فاطمة.. البتول.. أمّ أبيهـــا
الأربعاء, 11 يونيو 2008
د. محمد عبده يماني
ما أجمل أن نقف بين وقت وآخر عند جانب من جوانب السيرة النبوية العطرة من خلال استعراض حياة وسيرة زوجاته الكريمات، وبناته رضي الله عنهن جميعا، لأنهن جزء من ذلك التاريخ المشرق العريق، والسيدة التي نتكلم عنها اليوم هي فاطمة الزهراء البتول الطاهرة أمّ أبيها فقد استبشر الرسول صلى الله عليه وسلم بمولدها وقال لزوجته خديجة: يا خديجة إنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تعالى سيجعل نسلي منها. ولهذا كانت مثار اهتمام أبيها، ولاسيما أنها كانت تشبهه. فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كانت أشد الناس شبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، بيضاء، مشربة بحمرة، لها شعر أسود.
وعن أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت امرأة أشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت بيته أخذ بيدها فأجلسها في مجلسه فقبّلها، وكان إذا دخل عليها قامت فقبلته وأخذت بيده فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فأسرَّ إليها فبكت، ثم أسرّ إليها فضحكت، فقلت كنت أحسب أن لهذه المرأة فضلاً على النساء فإذا هي منهن بينا هي تبكي إذا هي تضحك، فسألتها فقالت إني إذا لبذرة، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها فقالت: أسرّ إلى وأخبرني أنه ميت فبكيت، ثم أسرّ إليّ إني أول أهله لحوقًا به فضحكت)(1).
رضي الله عنها وأرضاها.. فقد كانت نطفة طاهرة ونسمة كريمة باهرة.. وسيدة فاضلة أشبه ما تكون بسيد الخلق وقد ورثت المجد من كل جانب وحازت الفضل. (2)
هي بنت من ؟ هي زوج من ؟ هي أم من ؟ … من ذا يداني في الفخار أباها
هي ومضة من نور عين المصــــطفى … هادي الشعوب إذا تروم هداها
ويزهو شاعرنا المحب صبري أحمد الصبري في قصيدته «فاطمة البتول» بحبه للسيدة فاطمة كتعبير لحب المسلمين لها:
أحببتُ فاطمة البتول فحبـــها
أزكى المحبة في علا الأشواقِ
تزكو القلوب بحبها فمقامـــها
عالٍ ينير بصائر المشــتاقِ
هي بضعة المختار نبراس الهدى
لمـن استفادوا بالضيا الخفّاقِ
أحببتها بنت الحبيب وإنـــها
زهــراء حسن باهر الآفاقِ
سكنت قلوب المؤمنين وروحهـم
دومـا تراها في سنا الأحداقِ
زهراء بنت خديجة خير النســا
تزهــو بنور طيب الإشراقِ
ثم يقول في قصيدة « زهراء الهدى» :
برحاب زهراء الهدى الرباني
بنت الرسول المصطفى العدناني
أجد السرور بمهجتي وكياني
وضياء نور الملتقـى الإيماني
أكرم بفاطمة البتول فقدرها
قدر عظيم شامـــخ الأركان
ويقول أيضا في قصيدة «زهرة الحسن»:
وأحب فاطمة البتول ونسلـها
أهل الكساء خلاصة الأعـراق
وأود أن أسمو بكل قصائدي
في مدح فاطمة الصفا المتلاقي
أكرم بزهراء المكارم والعلا
أنعم بها وبنبعها الرقـــراق
نالت من الشرف الرفيع مكانة
تسمو وتعلو في أجل طِــباقِ
وعلت بإجلال الكرامة والهدى
في منتهى الإشراق بالآفــاق
وقد ذكر أصحاب السير أنها سميت بالزهراء لأنها زهرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت بيضاء اللون، وكانت دائمة الصلاة في محرابها الذي ازدهى صلى الله عليه وسلم بصلاتها فيه..
وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يضرب بها المثل: «عندما نزل قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ينادى بصوت عال، فخرجت قريش إليه لترى ما الخبر، ووقفت فاطمة ترقب أباها، وما سوف يدور بينه وبين القرشيين من أهله، فقال: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، ولا أغنى عنكم من الله شيئاً.. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس يا بن عبد المطلب، يا عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية بنت عبد المطلب يا عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي ولا أغني عنك من الله شيئاً).
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن من هي فاطمة الزهراء ولماذا عرفت بأمّ أبيها؟ وما هو الدور الذي قامت به رضي الله عنها وأرضاها؟ نجد أنها عرفت بأمّ أبيها لأنها كانت أشبه ما تكون في مشيتها وفي جلستها برسول الله صلى الله عليه وسلم.. -كما ذكرت- وشهد لها بأنها بضعة منه عليه الصلاة والسلام ولأنها رضي الله عنها وقفت معه وكافحت وتحملت الأذى ورعته واهتمت بشؤونه بعد وفاة أمها الكريمة السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد..
وقد ولدت رضي الله عنها وأرضاها بمكة في العام العاشر من زواج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة وكان زواجاً مباركاً لأشرف زوجين طاهرين.
وقد فرح بها فرحاً شديداً وكان: «يهدهدها ويلاطفها، وكانت فرحة خديجة كبيرة ببشاشته، وهو يتلقى الطفلة الرابعة في أولاده، ولم يظهر عليه غضب ولا ألم لأنه لم يرزق ذكراً وكانت فرحة خديجة أكبر حين وجدت ملامح ابنتها تشبه ملامح أبيها، فأدركت أن الله تعالى سوف يتعهدها برعايته وعنايته، لتكون مثلاً لأبيها في خلقه وخُلقه..
دخل العباس رضي الله عنه على علي وفاطمة -رضي الله عنهما- وأحدهما يقول للآخر: أيّنا أكبر؟ فقال العباس : ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت أنت يا فاطمة وقريش كانت تبني البيت.
وقد تزوجت بسيدنا علي رضي الله عنه وكان زواجاً مباركاً ميموناً وقد مشى بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت علي بن أبي طالب وتم الزواج المبارك ودعا لهما: «اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما اللهم إنهما من أحب الناس إليّ فأحبهما وبارك في ذريتهما واجعل عليهما منك حافظا، وأعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم».. وعندما رزقا بالحسن والحسين وبقية أولادهم كان الجميع يتمتعون بحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحب فاطمة وأحب زوجها علي بن أبي طالب وأحب أولادهما بنين وبنات. وقد اعتبر أهل العلم أن فاطمة الزهراء هي رأس أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)..
في أسباب النزول قيل إن هذه الآية نزلت في خمسة: في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي كرم الله وجهه وفاطمة رضي الله عنها، والحسن والحسين رضي الله عنهما.
وقد روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا».
وقال ابن جرير عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين نزل عليه الوحي فأخذ علياً وابنيه وفاطمة رضي الله عنهم فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي). (3)
والسيدة فاطمة هي سيدة فقيهة فاضلة لها باع طويل في الدعوة إلى الله لا يُنكر وفي نقل الدين والتفقه بالقرآن والسنة وقد تولت قضية التربية في الدرجة الأولى ولهذا عندما نتحدث عن فقهها كنصوص نجد أن هناك مواقف محدودة تعرضت فيها لبعض القضايا الفقهية إلا أنها كانت تنظر بنور الله عز وجل وما أكرمها الله سبحانه وتعالى به من علم وفقه لقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما وصيتها قبل وفاتها فقد حرصت عندما أحست بقرب رحيلها وانتقالها إلى الرفيق الأعلى أن تدفن بالبقيع ليلا، ولم يطل مرض الزهراء رضي الله عنها الذي توفيت فيه: «ولم يطل مقامها في الدنيا كثيراً بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد اختلفت المرويات في تحديد تاريخ وفاتها، فقيل في الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل توفيت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقيل ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وعن ابن عباس في الحادي والعشرين من رجب. أما الأرجح الذي قاله المدائني والواقدي وابن عبد البر في الاستيعاب أنها توفيت ليلة الثلاثاء يوم الاثنين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وتوفيت وهي بنت تسع وعشرين سنة. وقيل كانت قبل وفاتها فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بأبيها الذي بشرها أن تكون أول أهل بيته لحوقاً به.
وسرى الخبر في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمع الناس مقبلين إلى علي كرم الله وجهه وهو جالس، والحسن والحسين رضي الله عنهما بين يديه يبكيان، فبكى لبكائهما، والناس جالسون يسترجعون وينظرون أن تخرج الجنازة فيصلوا عليها، فخرج أبو ذر الغفاري، وقال: انصرفوا، فإن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخّر إخراجها هذه العشية، فقام الناس وانصرفوا.
وحملت الزهراء رضي الله عنها إلى مثواها الأخير، في نعش صنعته لها أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وهي أول من حملت في نعش، وأول من لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهله.
حملت فاطمة الزهراء بين دموع العيون، وأحزان القلوب، وصلى عليها علي كرم الله وجهه، ونزل في قبرها، ثم وقف على حافة القبر يؤبنها بكلمات تنم عن قلب مفعم بالأحزان على فراقها.
فضم ثرى طيبة جثمان الطاهرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، كما ضم جثمان أبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخواتها الثلاث: زينب ورقية وأم كلثوم رضي الله عنهن.
وعاد علي كرم الله وجهه، محزون القلب، دامع العين، بعد وداع الحبيبة الراحلة، رجع إلى البيت فاستوحش فيه، ثم أحس أن الدنيا على زوال، وقد أثرت فيه وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم وفاة الزهراء رضي الله عنها.
وختاما فهذه لمحة عن هذه السيدة الجليلة التي هي رمز من رموز العترة النبوية الطاهرة، وكانت كل حياتها زاخرة بالمكارم والفضائل، فأحبتها أمها، وأحبها أبوها، وأحبت هي أخواتها، وتحدث القرآن عنهن جميعا لأنهن بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (4)
رحم الله الزهراء ورضي عن زوجها وبنيها، وصلّى الله وسلم على أبيها الطاهر أكرم الخلق وخاتم النبيين والمرسلين والرحمة المهداة للعالمين ورضي عن أمها خديجة بنت خويلد ذات المواقف النبيلة الخالدة في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم. رضي الله عنها وأرضاها.
الهوامش:
(1) صحيح ابن حبان ج15 ص 403
(2) إنها فاطمة الزهراء: محمد عبده يماني: مؤسسة علوم القرآن : ص : 15،16
(3) إنها فاطمة الزهراء : محمد عبده يماني : مؤسسة علوم القرآن بيروت : ص 274
(4) الاحزاب / 59
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق