الحبيب المصطفى وآله الكرام .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق