الاثنين، 9 مارس 2026

 وكانت ليالي رمضان بالنسبة للجنود الفرنسيين في مصر خلال سنوات الحملة (1798 : 1801م) مزيجاً من الذهول الثقافي والعزلة النفسية. وصفت رسائلهم ومذكراتهم (والتي جمعت لاحقاً في عديد من المؤلفات) القاهرة وكأنها مدينة "تولد من جديد" بعد الغروب. فقد اندهش الجنود من تحول المدينة الهادئة نهاراً إلى خلية نحل صاخبة ليلاً. كتب أحد الجنود في رسالة لأهله: "المصريون يقضون نهارهم في صمت كالأموات، فإذا ما غابت الشمس ودوّى المدافع، دبت الحياة فيهم فجأة وكأنهم في عيد لا ينتهي حتى الفجر". كما وصفوا انبهارهم بمنظر مآذن القاهرة وهي تضاء بالقناديل، والناس يسيرون في الشوارع يحملون الفوانيس الملونة. وصف أحد الضباط المشهد قائلاً: "تبدو مآذنهم في الليل كأعمدة من نور، والأسواق تظل مشرعة الأبواب تعج بالحركة والضجيج، وهو ما لم نعهده في مدننا الأوروبية".

كما كان الجنود يراقبون من بعيد (أو يجلسون بحذر) في المقاهي الشعبية. فسجلوا إعجابهم بـ "الحكواتي" الذي يلتف حوله الناس لسماع سيرة "عنترة" و"أبي زيد الهلالي". وصفوا هذه التجمعات بأنها "طقوس سحرية" رغم أنهم لم يفهموا من اللغة شيئاً، لكنهم ذهلوا من انفعالات المصريين مع القصص. في المقابل، كانت هناك نبرة شكوى في رسائلهم؛ فالحصول على الخدمات أو العمال في نهار رمضان كان مستحيلاً. كتب جندي آخر: "لا يمكنك إجبارهم على العمل نهاراً، فالعطش والحر ينهكهم، والطرقات تخلو تماماً، مما جعلنا نشعر بالعزلة في معسكراتنا حتى يحين الليل". كما أثار "المسحراتي" فضول كثير منهم ؛ حيث ابدوا اعجابا زائدا به وكانوا يصفونه في رسائلهم بـ "الرجل الذي يطرق الطبول في منتصف الليل ليوقظ النائمين بكلمات منغمة"، واعتبروه جزءاً من الفلكلور العجيب لهذه البلاد.
وكانت احتفالات المصريين الجماعية تزيد من شعور الجنود بالوحدة والحنين لفرنسا. كتبت بعض الرسائل عن "مرارة الغربة" وسط شعب يحتفل بدينه بينما هم يحاربون في أرض غريبة، حيث قال أحدهم: "هؤلاء الناس يملكون عالماً خاصاً بهم لا نستطيع اختراقه مهما حاولنا التودد إليهم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق