الخميس، 23 أكتوبر، 2014

تأملات الهجرة


تأملات الهجرة
***
شعر
صبري الصبري
***
أنــــــظــــــر تــــــأمــــــل هــــــجـــــــرة فــــيــــحـــــاءَ
وارقـــــــب شــــذاهــــا عــــطَّــــر الأجــــــــواءَ
واذكــــر تـفـاصـيـل الـدقـائــق سـجـلــت
أحـــــداثــــــهــــــا والــــــــغـــــــــار والأنـــــــــبـــــــــاءَ
واكـــتــــب قــصــيـــدة هـــجــــرة مـيــمــونــة
فــيــهـــا تــســابـــق بــالـــهـــدى الــشـــعـــراءَ
بـالـنــثــر عــنــهــا فــــــي بـــيــــان فــصــاحـــة
صـــاحـــب بـــهـــا بـالـمـنـتــدى الأدبـــــــاءَ
واسمـع .. تـحـدث للحـضـور بـنـدوة
تـــحـــوي الـــكــــرام الـــســــادة الـعــلــمــاءَ
فـالـهـجــرة الـعـصـمــاء شـــعـــت نـــورهـــا
لــلــنـــاس تــغـــشـــى بــالــســنــا الأرجــــــــاءَ
بـــجـــمـــال إشــــــــــراق بـــــديـــــع طـــــيـــــب
تعطي الجميع على المدى الأضواءَ
جــــــاءت بـــآيـــات الــكــتــاب بـوحــيــهــا
نــــــصــــــر مــــبــــيــــن مـــــــــــــزق الأعـــــــــــــداءَ
والغـار يحتضـن الحبيـب المصطفـى
وصـــديــــقــــه الـــصــــديــــق والأصـــــــــــداءَ
وأمـــامــــه عـــــــش الــحــمــامــة يــحـــتـــوي
بـــيــــضــــا رقـــيــــقــــا حـــــيَّــــــر الــــجــــهــــلاءَ
وخـــيـــوط بـــيـــت الـعـنـكـبــوت يـــشـــده
شـــــــــــــــدا يـــــشـــــتــــــت لـــــلـــــمــــــلا الآراءَ
فـــتـــفـــرقـــوا وتــــحــــســــروا وتـــقـــهـــقــــروا
وتــــرقـــــبـــــوا الـــــــخــــــــذلان والأنـــــــــــــــواءَ
مــهــمــا أعــــــدوا مــــــن مــكــائــد شـــقـــوة
كــانـــت لــهـــم فـــــي الـعـالـمـيـن شــقـــاءَ
إبــلــيـــس ضـيَّــعــهــم بــنـــصـــح مــكـــابـــر
يــــلــــقــــى الــــــهــــــوان ويــــلــــعـــــق الأدواءَ
وتـــــــــــراب ذلـــــهــــــم تـــنــــاثــــر فـــوقــــهــــم
بـغــطــيــطــهــم وخـــســــارهــــم يــــــتــــــراءى
وبـــجــــوف (ثـــــــور) غــــــــارُه بــجـــســـارة
بـالــحــب يـــرقـــب بــالــثــرى (أســـمـــاءَ)
ذات الـنـطـاقـيــن الـكـريــمــة ســجَّــلــت
تـــــاريـــــخـــــهـــــا مـــــتـــــألـــــقــــــا وضـــــــــــــــــــــاءَ
و(سـراقـة) المـخـتـال بالـخـيـل الـــذي
بــالـــبـــيـــد يـــــرمــــــح بــــــكــــــرة ومــــــســــــاءَ
رام الــــثـــــراء بــنــوقــهـــم فــاســتــرســلــت
أوهـــــــامـــــــه تـــســــتــــعــــذب الـــــخـــــيـــــلاءَ
فــــثــــوى بــأكـــنـــاف الــــرمـــــال مـــقـــيـــدا
مـسـتـعـطـفــا طـــــــه .. يـــريــــد نــــجــــاءَ !
فنـجـا الأسـيـرُ مــن الـهــلاك مـشـاهـدا
لــــحــــبـــــيـــــبـــــنـــــا ورســـــــــولـــــــــنــــــــــا الآلاءَ
ستـنـال يـومـا يـــا بـــن (مـالــك) جـهــرة
بـــســــوار كـــســــرى بـالــحــيــاة ثـــــــراءَ !
وعـــــــدُ الــنــبـــيِّ الـهــاشــمــي تــحــقــقــت
أقـــــــــوالُـــــــــه تــــســــتـــــشـــــرف الآنــــــــــــــــــاءَ
فهو الحبيب المصطفى نور الهـدى
مـــن نـــال فـــي ســــوح الــعــلا الإســــراءَ
وهــو الــذي قــد حــاز فـضـلا شاسـعـا
مــــــــــن ربــــــــــه نــــــــــال الـــنــــبــــيَّ عـــــطــــــاءَ
وانـظــر مـسـيـرةَ (أحـمــد) فـــي هـجــرة
وصــــديــــقـــــهَ الــــصــــديـــــقَ والــــبـــــيـــــداءَ
وارقــــب (أبــــا بــكــر) بـســيــر مـشــفــق
حـــــــول الـــرســــول يـــراقــــب الأنــــحــــاءَ
وادخــــــــل بــــحـــــر للهواجـــــــــر خـــيـــمـــة
فـيــهــا (أمُّ مــعــبــد) تــنــظــر الــصــحــراءَ
والــشــاة عــانـــت بـالــهــزال كـســادهــا
تـلــقــى بـــكـــف الـمـصـطـفــى الإحـــيـــاءَ
درت شـــــــرابــــــــا وافــــــــــــــــرا مــــتــــدفــــقــــا
عـــــذبــــــا شـــهــــيــــا لــلــجــمـــيـــع هــــــنــــــاءَ
بـبــهــاء مـعــجــزة الـحـبـيــب (مــحــمــد)
نـــــــالــــــــوا بـــخــــيــــمــــة جـــــدبـــــهــــــا إرواءَ
يـا سعـد (عاتـكـة) بـوصـف المجتـبـى
حــــــــازت بــحـــســـن بــيــانــهــا الــعــلــيـــاءَ
وســــمــــت لآفــــــــاق الــبـــلاغـــة كـــلـــهـــا
ورقــــــــت رقــــيـــــا يـــســـبـــق الــفــصــحـــاءَ
ومـضــى الحـبـيـب لطـيـبـة فـتـضـوعـت
بـــــقـــــدوم طــــــــــه الــهــاشـــمـــي صـــــفــــــاءَ
مـــســـكـــا وريـــحـــانـــا وعـــــطـــــرا طـــيـــبــــا
يـــســــري يــصــاحـــب لــلــمـــروج نـــمــــاءَ
بــمــديــنـــة هــــبـــــت لــلــقــيـــا (أحـــــمـــــد)
بــــنــــشــــيـــــد حـــــــــــــــــب لــــــهــــــفــــــة وولاءَ
شـــــوقـــــا إلـــــيـــــه تـــرنــــمــــوا بـــــودادهــــــم
لازال يـــــلــــــقــــــى بـــــالــــــربــــــوع ثــــــــنـــــــــاءَ
وثــــوى الـحـبـيـب بـطـيـبـة يــدعــو بــهـــا
بــــشــــريــــعــــة الله الــــعــــظــــيــــم دعــــــــــــــــاءَ
بــالـــحـــق لــــلإســـــلام قــــامـــــت دولـــــــــة
عـــظـــمـــى تـــحـــقـــق لـلــجــمــيــع نـــــقـــــاءَ
وتُـــقــــدم الإحـــســــان نــهـــجـــا صــائـــبـــا
لــــلـــــنـــــاس تـــــــرجـــــــو لـــلــــســــقــــام دواءَ
هــــــذا هــــــو الإســـــــلام ديـــــــن شــريــعـــة
ضـــــمـــــت لـــــنـــــا وســـطـــيــــة ســـمـــحــــاءَ
بـالــهــجــرة الـــرغــــداء أيــــنــــع روضــــنــــا
ظــــــــلا يــظـــلـــل بـــالـــهـــدى الـــســـعـــداءَ
فــبــهـــا دروس لــــــــو تـعـلــمــهــا الــــــــذي
قــــــد زاغ نـــــــال مـــــــع الــضــيـــاء لـــقــــاءَ
يـــــــــا أمـــــــــة الإســــــــــلام هـــــيـــــا لـــلـــعــــلا
كـــــنـــــا نـــعـــانــــق بــالــشـــمـــوخ ســـــمــــــاءَ
بـالـعـز كـنــا لــيــت شــعــري مــــا جــــرى
لــنـــكـــون لــلـــقـــوم الــلـــئـــام غــــــــذاءَ ؟!
لـــــــمـــــــا تــــركـــــنـــــا شـــــــرعـــــــة مـــــــبــــــــرورة
صــرنـــا مـــــع الـســيــل الـعـنـيــف غـــثـــاءَ
صـــلــــى الإلـــــــه عـــلــــى الــنــبـــي وآلــــــــه
مــــــا ســــــح غـــيـــمٌ بـالـفــضــاء الـــمـــاءَ !

الاثنين، 20 أكتوبر، 2014

قبس المعجزات




قبس المعجزات
***
شعر
صبري الصبري
***


مــلـــؤوا  الأوانــــــــي سـلــســبــيــلا نـــابـــعـــا
مـــن كـــف (أحــمــد) مسـتـطـابـا يـانـعــا
عـــــذبــــــا رطـــيــــبــــا طــــــاهــــــرا مـــتـــدفـــقـــا
يـــجــــري يــعــانـــق لـلـحـبــيــب أصــابـــعـــا
والـجــيــش يُـــــروى مــــــن إنــــــاء ضـــيـــق
أضــحـــى بـمـعـجــزة الـمـشـفــع واســـعـــا
فالله أعــــــطــــــاه الــــمــــواهـــــب جــــلــــهـــــا
أســــــــداه بــســـطـــا ذا بــــهـــــاء شـــاســـعـــا
وحـــبـــاه مـــوفــــور الــمــكـــارم والـــنــــدى
فــيـــضـــا جــلـــيـــلا لـلـفــضــائــل جـــامـــعـــا
و(حليمة) السعداء ضمت (أحمدا)
طـــفـــلا فـــجـــازت بــالــرجــوع مــراضــعــا
وبـلــيــلــة الإســــــــراء حــــــــاز الـمـجــتــبــى
طـــــــــــــه ســــــمـــــــوا لــــلأعــــالـــــي رافـــــــعـــــــا
وبــــســـــدرة الأنـــــــــوار حــــــــــل مـــبـــجــــلا
وســـــــواه يــلــقـــى بــالـــدخـــول الــمــانــعــا
والــــضــــب كــلـــمـــه جــــهــــارا شــــاهـــــدا
بــرســالـــة الــمــخــتــار أســــمــــع ســامـــعـــا
والــعــود أضــحــى ســيـــف غـــــزو بــاتـــر
بــــيــــمــيـــن طـــــــــــــه مــســـتـــنـــيـــرا لامـــــــعـــــــا
يــهـــوي عــلـــى جــيـــش لـكــفــر مـثـخـنــا
لــــــرقــــــاب أعــــــــــــداءٍ لــــــئــــــام قــــاطــــعـــــا
وشـــكـــا الـبـعــيــر ل(أحـــمــــد) أحـــزانــــه
يــبـــكـــي .. بــــطـــــه مـسـتـعــيــنــا دامــــعـــــا
ويــبـــث هـــمـــا لـلـحـبـيــب الـمـصـطـفــى
يـحـنــو عـلـيــه لــــدى الـمـوالــي شـافــعــا
وغـــزالـــة الــبــيــداء رامـــــــت (أحـــمــــدا)
جــهــرا ضـمـيـنـا كـــــي تــرضِّـــع راضــعـــا
والــــبــــئـــــر فـــــــــــــاض بـــتـــفـــلــــة لــنــبـــيـــنـــا
أضـــــحــــــى زلالا بــالــمــنـــابـــع طــــالــــعــــا
والسـيـف يـسـقـط مـــن عـــدو كـاشــح
لــيــكـــون خــصــمـــا لــلــمُــنَّــور ضــــارعــــا
ومــســيـــرة الأشـــجــــار نـــحــــو حـبـيـبــنــا
تــمــضـــي تـــــــؤم إلـــــــى حـــمــــاه مــرابـــعـــا
وســحــابــة ظـــلـــت تــظــلـــل (أحـــمــــدا)
إن راح أو كــــــــان الْــمُــظَــلَّــل راجــــعـــــا
والــعُــكَّــة ُالـفـيــحــاء ضـــمـــت سـمــنــهــا
دهـــــــــرا طــــويـــــلا بـالــمــطــاعــم نـــافـــعــــا
والـكــفــر فــــــي (ثــــــور) يـــلاقـــي غــــــاره
بــالــبـــأس مــحــروســـا يــــضــــم مــدافـــعـــا
والـفــارس المـشـتـاق نــوقــا قــــد ثــــوى
بـــالـــرمـــل مـــحـــتـــارا حـــســـيــــرا قـــابـــعــــا
والــــشــــاة أقــعـــدهـــا الــــهــــزالُ بــمـــســـه
درت شـــــرابــــــا بـــالـــهـــواجـــر نــــاصــــعــــا
والـعـيـن فـــي وجـــه الـجـريــح (قــتــادةٍ)
لاقــــــــــت طــبــيـــبـــا لــلــبــصــائــر بـــــارعـــــا
عـــــــادت أصـــــــح الـنــاظــريــن بــصـــحـــة
وســـــلامــــــة عـــــمــــــت مــــحــــبــــا تــــابــــعــــا
والــصــخــر يــقــريــه الـــســــلامَ إذا بـــــــدا
طــــــــــه وحــــــــــازى لــلــمُــسَــلِّــم شـــــارعـــــا
(أُحُـــدٌ) يـحــب المصـطـفـى وصـحـابـه
يـــهـــتــــز شـــــوقـــــا بــالـــجـــوانـــح والـــــعــــــا
تـغـشــاه مـــــن أمـــــر الـحـبـيــب سـكـيـنــةٌ
مـسـتـأنـسـا صـــحـــوا ســعــيــدا خــاشــعــا
ومــــواضـــــع الــــقـــــوم الـــلـــئــــام بـــــغـــــزوة
كـــــانــــــت بـــــحــــــق للهلاك مـــواضــــعــــا
كــــــــم مـــعـــجـــزات لا يـــــــــزال بــريــقــهـــا
يــجــتــاز فـــــــي دنـــيــــا الأنـــــــام مــواقــعـــا
إخــــبـــــار طـــــــــه عـــــــــن أمـــــــــور تُــــرتـــــأى
فــيــهــم تــثــيــر مــــــع الـحـنــيــن دوافـــعــــا
فــــيــــهــــا عــــــلامــــــات تــــــؤكــــــد كــــلــــهــــا
صــــدقــــا بـــإعـــجـــاز الـــنـــبـــوة ضـــالـــعـــا
بـــــزت مـعـارضـهــا الـجــهــول ومـــزقـــت
خـصـمــا عــلــى مـــــر الـعــصــور مـنــازعــا
ومـضـت بـأنـوار الحقـيـقـة قـــد هـــدت
قـــلــــبــــا ســلـــيـــمـــا لــلــمــهـــيـــمن طــــائــــعــــا
فـــبــــكــــل مـــعــــجــــزة بــــــيــــــان لــــــلــــــورى
تـــحـــوي بـتـفـصـيــل الأمـــــــور جــوامــعـــا
مـــــــرت ولازالـــــــت بــأصـــقـــاع الــــدُّنــــى
تــــــــــروى تـــــضــــــم روائـــــعــــــا ومــنـــافـــعـــا
مــنـــهـــا اتــــصــــال بـالـحــبــيــب قــلــوبــنـــا
تـــهـــفـــو تــــفـــــارق بــالــحــيـــاة مـــواجـــعــــا
تُــشـــفـــى بــفـــضـــل الله جــــــــل جــــلالـــــه
تُـــــهـــــدى ســـيــــاقــــا لــلــمــحــبـــة رائـــــعــــــا
وبــشــرعـــة الـــقــــرآن مــعــجـــزة حــــــــوت
لـــلـــنـــاس نـــــــــورا بـالـبــســيــطــة شـــائـــعــــا
فــمــن اسـتـفــاد بـحـكـمـه نــــال الـمــنــى
أو كـــان فـــي جـهــل يــكــون الـضـائـعـا
فــاجــعـــل إلـــهــــي حــبـــنـــا لـلـمـصـطــفــى
بــقــلــوبــنـــا غــــــرســــــا نــــضــــيــــرا يــــافــــعــــا
واجعل قصيدي في مديـح المجتبـى
يــــشــــدو بــــصــــدق الإتــــبـــــاع روائــــعـــــا
صـــلــــى الإلـــــــه عــــلــــى الــنـــبـــي وآلــــــــه
مــا الــودق لاقــى بـالـدروب مَـزارعـا !

السبت، 11 أكتوبر، 2014

عين العرب


عين العرب
***
شعر
صبري الصبري
***
عــــيــــنٌ تــــلاقـــــي عـــتـــمـــة الإبــــصـــــارِ
فـاسـتـسـلـمـت لــغــشـــاوة اسـتــعــمــارِ
وتــوســـدت ذل الـتـشـتــت والــنـــوى
والــقــهـــر والــطــاغـــوت والإعــــصــــارِ
واسـتــبــدلــت نـــومــــا قـــريــــرا نــاعــمـــا
بـالــســهــد مــزقـــهـــا بــلـــيـــل ضــــــــاري
واستقبلت حتـف العروبـة بالجـوى
تـــنـــعـــى بــــدمـــــع أنــيــنــهـــا الــــمـــــدرارِ
فـــحـــدود أمــتــنــا .. يـــــــروم عـــدونــــا
تــعــديـــلـــهـــا بـــخـــبـــائــــث الأغـــــــيـــــــارِ
بالمـكـر والتدلـيـس جـهـرا والـهــوى
تــمــضـــي الأمـــــــور بــفــكـــره الـــغــــدَّارِ
باسـم التـحـرر مــن قـيـود .. أمعـنـوا
فــــي الــوهــم والـتـألـيــب والأخــطـــارِ
بـربـيـع فـوضــى واخـتـطـاف فــاضــح
عـــانــــى الـجــمــيــع قــــلاقــــلا بــــديــــارِ
والـحـســن يــزهــو بـالـربـيــع إذا بـــــدا
بـــالـــروض والــريــحــان والأزهـــــــارِ !
لا بـالــقــبــائــح والـــــرذائـــــل تـــــرتـــــدي
ثـوب الخيانـة .. يــا لــه مــن عــارِ !
واخـتـلــت الأوطــــان يــهـــوي أمـنــهــا
فـي الخـوف والإرجــاف والأضــرارِ
زاغـــت عـيــون طـالـمــا كــانــت بــهــا
مـــنـــظــــومــــة لـــمـــبــــاهــــج اســــتـــــقـــــرارِ
ضـاعـت ربـــوع بالـصـفـا راقـــت لـنــا
مــن قـبـل بـالأُنــس الـهـنـيِّ الـســاري
باتت تحملق في الشخوص لعلها
تـلــقــى الأمـــــان بـمـسـتـطـاب جـــــوارِ
مـــــاذا دهــانـــا ؟! بـالـفـتــون تـفـتــتــت
أجـــــــــزاؤنـــــــــا لــــــدقــــــائــــــق بــــــغــــــبـــــــارِ
وعــدونــا يــرعـــى بـخــصــب حـقـولـنــا
مــســـتـــمـــرئـــا خـــيــــراتــــنــــا بـــــتـــــبـــــاري
بــمــجــون لــــــص نـــاهـــب مـسـتـكــثــر
مــســتـــنـــفـــر بـــبـــشــــاعــــة اســـتـــنــــفــــارِ
وذهول أصحاب الأراضي أقفـرت
بــــــــارت بـــأفـــظـــع حــــســـــرة وبـــــــــوارِ
والــنــاس كــلَّـــت فـالـحـمــول ثـقـيـلــة
نــــــاءت بـــهـــا بــالــجــدب والإقـــفــــارِ
والـشــرق صـــار بمسـتـطـيـر حــرائــق
يا ويل من أضحى بجـوف النـارِ !
طـابـت بــه الأحـــلام لاقـــت حـظــوة
عــــــنــــــد الــــــعــــــدو بـــلـــيـــلـــه ونــــــهــــــارِ
لابــد مــن قـهـر الـشـعـوب جيـوشـهـا
تـصـلــى جـحــيــم تـفــكــك ودمـــــارِ !
حــــتــــى يــــصــــول غــريــمــنــا بــديـــارنـــا
ويـجــول فـيـهــا راغــــبُ اسـتـكـبـارِ !
بشمـالـهـا وجنـوبـهـا .. فـــي شـرقـهـا
فـــــي غـربــهــا فــــــي أمــنــهــا الـمـنــهــارِ
وتـرنـحـت فـيـهـا الــصــروح ودُمِّــــرت
مِـــــــــنَّـــــــــا وفــــــيــــــنــــــا أروع الآثـــــــــــــــــــارِ
وعـيــون عُـــرْبٍ أغـمـضــت أجـفـانـهـا
صـــــارت بـــــلا بــصـــر أو اسـتـبـصــارِ
فـــــي تـــيـــه إعـــمـــاء حــثــيــث مــطــبــق
بـــــســــــواده الــمـــبـــثـــوث بـــالأخــــبــــارِ
قــتــلــى وجـــرحـــى وانــهــيـــار مـــنــــازل
ومـــــقــــــابــــــر لأكــــــــابـــــــــر وصــــــــغـــــــــارِ
وتـظــاهــر بــشـــوارع قـــــد أصـبــحــت
سـاحـات حــرب بالـنـزيـف الـجــاري
والـنـاشــط الـمــزعــوم قـــــام مـصــرحــا
تــصــريــحــه بــالـــمـــوت لــلأمـــصـــارِ !
حـــالات سـقــم جـســدت أمـراضـهــا
فــيــنــا جــلــيــا يـــــــا حـــمــــاة الـــــــدارِ !
هـــــــذا اخــــتــــراق الـطـامــعــيــن بــــأمــــة
فـــلـــتـــدفـــعـــوه بـــــوثـــــبـــــة الأحــــــــــــــــرارِ
بتـمـاسـك الأوطـــان نـهــزم خـصـمـنـا
بــــالــــعــــزم والإقــــــــــــدام والإصـــــــــــــرارِ
تــأبـــى الـعــروبــة بـالـشـمــوخ تــكــســرا
إن لازمــــــــــــت إشــــــراقـــــــة الأبـــــــــــــرارِ
يــــــا أمــــــة الـــقـــرآن هـــبــــي بــالــهـــدى
فــبــه الـبـصـائـر فــــي تــقــى الأبــصـــارِ
وبــــــه انـــجــــلاء لــلــظـــلام ولــلــدجـــى
بـــالـــشــــرع والأحـــــكـــــام والأنـــــــــــوارِ
حـــبـــل الإلـــــــه الـمـسـتــعــان نـجــاتــنــا
مــــــن كــــــرب يـــــــا أولـــــــي الإبـــصــــارِ
وســطـــيـــة فــيـــحـــاء نــــبــــراس الــــعــــلا
للمسلـمـيـن عـلــى مـــدى الأعـصــارِ
فاجـمـع إلـهـي شمـلـنـا واحـفــظ لـنــا
أوطـــانــــنــــا بـــأمـــانـــهـــا يــــــــــــا بــــــــــــاري
صــلـــى الإلــــــه عـــلـــى الــنــبــي وآلــــــه
طه الحبيب المصطفى المختـارِ !

الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

إلـهــي أنـــت عـــزي أنــــت جــاهــي


إلهي
**
شعر
صبري الصبري
**
إلـهــي أنـــت عـــزي أنــــت جــاهــي
فـهــب لـــي رحـمــة عـظـمـى إلــهــي
ببسطـك يـا كـريـم الفـضـل ألـقـى
فــتــوح الـخـيــر فــــي كـــــل اتــجـــاهِ
بــطــاعــات بـــهـــا تــصــفــو حــيــاتــي
بـفـيــض مــنــك مـحـمــود الـتـنـاهـي
لأنـهـل مــن ضـيـا التـقـوى سنـاهـا
بصدقـي فـي خشوعـي وانتبـاهـي
عـبـدتــك أرتــجــي مــنــك اهــتـــداءً
وبــعـــدا عـــــن تـلابــيــب الـمــلاهــي
وقـــربـــا مـــنـــك تـحـبــونــي لـــجــــوءا
لـــديــــك بـمــنــحــة الــغـــفـــران بــــــــاهِ
رضاكَ ومن يكن برضاك يحظى
بـــأمــــن مـــــــن بــلــيـــات الــــدواهــــي
ويـلــقــى بـالــهــدى رغـــــدا وأنـــســـا
مــكـــيـــنـــا بــالـــصـــفـــا والـــــنــــــور زاهِ
محـاطـا بالـتـقـى مـــن كـــل جـنــب
بـحـصـن عـــن إســـاءات الـتـلاهـي
مـع الحسنـات فــي ذكــر وشـكـر
وتـســبــيــح بــســـجـــدات الــجـــبـــاهِ
بـإخــلاص لـــرب الـعــرش يـمـضــي
بــإخــبـــات بــــــــلا أدنــــــــى اشــتـــبـــاه
ويـــنـــبـــذ كـــــــــل مـــــعـــــوج بـــعـــيــــش
بـغــيــض فــــــي دجــــــى الآثــــــام واهِ
فــإن الـقـلـب قـــد ذاق انسـجـامـا
بــطــهــر فـــيـــه مـــرغـــوب الـتــبــاهــي
بـشـرع الله ذي الإجــلال يسـمـو
بـــــنــــــا والله فـــــــــــي عـــــــــــز وجـــــــــــاهِ
وقــهـــر الــشـــر بـالـخـيــرات تـنــمــو
لـتــوقــظ غــافـــل الـــوجـــدان ســــــاهِ
فــمـــا أســنـــى الـشـريـعــة إن فــيــهــا
لــــكــــل الــــنــــاس إغــــــــداق الإلــــــــهِ
بـــهـــا شـــعــــري بــإعــجـــاب تَــغَــنَّـــى
بــإقــبـــال الــمـــصـــدق والْــمُــبَــاهــي
فكـم فيهـا مـن الحسـنـى بحـكـم
بـــــــه خـــيــــرُ الأوامــــــــر والــنـــواهـــي
فهب لي من لـدن رحمـاك سعيـا
يـــكـــون لــســنــة الـــهـــادي مـــضـــاهِ
لأحيـا فـي حـمـى الأنــوار أمـضـي
سعـيـدا فــي حـــلال الـعـيـش طـــاهِ
إلـى الخـيـرات والطـاعـات أدعــو
عـــــــن الآثـــــــام والـــســــوءات نـــــــاهِ
وصـــلـــى الله ربــــــي كـــــــل وقـــــــت
عــلــى الـمـخـتـار دومــــا يــــا إلــهــي
وآل الــبــيــت مــــــا هـــبــــت ريـــــــاحٌ
بــهـــا لــلــنــاس مــحــمــود انــتــبــاهِ !

الخميس، 9 أكتوبر، 2014

الحجون في عيون الشعراء

الحجون في عيون الشعراء
حامد محمد الشريف
ذو القعده 1432

لبعض الأماكن لون وطعم ورائحة مختلفة تميّزه عن كثير من الأماكن الأخرى
والُحجون ، بفتح أوله على وزن فعول ، كما ذكر أكثر من مؤرِّخ ، هو الجبل
الذي يشرف على مسجد الجن أو مسجد البيعة الذي يعرف أيضا بمسجد الحرس
وفيه ثنيّة تمتد من حائط عوف إلى شِعب الجزارين و بأصله كانت المقبرة في الجاهلية .
وكانوا يرددون في الجاهلية هذين البيتين :
سائل بِطلحة بالبطاح ..... بِطاح مكة فالحجون
هل مثل طلحة فيكم ...... في من يقيم ومن يبين
وقد شهد الحجون كثير من الأحداث ، السياسية والدينية والاجتماعية على مر الأيام والعصور
مما جعل اسمه يتردد على ألسنة الناس ، وخاصة الشعراء ، الذين ما انفكوا يذكرونه في
شِعرهم وقصائدهم منذ عهد الجاهليّة إلى يومنا هذا مرورا بعصر الإسلام الذي شهد فيه
المكان على كثير من الأحداث الإسلامية المهمة - مثل تردد الرسول صلى الله عليه وسلم
عليه وتعليمه القرآن للجن إضافة إلى أنه أشرف مقبرة على الأرض بعد البقيع - وغيرها من الحوادث التي ليس مكان سردها هنا ، لأننا سنذكر فقط بعض الأشعار
التي قيلت فيه . ولا شك أن الحجون ذكر على لسان الشعراء في مئات القصائد ، ولعل من
أهمها وأقدمها وأكثرها تداولا على ألسنة الناس ، قصيدة مضاض بن عمرو الجرهمي التي
قالها عندما طردتهم خزاعة من مكة إلى قنوني ، فقد نزعت إبل له فخرج في طلبها قوجد
أثرها قد دخلت مكه ، فشاهدها من فوق جبل أبي قبيس وهي في بطن واد بمكة تُنحر
وتُؤكل ولا سبيل له إليها فولّى منصرفا وهو يقول :
وقائلة والدمع سَكْبٌ مبادر ..... وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا .... أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربّع واسطا فجنوبه ..... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضرُ
فقلت لها والقلب مني كأنّما ..... يُلجلجه بين الجناحين طائرُ
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ..... صروف الليالي والجدود العواثرُ
إلى آخر القصيدة .
وقال الحارثي بن خالد المخزومي قصيدة جميلة في الحجون كان يُتغنى بها :
يا بِشْر إني فاعلمي ..... والله مجتهدا يميني
ما إن صرمت حبالكم .... فصلي حبالي أو ذريني
إستبدلوا طلب الحجا ..... زوسرة البلد الأمين
بحدائقٍ محفوفةٍ ..... بالبيت من عنبٍ وتين
يا دار أقفر رسمها .... بين المحصّب والحجون
أقوت وغيّر آيها ...... طول التقادم والسنينِ
وقال الأعشى وهو يؤنب رجلاً ؛ ويخبره أنه مع علو شرف نسبه لم يبلغ مبلغ قريش ، 
الذين هم سكان حرم الله ، والذين لهم حظ الشرب من زمزم : 

فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا 

ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم

وفي الحجون يقول كثيّر بن كثير :
كم بذاك الحجون من حيِّ صِدقٍ ..... من كهول أعِفّة وشباب
وهو يقصد أنهم مدفونون في مقبرة الحجون .
أما الإمام الفاكهي فينقل في كتابه أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ، عن الزبير بن أبي بكر
قول هند بنت عتبة :
لحا الله كلّ صائبةٍ بِوِجّ .... ومكّة أو بأطراف الحجون
تدين لمعشرٍ قتلوا أباها ..... أقتل أبيك جائك باليقين
وقال قيس بن ذريح في قصيدته التي مطلعها :
أضوء سنا برقٍ بدا لك لمعه ..... بذي الأثل من أجرع بيشة ترقب
ومنها
عفا الله عن أم الوليد أما ترى ..... مساقط حبي كيف بي تتلعّب
إلى أن يقول :
تظن بنا الظن المكذّب أنه .....وراكبه دارا بمكة يطلب
فلا والذي مسّحت أركان بيته ..... أطوف به في من يطوف ويحصب
نسيتك ما أرسى ثبيرٌ مكانه ..... وما دام جارا للحجون المحصّب
ويقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي :
قف بالطواف ترى الغزال المحرما .... حج الحجيج وعاد يقصد زمزما
عند الطواف رأيته متلثّما ..... للركن والحجر المعظم يلثما
أقسمت بالبيت العتيق لتخبري .... ما الإسم قالت من سلالة آدما
ألإسم سلمى والمنازل مكة ..... والدار ما بين الحجون وغيلما
وقال السيد جعفر الميرغني في سيدة الفخار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد :
قف بالحجون سويعة يا حادي ..... واقْرِ السلام أهيل ذاك الوادي
وأنخ ركاب الشوق في سوح العلا .... سوح الكرام السادة الأمجاد
واقصد هناك فريدة الحسن التي ..... حوت الفخار بسيد العبّادِ
وقُلِ السلا عليك يا أم الورى .... . زوج الرسول الهاشمي الهادي
أم البتول خديجة ذات التقى ..... من بُشِّرت بالفوز والإسعادِ
وفي السيده خديجه أيضا يقول الشاعر صبري الصبري :

سل عن خديجة هاهنا الأنحاء .... وسل الربوع وسائل الأرجاءَ
وسل الحطيم ومروة وسل الصّفا ..... وسل المقام وكعبةً غرّاءَ
وسل الشّبيكة والنقا والمدّعى ..... وسل الحجون وسائلنَّ كداءَ


وقال أبو الحسن علي بن عبدالله النميري الششتري الأندلسي :
مِلْ بنا يا سعد وانزل بالحجون .... هذه الأعلام تبدو للعيون
والتفت غربيّها كيما ترى .... نار من تهواه بالشِّعب اليمين
لِلْقِرى شبّت قديما نارها ..... وهي لا تطفى على طول السنين
وقال أيضا في قصيدة مطلعها:
حرّك الوجد في هواكم سكوني ..... وعليكم عواذلي عنّفوني
يا غريبَ النَّقا لقد جرَّعوني .... بالصُّدود كاس الرَّدى والمنونِ
ارحموا من قضى جَوى في هَواكم ..... وقِفوا عند رَوْضتي بالحجونِ

والقصائد في الحجون أكثر من أن تحصى ، ولكن سأختم بهذه القصيدة من الشعر الشعبي
لطرافتها وهي بعنوان ريع الحجون مع انني لم أقف على قائلها الذي يقول :
ألله يا ريع الحجون ..... لك في الحنايا أمكنهْ
أسهر ويسهر بي الشّجون .... يا ريع قلبي يسكنه
يا ما لعبنا البرجون ..... بزقاق خاله آمنه
ويا ما تحدينا السكون ..... لعب وصياح ودندنه
ونغازل البنت الفتون ..... أم العيون الفاتنه
مِنْ يشتري العقل ابْجنون ..... وينك زمان الورعنه
لا همّ لا فِكْر اوظنون ..... كيرم وكورا اوضومنه

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2014

مقال عن قصيدتي شمس الصباح


مقال للكاتبة السعودية
الأستاذة ليلى محمد باهمام
في جريدة اليوم السعودية
بتاريخ الخميس الموافق 12 يونيو 2014 العدد 14972
عن قصيدتي : شمس الصباح
****
واقرأ قَصِيدَةَ شَاعِرٍ مُتَأدِّبٍ

بالخَيْرِ.. فالشِّعرُ الجَمِيلُ تَأدُّبُ
بيتٌ من قصيدةٍ حديثة راقت لي فقد جاء في مطلعها:
شَمْسُ الصَّبَاحِ إذا أضَاءَتْ تَغْرُبُ
والبَدْرُ مَا يَعْلُو وَيَزْهُو يَشْحُبُ
والنَّهْرُ يَأسَنُ بالرُّكُودِ وإنْ صَفَا
والبَحْرُ مَا مَجَّ المَوَالِح يَعْذُبُ
هذه القصيدة أحسن بناءها المهندس المدني صبري الصبري الشاعر والقاص المصري المعاصر، فتجَلَّت الحكمة في كل شَطْرٍ منها رغم طولها، فسُبحان مَنْ ألهمه، وأسأل الله أن يُبارك لمصر التي أُحبها، ولكل الأخوة المصريين في رئيسهم المُنتخب الجديد، وأنْ يَقيَهُم الفِتٓن ما ظهر منها وما بطن.
نحن كبشر يدفعنا احتياجنا المادي إلى العمل وبذل المزيد من الجُهد لأننا نعلم بأن الوصول إلى المال يعني الوصول إلى كل ملذات الحياة المُباحة
وأعترف لكم رغم أنني امرأة صباحية تعشق طلوع الفجر وتنتظره بشغفٍ بالغ، ألا إنني لديَّ يقينٌ دائمٌ بأن الشروق يعقبه غروب يُتيح للبدر فرصة الظهور بزهوٍ جميلٍ يُحسدُ عليه،لكنه ما يلبث أن يتضاءل ليُصبح هلالاً بهي الحُسن جميل المُحيّٓا، ولكل لحظة من هذه اللحظات تجلِيَاتها وعُشاقها الذين لا يفتأون يذكرونها شعراً ونَثْراً.
التحوُّل والتغيُّر سُنَّةُ الحياة التي لم تَصْفُ ولن تَصفو لأحدٍ كائناً مَنْ كان، وقلوبنا بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء، كما جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم– يقول : ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحدٍ يُصَرِّفَهُ حيث شاء ثم قال: اللهم يا مُصَرِّفَ القُلُوبَ صَرِّف قلوبنا على طاعَتِك)) رواه مسلم، ولذلك فقد قيل قديماً «دَوَامُ الحالِ مِنَ المُحَال».
والقلبُ ينأى بالجوارحِ إن غَوٓى
وإذا تَصَافَى بالهداية يقربُ
والنفسُ تُصْلِحُها الهدايةُ والتُّقَى
وإذا استطالت في الغِوَايَةِ تخربُ
والنبعُ في بَطْنِ الترابِ إذا رَبَى
يوماً بأعماقِ البسيطةِ يَنْضُبُ
ذلك التحوُّل من حالٍ إلى حالٍ ليس في حياتنا كبشرٍ فحسب، بل نلمسه في كل ما حولنا من كائنات، فالنهر رغم عذوبته إنْ توقف عن الجريان تغيَّر طعمه، والبحر رغم ملوحته العالية إلا إن الإنسان الذي ألهمه الله العلم والعمل تمكن وعبر مصانع التحلية من تنقيته ليُصبح ماءً عَذْباً زُلالاً -وما زلنا في بعض مدن ومحافظات المنطقة الشرقية ننتظر وصوله إلينا- لا سيما بعد أن بلغ واحة الأحساء وما حولها فانتشى به الشجر والبشر في ظل نضوب أشهر العيون فيها.
ولأن القلب هو محل العقل -كما ذكرتُ في مقالٍ سابق- فإنَّه هو منَاط الهداية والغواية بعد توفيق الله تعالى وهدايته لذا فهو نقطة التحول الأولى في حياة كل مَنْ رُزِق به فصار مُكلفاً بمقتضاه، مُحاسباً على تقصيره..
والروضُ ما أهملت رَيَّ زهوره
بجفافها رغم المَلاحةِ تَعْطَبُ
والطيرُ بالأوكار قَرَّ بلَيْلِـــهِ
وبصبحه الأرزاق يسعى.. يطلبُ
والنمرُ يَفْتُكُ بالغزالةِ جائعاً
وبشبْعِهِ يغفو فيغفو المخلبُ
نعم ما يدفعنا لفعل الكثير من تصرفاتنا وممارساتنا -وإنْ كانت خاطئة- هو الشعور بحاجتنا المَّاسَّة لها، فإنْ شعرنا بالجوع بحثنا عن الطعام في مطبخ البيت أو لجأنا إلى المطاعم لإشباع هذا الاحتياج، وهو ذاته ما يحدث عند شعورنا بالعطش أو المرض أو الرغبة في الارتواء من المشاعر بشتى أنواعها، ولذلك يلجأ مُدربو السِّبَاع في السيرك وغيره إلى إطعام الحيوانات قبل البدء في تدريبها أو إنزالها لمواجهة الجمهور لأنهم متأكدون أنها إن شبعت لن تضرَّ مخلوقاً وإنْ وَضَعَ رأسه بين أنيابها، فهي بفطرتها تصطاد لتأكل ولا تقتل فريستها لمجرد الرغبة في القتل.
ونحن كبشر يدفعنا احتياجنا المادي إلى العمل وبذل المزيد من الجُهد لأننا نعلم بأن الوصول إلى المال يعني الوصول إلى كل ملذات الحياة المُباحة، وقد يصل بنا إلى الجنَّة ونعيمها المُقيم إنْ نحنُ أحسنَّا التصرٌُف فيه.
إن التأمل في الحياةِ سعادةٌ
فيها ابتهاجٌ واخضرارٌ مُعْشِبُ
نَضْرٌ جميلٌ باهرٌ ذو سُنْدُسٍ
حُلْوٌ رقيقٌ للقلوبِ مُحَبَبُ
عذبٌ بهيٌّ ساطعٌ في طَيِّهِ
زهرٌ ووَردٌ للسآمَةِ مُذْهِبُ
يروق لي أن أذكر دائماً أنَّ أبسط الأشياء في مُحيطنا قد تُسعدنا دون اضطرارٍ للرحيل أو شَدِّ الرِّحال، فالسعادة قد نجدها في ضحكة طفلْ يُناغي باستمتاع، أو دَعوة والدين بعد أن أدخلت السرور إلى قلبيهما فَبَررتَ بهما بفعلٍ أو قول، ولعلها مُجرد «كلمة طيبة» أو ابتسامة من زوجةٍ مُحبَّة تستقبلك بها فتُسقط عن كاهلك تعب يومٍ بأكمله وإن كُنت أشقى الناس حالاً.
وَاجِهْ صِعَابَكَ في الحياةِ بحكمةٍ
ما صعْب أمرٍ بالعَزِيمةِ يصعبُ
واعْمُرْ فؤادك باليقين فإنَّــهُ
طِبٌّ لقلبكَ.. والحياةُ تَطَبُّبُ
قليلون هم مَنْ يُلهمهم الله الحكمة والثبات في ساعة الشِدَّة فيَتَحلَّون بعزيمة بوسعها دَكّ أعْتَى الجبال، لأنهم يمتلكون مع الإرادة شيئاً من اليقين بأنَّ -وبإذن الله تعالى- كُلَّ شِدَّةٍ ستُفرَج، وكل مُبْتلى سيُعافى، وكل مدِينٍ سيُقضى دينه، وكل خاسرٍ سيربح إن هو بَذل الأسباب مُتوكِّلاً على ربِّ العباد، ويزدادون يقيناً حين يعلمون بأن العبد يُبتلى بحسب إيمانه ومحبة الله له، وفي هذا اليقين «مستشفى» متكامل لكافة أمراضنا وأعراضنا النفسية والجسدية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً، أسأل الله أن يرزقنا اليقين الدائم والثبات على الحق وأنْ يُطمئن قلوبنا باسمه، وقد لَمستُ أثَر هذه الدعوة التي يُردِّدها بعض كبار السِنِّ عليهم في أواخر حياتهم، فهم وإن أذهب المرض عقولهم، أو مَحا الزهايمر ذاكرتهم يظلون مُسبِّحين مُهلِّلين ذاكرين لا يتطاولون على مُسلـمٍ أو غيره بقولٍ أو فعل حتى تحين منيَّتهم فيُسلِّمون الروح إلى بارئها مُطمئنة كما أرادوا.
قبل الوداع:
سألتني: تقولين الصمت مَنْجَاة، فهل هي حكمة الصمت الوحيدة من وجهة نظرك؟
فقلت: عندما تملؤنا الخيبات من أقرب النَّاس إلينا نصمت، لأن ما بِداخلنا لا يمكن أن تُترجمه الكلمات مهما بلغت فصاحتها، وفي القصيدة بيت يقول فيه الشاعر:
ودوامُ حالٍ مِنْ مُحَالٍ طالما
في هذهِ الدُّنْيَا الخلائِقُ تُنْجَبُ!!
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله لتلميذه الربيع:
إلى اللهِ أشْكُو لا إلى النَّاسِ أنَّني
أرَى الأرضَ تَبْقى والأخِلاء تَذْهَبُ