الأحد، 24 مايو 2026

 













سيناء .. طريق الحجاج القديم من نخل وميناء الطور حتى خليج العقبة
بقلم د سامى صالح عبدالملك
أكد الباحث الأثري أسامة صالح أن سيناء منذ الفتح الإسلامي كانت المعبر الرئيسي لحجاج غرب أوروبا (الأندلسيون) وبلاد المغرب العربي والعديد من دول أفريقيا المسلمة، فكان حجاج أوروبا وغيرهم وحجاج المغرب العربي يبحرون إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة ليبدأوا معا رحلتهم إلى الأراضي الحجازية فى موكب مهيب تتقدمهم كسوة الكعبة الشريفة فيما عرف بالمحمل.
واشار صالح إلى أنه كان من المعروف أن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد أوصى بكسوة الكعبة المشرفة من النسيج المصري المعروف بالقبطي (اشارة الى القبط ) وكانت الفيوم تشتهر بصناعته آنذاك وبرع الأقباط فى صناعته .وكانت كسوة الكعبة تخرج مع قافلة الحجيج المصرية وما يصاحبها من قوافل الحجاج الاندلسيين والمغاربة وغيرهم وقد وصف المؤرخون والرحالة يوم خروج المحمل من مصر بأنه يوم مشهود.
حيث كان يتوجه القضاة الاربعة ومعهم كبار الفقهاء وكبار رجال الدولة الى القلعة حيث تخرج الكسوة موضوعة فى هودج محمول على جمل متزين بأبهى زينة ويتقدمهم أمير الحج الذى تم تعيينه لرئاسة قافلة الحج لهذا العام.. ثم يقوم بالدوران فى القاهرة والفسطاط لمدة ثلاثة ايام فيما عرف بدوران المحمل.. وكانت شوارع القاهرة ومحلاتها تزدان بأبهى زينة احتفالا بهذا الحدث ويسير خلف المحمل العديد من فرق الصوفية وفرق الإنشاد الدينى كما يصاحب هذه الاحتفالات بعض المهرجين الذين أطلق عليهم عفاريت المحمل.
وأوضح صالح انه كان يرافق المحمل العديد من أرباب المهن مثل الاطباء و الجمالين والسقاءين وحاملي الأمتعة ومن أطرف المهن التى رافقت قوافل الحجاج كان شخص يطلق عليه أبو القطط..وكانت وظيفته تقديم الطعام للقطط التى تتبع القافلة او يتصادف وجودها على مر الطريق.
أما عن الطرق التى سلكتها قوافل الحجاج فى مصر فقد مرت بالعديد من المراحل التى ارتبطت بتغيرات سياسية واقتصادية فى العالم الإسلامي آنذاك كد صالح انه منذ الفتح الإسلامي كان الحجاج يستخدمون الطريق البرى عبر شبه جزيرة سيناء"درب الحج المصري " ، حيث كان الحجاج يتجمعون فى الفسطاط بحلول شهر رجب المبارك ثم يتحركون الى بركة الحاج ومنها الى منطقة تسمى الدار البيضاء بالقرب من طريق السويس ثم الى عجرود ومنها يسلكون طريقهم عبر سيناء فى مراحل مختلفة مرورا بالعديد من المحطات والمنازل المعدة لاستقبال الحجاج وصولا الى منطقة (نخل) بكسر النون ، بوسط سيناء وهى من المحطات الرئيسية فى طريق الحج البرى عبر سيناء وفيها كان الحجاج يتزودون بالماء والاطعمة وما يحتاجونه لاستكمال رحلتهم ، ومن نخل يواصلون مسيرهم حتى العقبة ومنها الى الأراضي الحجازية وصولا الى مكة المكرمة وقد قدر المؤرخون المدة الزمنية التى كانت تقطع فيها المسافة من بركة الحاج حتى العقبة من أسبوع الى عشرة أيام .
وتابع صالح انه بعد قدوم الحملات الصليبية الى المشرق الإسلامي أصبح الطريق البرى( درب الحج المصري ) غير آمن ،لاسيما بعد أن تحولت وظيفته الى الوظيفة الحربية حيث استخدمه صلاح الدين الأيوبي كطريق حربى فى مواجهاته ضد الصليبيين ويؤكد ذلك قيام صلاح الدين الأيوبي بإنشاء العديد من القلاع الحربية مثل قلعة سدر وقلعة طابا . لذلك فقد تحول طريق الحجاج الى الطريق البحري عبر ميناء عيذاب والقصير على ساحل البحر الأحمر، حيث كانت قوافل الحجاج من بلاد الأندلس والمغرب العربى تتجمع فى القاهرة قبل شهر رمضان ويركبون المراكب الصغيرة فى نهر النيل متجهين الى صعيد مصر حتى مدينة قوص ثم ينزلون ويبدأون السير فى الصحراء الشرقية لمسافة تقدر بحوالي 150 كيلو متر وصولا الى ميناء عيذاب ومنه يبحرون الى جدة .
وقد حج بهذه الطريق كل من ناصر خسرو الرحالة الفارسي عام 442هـ حيث وصل الى اسوان ومنها الى ميناء عيذاب ، وابن جبير الأندلسي عام 579هـ وفى عام 725هـ سافر ابن بطوطة عبر النيل الى قوص ومنها الى عيذاب قاصدا مكة المكرمة الا أنه رجع الى القاهرة مرة أخرى بعدما فشل فى ايجاد مركب تحمله الى جده مع باقى الحجاج .
واضاف أنه بعد انتهاء الحروب الصليبية عاد الحجاج مرة أخرى الى الطريق البرى عبر سيناء " درب الحج المصري "ولكن بمفهوم جديد ومتطور، حيث بدأت هذه المرحلة فى نهاية العصر الأيوبي وبدايات العصر المملوكي وتحديدا حين سلكت شجر الدر الطريق البرى عبر سيناء لأداء فريضة الحج عام 645هـ وحملت معها كسوة الكعبة ، الا أن هذا الطريق لم يأخذ الطابع الرسمي كطريق أساسي لقوافل الحج الا بعد قيام الظاهر بيبرس بآداء فريضة الحج عبر هذا الدرب فيما بين عامي 666/667هـ ومعه قافلة الحج الرسمية حاملا معه كسوة الكعبة والمفتاح الذى أمر بصنعه لبابها الشريف .
وكان ذلك متزامنا مع نجاح الظاهر بيبرس فى القضاء على معاقل الصليبيين فى بلاد الشام، وقد أمر الظاهر بيبرس بتمهيد الطريق وحفر الابار واقامة النواطير وهى أشبه بطواحين الهواء لإرشاد الحجاج الى الطريق .وكان من المتعارف عليه أن يقوم الحجاج بإرسال أمتعتهم الثقيلة مع الجمالين قبل تحركهم من القاهرة مقابل أجرة محددة وكانت تودع بالمخازن على طول الطريق وفقا لتسلسل المحطات والاستراحات، وقد ظل هذا الطريق مستخدمًا كأحد الطرق الرئيسية للحج حتى عام 1301هـ /1883م وهو العام الذى خرجت فيه آخر قافلة رسمية للحجاج المصريين عبر درب الحج المصري فى سيناء حيث تلاشت أهميته تمامًا حتى هجر استخدامه بشكل كامل بحلول عام 1892م فى عهد الخديوي محمد توفيق باشا .
واوضح الباحث الاثرى ان العصر المملوكي شهد نشاطًا ملحوظًا لميناء الطور والذى أصبح من الموانئ الرئيسية فى العصر المملوكي فأصبح ميناء الطور ميناء للحج" الإسلامي والمسيحي " والتجارة منذ أواخر القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي جنبًا الى جنب مع الطريق البرى السابق ذكره ، فكانت السفن تبحر من موانئ جنوه الايطالية أو البندقية الى الاسكندرية ثم تتوجه الى القاهرة وبعد أن يحصلوا على عهد الامان أو الفرمان من سلطان المماليك كان الحجاج المسيحيون يقيمون لفترة فى استراحة مخصصة لهم بالقاهرة حيث يتم منح الطعام للفقراء المتجهين الى سانت كاترين كجزء من عملية الحج المسيحي .
وكان الحجاج المسلمين والمسيحيين يتحركون معًا من القاهرة الى ميناء السويس عبر درب الحج فى رحلة مدتها ثلاثة أيام، ومن السويس كانوا يركبون معًا الى الطور أو يتجهون عن طريق البر بمحاذاة الطريق الساحلي الى ميناء الطور فى رحلة مدتها ستة أيام ومن الطور كان الحجاج المسلمين يبحرون الى جدة بينما كان الحجاج المسيحيين يستكملون رحلتهم الى منطقة سانت كاترين حيث جبل موسى ودير سانت كاترين ، ومن الطريف أن بعض الحجاج المسلمين كانوا يتجهون لزيارة جبل موسى ودير سانت كاترين قبل سفرهم الى الحجاز أو بعد عودتهم كنوع من أنواع التبرك بتلك الأماكن المقدسة، ولا تزال توقيعات بعض الحجاج المسلمين موجودة على جدران ومحاريب المسجد الفاطمي داخل دير سانت كاترين .
وأكد صالح ان المرحلة الرابعة من مراحل تطور طرق الحج المصري فقد بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وهى الفترة التى شهدت مد وتشغيل خط السكة الحديد فيما بين القاهرة والسويس وحفر قناة السويس فأصبح ميناء السويس ميناء رئيسيا وبالتالي تلاشت أهمية ميناء الطور .
سيناء..طريق الحجاج القديم من نخل وميناء الطور حتى خليج العقبة

 


هل تعلم أن العدد الكواكب في المجموعة الشمسية معادا الأرض هو 11. و بما أن القمر ليس كوكب لأنه يدور حول كوكب لذلك لم يدخله الله تعالى في نطاق الكواكب لقوله تعالى ((إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)) سورة يوسف. رغم أن واحدة من المعاني بالاية هي إخوة يوسف وأبيه وأمه إلا أنه هناك معنى فلكي. فلو إعتبرنا أن يوسف هو كوكب الأرض و11 كوكب اخر يدور حول الشمس. ولو ادخلنا الارض سيصبح لدينا 12 كوكب يدور حول الشمس وهذا موافق تماما لعدد الكواكب والعملاقة والعادية والقزمة التي تدور حول الشمس فسبحان الله.
أولا: الشمس
الشمس هي نجم نظامنا الشمسي، مصدر الضوء والحرارة والطاقة، وتُبقي جميع الكواكب في مداراتها بجاذبيتها القوية.
ثانيا: القمر
القمر هو التابع الطبيعي للأرض، لا يضيء بذاته بل يعكس ضوء الشمس، ويسبب ظاهرة المد والجزر.
ثالثا: الكواكب الصخرية
وهي الأقرب إلى الشمس وتمتلك سطحًا صلبًا: عطارد، الزهرة، الأرض ، المريخ.
رابعا: الكواكب الغازية
كواكب ضخمة مكونة من الغازات: المشتري، زحل، أورانوس، نبتون.
خامسا: الكواكب القزمة
أجسام أصغر من الكواكب الرئيسية: بلوتو، سيريس، إيريس وماكيماكي. (أما هوميا فهو ليس كويكب كروي).



ما زلنا نذكر اسم السلطان سيف الدين قلاوون حتى بعد مرور أكثر من 700 عام على وفاته!
مستشفى قلاوون (البيمارستان المنصوري) في شارع المعز هو أقدم صرح طبي متكامل في القاهرة الإسلامية، أنشأه السلطان المنصور قلاوون عام 1284م، واعتُبر نموذجًا عالميًا للرعاية الصحية المجانية والتعليم الطبي، حيث جمع بين العلاج، التدريس، والصيدلة في مؤسسة واحدة.
المؤسس: السلطان المنصور سيف الدين قلاوون (حكم 1279–1290م).
الإنشاء: 1284م (683هـ).
الموقع: شارع المعز لدين الله الفاطمي، ضمن مجمع قلاوون الذي يضم المدرسة والضريح.
الوظيفة: بيمارستان (مستشفى) يقدم العلاج المجاني لجميع المرضى، بغض النظر عن الدين أو الطبقة الاجتماعية.
المميزات
تقسيم المرضى: كان يتم فصل المرضى حسب التخصصات (الرمد، الجراحة، الحميات، النساء)، وهو نظام متقدم جدًا بالنسبة لعصره.
التوثيق الطبي: اعتمد سجلات لتوثيق الحالات المرضية، مما جعله مرجعًا للأطباء والطلاب.
التعليم الطبي: ضم قاعات لتدريس الطب، حيث كان الطلاب يتعلمون على يد الأطباء المقيمين، مع مكتبة تحتوي على كتب الطب.
الصيدلة: كان هناك قسم خاص لتحضير الأدوية، تُوزع مجانًا للمرضى.
الخدمات الاجتماعية: وفر الطعام والشراب للمرضى، بل وكان يُعطى بعضهم مبلغًا ماليًا عند خروجهم لمساعدتهم على التعافي.
التصميم: يتكون من فناء داخلي واسع، تحيط به قاعات العلاج، مع زخارف مملوكية بديعة.
الزخارف: استخدمت الرخام والفسيفساء والزخارف الكتابية، مما جعل المبنى تحفة معمارية إلى جانب وظيفته الطبية.
الارتباط بالمجمع: البيمارستان جزء من مجمع قلاوون الذي يضم أيضًا مدرسة لتعليم العلوم الشرعية وضريح السلطان.
التطورات
الناصر محمد بن قلاوون (1326م): جدد المبنى وأضاف تحسينات.
العصر العثماني: استمر استخدامه كمستشفى، مع بعض التراجع في التنظيم.
القرن 18: الأمير عبد الرحمن كتخدا قام بترميمات واسعة.
العصر الحديث: تحول الموقع إلى مستشفى رمد قلاوون، متخصص في طب العيون، وما زال يؤدي دورًا طبيًا حتى اليوم بعد أكثر من 700 عام على إنشائه.
الصورة : البيمارستان المنصوري - القاهرة 1880s.

 



رحلة الحج الأندلسية صعوبات ومشاق ورسائل إستنابة ترسل لقبر النبى والمسجد الحرام
كان الأندلسيون يرون في بلاهم أرضًا معزولة، محاطة ببحار هائجة من ثلاث جهات، يحاصرها في الرابعة أعداء قساة غلاظ، حتى سميت الأندلس بأرض الجهاد المتصل، وهكذا أصبح الخروج منها إلى أرض الحجاز مُقيّدًا، لم تكن مخاطر البحر وكثرة الأعداء المتربصين المانع الوحيد من أداء هذه الفريضة، تعددت الأسباب حتى غدى الحج حلمًا بعيد المنال يصبو له الأندلسيون، وكلما ازداد المنع زاد الشوق.
إذا تتبعنا تاريخ دولة بني أمية في الأندلس سنجد أن جميع حكامها لم يؤدوا فريضة الحج، بل أن الجلّ الأعظم من السلاطين والأمراء والملوك والعسكر الذين حكموا بلاد المغرب الإسلامي في العصر الوسيط (أغالبة وأدارسة وموحدين ومرابطين ومرينيين وسعديين وسواهم).
في زمانهم، إذا أردت الحج من الأندلس فهذا يعني أن رحلتك ستمتد زمنيا إلى ما يربو على سنتين كاملتين، سنتان يسبقهم إعداد كبير في الزاد والعتاد.
جميعهم لم يؤدوا تلك الفريضة تبعا للسياق السياسي الذي فرض عليهم نوعا من القطيعة بين المشرق والمغرب، أو خوفًا من انقلابات داخلية في بلادهم، أو لطبيعة الصراع بين هذه الدول فضلًا عن دور الجغرافيا وما تفرضه من صعوبة في السفر.
قد تكون أول رحلة حجّ أندلسية مدونة هي رحلة ابن جبير الأندلسي في القرن السادس الهجري، وإن لم تكن كذلك فإني أحسبها أهم الرحلات التي دوّنت لخروج أندلسيّ من عدوة الأندلس ميمما شطر الديار المقدسة، ويمكن أخذ هذه الرحلة التي جمعت في مذكرات ومشاهد يومية من أدب الرحلات، نموذجا لما كان عليه حجّ الأندلسي وما كانت تصحبه من مشقة ومخاطر.
في زمانهم، إذا أردت الحج من الأندلس فهذا يعني أن رحلتك ستمتد زمنيا إلى ما يربو على سنتين كاملتين، سنتان يسبقهم إعداد كبير في الزاد والعتاد، سنتان تتعرض فيهم لكل المخاطر من تقلبات جوية أو قراصنة بحرية أو قطاع طرق أو حتى شدة العياء، فضلا عن المهانة والإذلال عند الدول التي كانت تعادي الأندلس وما أكثرها من عرب وعجم! ولهذا ارتبط حجّ الأندلسي بالمهلكة الشديدة، وعليه فقد صدرت فتاوى بتحريم رحلة الحج في فترات مختلفة.
أسقطت فريضة الحج عن أهل المغرب والاندلس بفتاوى عدة أبرزها فتوى ابن رشد التي استمرت قرابة الثمانين عاما، وذلك حفاظا على أمن وسلامة الأندلسيين من قطاع الطرق في البر والبحر، أو حفظا للنفس من الأسر على يد النصارى خاصة إبان الحروب الصليبية التي استعرت في المشرق، وقد وافقه في إسقاط الحج عن أهل الأندلس ابن حميدين واللخمي، أما شيخ المالكية الطرطوشي فقد كان يرى أن الحج حرام عليهم "فمن خاطر وحج سقط فرضه ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر" !.
ورغم كل تلك التعقيدات، كانت جموع الأندلسيين تتحدى المخاطر شوقا للحجاز، وكانت قوافل الحج الأندلسي تخرج أفواجا في عدة طُرق معلومة أشهرها المرتحلة من جنوب الأندلس إلى مضيق جبل طارق بالمغرب فقيروان وصولًا إلى مصر فالإسكندرية ومنها عبر البحر الأحمر إلى مكة.
أما الطريقة الثانية فمن شرق الأندلس أو الساحل الجنوبي الشرقي عبر البحر إلى الإسكندرية ومنها إلى البحر الأحمر وصولًا إلى مكة، أما الطريقة الثالثة فهي من بلنسية شرق الأندلس إلى الجزر الشرقية ثم سواحل فلسطين حيث عكا والرملة ومنها إلى القدس الشريف ثم منطقة العقبة وصولًا الى الحجاز فمكة. وقد كان علماء الأندلس يؤثرون الطريق الأول لأنهم يجدون في ذلك فرصة للقاء بعلماء المغرب وقيروان ومصر والإسكندرية.
كان الأندلسيون في حجهّم المليء بالمصاعب، سفراء يحملون مشاعرا من الحب الشديد لاخوتهم في الدين، تحركهم أشواقة عارمة لأرض النبوة، ويدفعهم توق فريد للتعريف بهم بين الناس، يندر أن تجد ترجمة لأي من علماء الأندلس الذين توجهوا في أسفارهم نحو مكة دون أن تشمل هذه الترجمة لقاءه بعلماء المشرق والأخذ عنهم، وبالمقابل نقل أخبار وأوصاف الأندلس منهم إلى سائر المسلمين.
أما أهل الأندلس الذين امتثلوا لتلك الفتاوى أو منعوا عن الحج لمشقته الشديدة، فقد أزهرت أشواقهم في كتب الأدب الأندلسي، كما نرى في شعر ابن العريف الصهناجي:
"شدّوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى
وكلّهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها
طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم …
راح إذا سكروا من أجله فاحا
يا راحلين إلى المختار من مضر …
زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على شوق وعن قدر …
ومن أقام على عذر كمن راحا "
استمر هذا الحال حتى ما بعد سقوط آخر الممالك غرناظة وبداية ما عرف بحقبة الموريسكيين (وهم أهل الأندلس الذين ظلوا في بلادهم، مخفين دينهم بعد أن أجبروا على التنصر) تشير المخطوطات المحفوظة فى المكتبة الوطنية بمدريد، أن الموريسكيين أرّخوا باللغة الأعجمية أو لغة "الألخميادو" كتابات موريسكية دينية تؤكد على مجازفة كثير منهم في رحلة الحج رغما عن محاكم التفتيش وسطوة القشتاليين، إذ كان الموريسكيون يلجأون لطرق يتحايلون فيها على السلطات الكنسية دون أن تفطن لأمرهم.
من يقرأ في تاريخ الموريسكيين أصحاب الأخدود كما أسميهم، سيدرك جيدًا أي جهاد كان يبذل هؤلاء في سبيل أداء شعائرهم الدينية رغم كل التضييق، وأي تقصير نحن فيه رغم كل يُسر المتاح.
ومن بينهم الحاج لبواى مونسون الذى كان يقيم فى أراجون بشمال الاندلس، إذ استطاع الذهاب إلى مكة سراً و حج فيها فى أوآخر القرن السادس عشر، وقد أرّخ لتلك الرحلة في وثيقة شعرية كتب فيها :
"لقد سافرت بفرح
بعيداً عن كل أقاربى
للتحول إلى أرض الحج
و للقيام بهذا الحج
رحلة من شأنها ان تغسل كل آثام من يقوم بمثل هذه الرحلة"
أما البقية فقد كانوا بلغتهم الأعجمية البسيطة ذات الحرف العربي يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم عجزهم عن الفرار لبلاد إسلاميّة يعبرون منها إلى مكة، إن من يقرأ في تاريخ الموريسكيين أصحاب الأخدود كما أسميهم، سيدرك جيدًا أي جهاد كان يبذل هؤلاء في سبيل أداء شعائرهم الدينية رغم كل التضييق، وأي تقصير نحن فيه رغم كل يُسر المتاح.
ومن بين هذه المحطات العابرة في حجّ أهل الأندلس، يظلّ رباطهم في المسجد الأقصى في رمضان حتى موسم الحجيج أجمل مافي تلك الرحلة، إذ كان من عادة المغاربة وأهل الأندلس عند الذهاب في رحلة الحج المرور بالمسجد الأقصى قبل الحج أو بعده، كانوا يعتبرون زيارة القدس حجا "مصغراً " إن شئنا القول، حتى أن المعمرين المغاربة يخبرونك اليوم بذات الفعل، فإن سألتهم عن حجهم سيجيبونك تباهيًا، "نعم، حججّت و قدَّست"، أي أنني زرت القدس بعد حجتي، كانت تلك عادة الحجاج المغاربة حتى عهد قريب.. اللهم ارزقنا حجّ من عندك نصل فيه الدعاء من جبل المكبر إلى جبل عرفة.
--------------------------------------
النص منقول عن شبكة الجزيرة الإعلامية