الاثنين، 9 مارس 2026

 بينما كان الجنرالات الفرنسيون يتناولون الغداء على موائد "البكوات" و"المشايخ" المزينة بالحرير والفضة، كان علماء الحملة (خاصة أولئك الذين صنفوا موسوعة "وصف مصر") يتسللون إلى الحارات والأزقة ليرصدوا حياة "العامة". وقد وصف الفرنسيون الفجوة بين المائدتين (الغنية والشعبية) بدقة مذهلة، ركزت على الطقوس أكثر من المكونات. فقد وصف الفرنسيون مائدة الحارة المصرية (خاصة في إفطار رمضان) بأنها مائدة "ديمقراطية" وفطرية. بدءا من الجلوس على الأرض، الذي أدهش الفرنسيين من قدرة المصريين على الجلوس لساعات "متربعين" حول "طبلية" خشبية قصيرة، واصفين ذلك بأنه نوع من المرونة الجسدية التي لا يملكها الأوروبي، الذي اعتاد على الجلوس على كراسي المائدة. كذلك لاحظوا أن الفقراء يأكلون من أطباق فخارية كبيرة مشتركة، حيث يغمس الجميع بقطع الخبز (العيش) في طبق واحد، وهو ما اعتبره الفرنسيون دليلاً على "الروابط العائلية والاجتماعية القوية" رغم الفقر. كما رصدوا الاعتماد الكلي على البقوليات (الفول والعدس) والخضروات الموسمية، ووصفوا "البصل الأخضر" و"المخللات" بأنها فاتحات الشهية الرئيسية التي لا تخلو منها مائدة فقير. كما كان الخبز بالنسبة للفقراء هو "سيد المائدة"، ووصفوه بأنه قرص مستدير يحل محل الملعقة والشوكة، وانبهروا بقدرة المصري على استخدامه بمهارة لالتقاط الطعام (يغمسون).

في المقابل، كانت موائد الأعيان (مثل بيت الشيخ السادات أو الألفي بك) تبدو للفرنسيين كقصص "ألف ليلة وليلة"، فقد وصف أحد ضباط نابليون مأدبة عند أحد الأعيان قائلاً: "كانت الأطباق تتوالى حتى بلغت الخمسين صنفاً، وما إن تذوق صنفاً حتى يُرفع ليحل محله آخر". وبينما ندر اللحم في الحارات، كانت موائد الأغنياء تعج بالخراف المحشوة، وطيور الحمام، والبط المطهو بالسكر والفواكه. كما لاحظ الفرنسيون أن الأغنياء قبل الطعام يستخدمون "الفوط" المطرزة بخيوط الذهب، ويغسلون أيديهم بماء الورد من "أباريق" نحاسية مزخرفة قبل، وايضا بعد الأكل كذلك. كما سجل بعضهم ملاحظة اجتماعية هامة عن بعض الفروقات الهامة. فاللحم مثلا في الحارة، كان اللحم "ضيفاً عزيزاً" يظهر غالباً في "الفتة" أيام الأعياد أو عند نذر معين. أما عند الأغنياء، فاللحم هو "أساس المائدة" ويُقدم بأشكال معقدة. أما الحلويات ففي رمضان فقط، كان الفقراء يكتفون بـ "المهلبية" البسيطة أو التمر، بينما كانت "البقلاوة" و"الكنافة" المحشوة بالمكسرات الغالية (الفستق واللوز) حكراً على موائد القصور والأعيان. ومن أجمل ما سجله الفرنسيون عن عادات المصريين هو "المشاركة". فقد ذكروا أن "ابن البلد" في الحارة، مهما كان طعامه بسيطاً، لا يمكن أن يبدأ الأكل دون أن يدعو العابرين (بمن فيهم الجنود الفرنسيين أحياناً) بعبارة "تفضل"، وهي قيمة أثارت إعجابهم واعتبروها من أرقى الصفات الأخلاقية لهذا الشعب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق