السبت، 25 أبريل 2026

 رثاء مليم :: شعر :: صبري الصبري

كان معي في مطلع الستينات الميلادية من القرن الماضي 1960م في صدر طفولتي البريئة نصف قرش مصري فككته إلى خمس مليمات وصلت به وجلت في سوق الحلوى بقريتي الحبيبة فشريت بمليم (عسلية) وبمليم (حلوى) وبمليم ( كرمله) وبمليم (ترمس) وبقي معي مليم أردت أن اشتري به (فول سوداني) فرفض البائع وقال لي بالعامية المصرية : (هوه فيه سوداني بمليم) وحينها فقط عرفت أن هناك تغيرات قد حصلت في السوق وحزنت على مليمي العاجز عن شراء شيئا ما .. وقررت الآن رثاء مليمي الحبيب في مطلع عام 2010 م ..(القرش: عشرة مليمات والتعريفة نصف قرش والجنية مائة قرش = ألف مليم)

رثاء مليم

***

شعر

صبري الصبري

***


ل(مليمي) الحبيب هفا فؤادي

تَذَكَّرَهُ بعاطفة الودادِ

تَدَبَّرَهُ بأفكار تداعت

بنكسات وأزمات اقتصادِ

وأوجاع التضخم في نظامٍ

به الأسواق في نار التنادي

بأيام الطفولة كنت فيها

ب(مليمي) بموفور السدادِ

بمنأى عن متاهات القضايا

وبُعْدٍ عن تعاريج الكسادِ

ف(مليمي) الصغير بسَكِّ نقشٍ

جميلٍ مزهرٍ بالحسن نادي

ب(مليمي) القوي مشيت أشري

به الحاجات إن نادى المنادي

ولاحت لي من الحلوى صنوفٌ

لها (المليم) واسطتي لزادي

أداعبه بجيبي في سرور

وأحرسه بنومي أو سهادي

وأربطه بإخوته لئلا

يودعني بآلام افتقادِ

فأصرفه بأشياء حَلَت لي

بسعيي بين عزمي واجتهادي

بمعدنه الثمين يرنّ فورا

إذا مسته عملات التهادي

يؤم (القرش) والدَهُ ويزهو

بنصف (القرش) في خير اعتدادِ

به أزهو فَعُمْلَتُهُ ازدهت لي

بفخر العز في الدنيا : أنادي

معي (المليم) لا عسرى بعيشي

و(مليمي) بموفور ازديادِ

به قد همت ذكَّرني بوقت

به الأيام في صفو التوادِ

فبيئتنا بإشراق بديعٍ

طهورٍ في الهواء وبالمهادِ

ورغد العيش في أُنسٍ زهى لي

جمالٌ شاع في كل البلادِ

فلا الأموال قد نهبت قلوبا

تؤرقها متاهات الفسادِ

ولا البورصاتُ قد سلبت رخاءً

بخبطات انهيارات السوادِ

بأسهمها التي بثت لظاها

بهم العيش في صدر العبادِ

و(دولار) البنوك له انطلاقٌ

بكل الأرض في شر اعتقادِ

و(يورو) النقد في كر وفر

مع (الدولار) بالرقص الأُحادي

يَعُضُّ (جُنَيْهَنَا) المسكينَ عَضَّاً

ويتبعه بقارعة اضطهادِ

فلا الآلاف تكفينا بعيش

به صرنا بقصعات الأعادي

وضخ البعض في سلب ونهب

(ملايينا) لآفاق ابتعادِ

وصار الناس في ضنك وشك

بقارعة الحواضر والبوادي

لها سَنُّوا بتشريع مقيت

ضرائبهم بألسنة حدادِ

فلا استثنوا من القانون شيئا

به النواب في شر انعقادِ

ولا استمعوا نداءات توالت

بها الأصوات في صدق انتقادِ

فمسكنك الصغير إليه تهفو

تماسيح الضرائب في اتقادِ

عقار الناس قد أضحى مشاعا

لأهواء المكوس بالارتعادِ

ستضربها ضرائبهم بضربٍ

من الطغيانٍ في ضرب الجمادِ

فيا (مليم) ماضينا تعالى

لتنقذنا بمحمود اتِّحادِ

فقد كنا مع الأرقام نسعى

مع الآحاد في حسن المرادِ

وبتنا الآن بالآلاف نهوي

بقاع الفقر من غير اتئادِ

كما صرنا مع (الدولار) نحيا

مع البورصات في ضيم المزادِ

سيضحك من رأى (المليم) يوما

وقد أضحى بأعماق الرمادِ

نعاه الناسُ من قبلي وكانوا

مع الأحزان في ثوب الحدادِ

سأرثي هيبة (المليم) وَلَّت

بهيمنة من النقد المُعَادي !!

بشعري سوف يذكره قصيدي

أسطره بمفتخر المدادِ

وقد صار (الجنيه) الآن أسفى

كما ال(مليم) .. لا تحزن فؤادي!!

وصلى الله ربي كل وقت

على الهادي إلى خير الرشادِ !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق