السبت، 4 أبريل 2026

 حكاية السفاح وزوجته أم سلمة المخزومية وخالد بن صفوان

دخل خالد بن صفوان علي الخليفة أبي العباس السفاح فوجده خالياً , فقال : يا أمير المؤمنين , أنا أترقب مذ تقلدت الخلافة أن أجدك خالياً فألقي إليك ما أريده :
قال : فاذكر حاجتك
قال : يا أمير المؤمنين إنّي فكرت في أمرك فلم أرَ من هو في مثل قدرك أقلَّ إستمتاعاً بالنساء. وقد ملَّكت على نفسك إمرأة واحدة وإقتصرت عليها ,
فإن مرضتْ مرضتَ , وإن غابت غبتَ , وإن غضبتْ حُرمتَ ! وإنما التلذذ بإستظراف الجواري ومعرفة إختلاف أحوالهّن , والإستمتاع بهّن , فلو رأيتُ الطويلة البيضاء , والسمراء اللفّاء , والصفراء العجزاء , والغنجة الكحلاء , والمولدات من المدنيات , والمِلاح من القندهاريات , ذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة والثديَّ المحققّة ..
وجعل خالد بعذوبة لفظه وإقتداره علي الوصف يزيد في قوله . فلما فرغ من كلامه قال له السفاح :والله يا خالد ما سلك سمعي قط أحسن من هذا . لقد حركَ فيّ ساكناً .
وبقيّ السفاح مفكراً عامة نهاره , ثم دخلتْ عليه زوجته أم سلمة , فلما رأته دائم الفكر كثير السهو قليل النشاط , قالت :
إنّي أنكرك يا أمير المؤمنين , فهل حدث ما تكرهه ؟
ولم تزل به حتى حدثها بخبر خالد بن صفوان .
فقالت : فما قلت لإبن الفاعلة ؟
قال لها : سبحان الله , رجلٌ نصحني تسّبينه ؟
فخرجتْ من عنده متميزة غضباً , وأرسلت إلى خالد بجماعة من غلمانها العجم ومعهم العصيّ , وأمرتهم الّا يتركوا به عضواً صحيحاً .
أما خالد فقد إنصرف من عند السفاح وهو على غاية السرور بما رأى الخليفة عليه من الأعجاب بحديثه , وقعد على باب داره يتوقع جائزته , فلم يشعر إلّا بالغلمان , وتحقق مجيئهم بالجائزة , فلما وقفوا على رأسه سألوه عن إبن صفوان فقال : هأنذا , فأهووا عليه بهراواتهم , فوثب خالد ودخل داره , وغلق بابه وإستتر وعرف هفوته وزلته في فعله وكلامه ,وعلم من أين أُتيّ . ثم أنه مكث أياماً مستتراً , فلم يشعر ذات يوم إلّا بجماعة من خدم السفاح قد هجموا عليه فقالوا : أجبْ أمير المؤمنين .
فأيقنَ بالهلكة , وركب معهم وهو بلا دم , فلما دخل عليه وسلّم فرُّد عليه , سكنت نفسه بعض السكون , وأُومأ إليه بالجلوس فجلس .
ونظر خالد فإذا خلف ظهر السفاح باب عليه ستور قد أُرخيتْ وأحسّ بحركة خلفه .
ثم قال الخليفة : يا خالد لم أرك منذ أيام ؟
فإعتلَّ عليه
فقال له : ويحك , إنك وصفتَ لي آخر يوم كنت عندي فيه من أمر النساء والجواري ما لم يخرق سمعي قط مثله , فأعده عليّ .
قال : نعم , أعلمتك يا أمير المؤمنين أن العرب إشتقّت إسم الضرّتين من الضر , وأن أحدهم لم يكن عنده من النساء أكثر من واحدة إلّا كان في جهدٍ وكدّ !
قال السفاح : ويحك , لم يكن هذا كلامك !
قال : بلى , وأخبرتك إن الثلاث من النساء كأثافي القدر تغلي عليهّن !
قال السفاح : برئت من قرابتي من رسول الله إن كنت سمعتُ هذا منك في حديث !
قال : بلى , وأخبرتك أن الأربع من النساء شرّ مجموع لمن كنّ عنده , يُهرِمنَّه وينّغصن عليه عيشه , ويشّيبنَه قبل حينه .
قال السفاح : والله ما سمعت هذا قط منك ولا من غيرك !
قال : بلى يا أمير المؤمنين لقد قلتُ
قال : ويلك , تكذّبني ؟
قال : يا أمير المؤمنين , أفتريد قتلي ؟
فسُمع ضحك شديد وراء الستر فقال خالد : وأعلمتك أن عندك ريحانة قريش , وأنه لا يجب أن تطمح نفسك إلى غيرها من النساء .
فسمع من وراء الستر صوت يقول : صدقتَ والله يا عماه , ولكن أمير المؤمنين غيّر وبدّل , ونطق علي لسانك بغير ما ذكرته .
وخرج خالد إلي منزله , فلم يصل إليه حتى وجّهت اليه أم سلمة ثلاثة تخوت فيها أنواع الثياب , وخمسة آلاف درهم .
-----
الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي
المؤلف: أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى الجريرى النهرواني (المتوفى: 390هـ)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق