التوسل بالنبي ﷺ – عرض مذاهب العلماء وتحقيق المسألة
المذهب الأول: الإباحة المطلقة – وهو مذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة
ذهب جمهور علماء المذاهب الأربعة إلى جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وهو ما نُقل عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل في رواية عنهم [انظر: ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢؛ النفراوي: الفواكه الدواني، ٢/ ١٦؛ الشربيني: مغني المحتاج، ٢/ ١٩٥].
١. مذهب الحنفية:
قال العلامة ابن عابدين رحمه الله: "وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢]. وهذا نص صريح في جواز التوسل عند إمام الحنفية.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن المتقدمين من الحنفية كأبي حنيفة نفسه وأبي يوسف ومحمد بن الحسن قد كرهوا صيغة "بحق الأنبياء" لأنهم رأوا أنه لا حق للمخلوق على الخالق [انظر: بدائع الصنائع، ٥/ ١٢٦]. لكنهم مع ذلك أجازوا التوسل بصيغة "أسألك بنبيك" كما صرح به ابن عابدين عن أبي حنيفة نفسه.
وقد صرح متأخرو الحنفية بجواز التوسل صراحة، قال الامام الكمال بن الهمام- رحمه الله - ": ثم يقول في موقفه: السلام عليك يا رسول الله... ويسأل الله تعالى حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام" [ابن الهمام: فتح القدير، ١٠/ ٦٤].
٢. مذهب المالكية:
قال العلامة النفراوي رحمه الله :"ويستحب التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ولفعل الصحابة [الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٦].
وقد ورد عن الإمام مالك- رضي الله عنه - نفسه قصة مشهورة مع أبي جعفر المنصور العباسي:" فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ" [ الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:٢/٤١].
٣. مذهب الشافعية:
قال الإمام الشربيني رحمه الله :" ويسن التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقول النبي ﷺ للأعمى: 'اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٩٥].
وقال الإمام النووي رحمه الله : "ومن أدعية الاستسقاء: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وأرسل السماء علينا مدرارًا. ويتوسلون بالصالحين فيدعون على أيديهم، وهذا هو المشهور"[الأذكار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ص ١٨٤].
٤. مذهب الحنابلة:
قال ابن قدامة رحمه الله :"ولا بأس بالتوسل بالصالحين في الدعاء، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [المغني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ، ٣/ ٢٧٦].
وقال ابن مفلح رحمه الله :"ويجوز التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، وهو مذهب أكثر العلماء"[الفروع، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢٤هـ، ٣/ ٢٤٥].
أدلة جمهور العلماء:
الدليل الأول: فعل الصحابة في الاستسقاء بعم النبي ﷺ :
فقد ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استسقى في عام الرمادة، قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" [أخرجه البخاري:١٠١٠]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرحه: "وفي هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالصالحين" [ابن حجر: فتح الباري، ٢/ ٤٩٧].
وهذا دليل قاطع على أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ.
الدليل الثاني: فعل الصحابي عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ :
روى الحاكم في المستدرك وصححه، والطبراني في الكبير، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقضى حاجته، فذكر ذلك لابن حنيف فقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي" [رواه الحاكم (١/ ٣١٣) وصححه ووافقه الذهبي].
وهذا فعل صحابي جليل بعد وفاة النبي ﷺ، وهو عثمان بن حنيف نفسه راوي حديث الأعمى، فلو كان هذا التوسل بدعة لكان أولى الناس بإنكاره هو راوي الحديث، ولكنه فعله وأمر به غيره.
الدليل الثالث: حديث الأعمى المشهور :
روى الترمذي عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك» فقال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في" [رواه الترمذي (٣٥٧٨) وقال: حديث حسن صحيح].
فيه دليل صريح على مشروعية التوسل بالنبي ﷺ بذاته وجاهه، إذ قال: "أتوجه إليك بنبيك" ولم يقل: بدعاء نبيك، وهذا نص في الجواز.
الدليل الرابع: توسل آدم بنبينا محمد ﷺ قبل خلقه :
روى البيهقي في "دلائل النبوة" والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» [رواه الحاكم (٢/ ٦٧٢) وصححه].
الدليل الخامس: عمل المسلمين قرونًا متطاولة :
فقد جرى عمل المسلمين سلفًا وخلفًا على التوسل بالنبي ﷺ في صلواتهم وأذكارهم ودعواتهم، ولم ينكره منكر إلا في الأزمنة المتأخرة. قال الإمام الشعراني رحمه الله: “اعلم أن التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم جائز عند جميع المسلمين، إلا من شذ من أهل البدع" [ المنن الكبرى، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ٧٢].
المذهب الثاني: ذهب البعض إلى المنع من التوسل مطلقا :
فقد ذهب البعض إلى منع التوسل بذات النبي ﷺ وجاهه بعد وفاته مطلقا، حيث قالوا : "التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه - لا في حياته ولا بعد مماته - ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم"، وكرهوا قول الداعي: أسألك بحق فلان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق