الاثنين، 17 أغسطس 2026

 جمال حمدان واليهود..

«اليهود: أنثروبولوجيا»، دراسة سبقت «القبيلة الثالثة عشرة»
اليهود في فكر جمال حمدان:
لم يكن اهتمام جمال حمدان باليهود والصهيونية موضوعًا هامشيًا في فكره، بل جاء ضمن رؤيته الأوسع للتاريخ والجغرافيا والسياسة والصراع على فلسطين. وقد تناول المسألة على أكثر من مستوى؛ فهناك مؤلف مخصص لليهود، إلى جانب معالجات للصهيونية وإسرائيل وفلسطين ضمن كتاباته في الجغرافيا السياسية والاستراتيجية.
وأهم أعماله المباشرة في هذا المجال كتاب **«اليهود: أنثروبولوجيا»**، الذي صدر في القاهرة عن دار الكاتب العربي في **فبراير ١٩٦٧**، في ٩٦ صفحة.
**«اليهود: أنثروبولوجيا»**
يتناول حمدان في هذا الكتاب اليهود باعتبارهم جماعات بشرية تشكلت عبر تاريخ طويل من الهجرات والاستقرار والاختلاط والتغير السكاني، ولا يتعامل معهم باعتبارهم كتلة بشرية متجانسة ثابتة منذ العصور القديمة.
وتبرز في الكتاب قضية **أصول الجماعات اليهودية وتكوينها السكاني**، وما طرأ عليها خلال قرون الشتات من تحولات، ومن بينها اعتناق جماعات غير يهودية لليهودية، وهو السياق الذي تناول فيه حمدان أيضًا قضية الخزر ودورهم المحتمل في تكوين بعض الجماعات اليهودية الأوروبية.
وهذه المسألة تحديدًا أصبحت لاحقًا محورًا لكتاب شهير صدر في الغرب.
**بعد تسع سنوات.. «القبيلة الثالثة عشرة»**
في عام **١٩٧٦** نشر الكاتب البريطاني المجري الأصل **آرثر كوستلر** كتابه *The Thirteenth Tribe: The Khazar Empire and Its Heritage*، الذي تناول تاريخ الخزر واعتناق قسم منهم لليهودية، ثم بحث في أثر ذلك على تكوين الجماعات اليهودية في أوروبا الشرقية.
وبذلك توجد أمامنا حقيقة زمنية واضحة: **دراسة حمدان «اليهود: أنثروبولوجيا» صدرت عام ١٩٦٧، بينما صدر كتاب كوستلر «القبيلة الثالثة عشرة» عام ١٩٧٦، أي بعد نحو تسع سنوات.**
والأهمية هنا ليست في مجرد المقارنة الزمنية، وإنما في أن الموضوع الذي بحثه حمدان مبكرًا أصبح بعد ذلك بعقد تقريبًا موضوعًا لكتاب واسع الانتشار في الغرب، وأثار نقاشًا كبيرًا حول تاريخ اليهود وأصول الجماعات اليهودية الأوروبية.
**نقطة الالتقاء بين الكتابين**
يلتقي العملان بصورة أساسية في الاهتمام **بمسألة الخزر وعلاقتها بتاريخ الجماعات اليهودية الأوروبية**، وفي رفض النظر إلى اليهود باعتبارهم جماعة بشرية ذات تكوين واحد ثابت عبر آلاف السنين.
لكن لكل كتاب سياقه الخاص.
فحمدان تناول المسألة ضمن رؤيته للجغرافيا البشرية والتاريخ والجغرافيا السياسية، وربط دراسة الجماعات اليهودية بالسؤال الأكبر المتعلق بفلسطين والصهيونية وإسرائيل.
أما كوستلر فجعل تاريخ الخزر وأثر اعتناقهم لليهودية محورًا أساسيًا لكتابه، وقدم الموضوع للقارئ الغربي في إطار تاريخي وأنثروبولوجي أوسع.
**اليهود والصهيونية وإسرائيل في مؤلفات أخرى**
لم يتوقف حمدان عند كتاب «اليهود: أنثروبولوجيا»، فقد تناول **الصهيونية وإسرائيل وفلسطين والاستعمار** ضمن عدد من أعماله الأخرى، ومن بينها كتاب **«استراتيجية الاستعمار والتحرير»** الصادر عام ١٩٦٨.
وفي هذه الكتابات لم يفصل حمدان بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة؛ بل حاول تفسير قيام إسرائيل ودورها من خلال موقع فلسطين، وموقع مصر، وطبيعة المشروع الصهيوني، وعلاقة المنطقة بالتنافس الاستعماري والاستراتيجي.
وهذا يوضح أن دراسة اليهود عند حمدان كانت جزءًا من سؤال أكبر: **كيف تشكلت الجماعات، وكيف ارتبطت بالأرض، وكيف تحولت فكرة تاريخية ودينية إلى مشروع سياسي وجغرافي؟**
**بين اليهودية واليهود والصهيونية وإسرائيل**
من أبرز ما يمكن استخلاصه من قراءة حمدان ضرورة التمييز بين أربعة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي:
**اليهودية باعتبارها دينًا، واليهود باعتبارهم جماعات بشرية متعددة التكوينات التاريخية، والصهيونية باعتبارها حركة سياسية، وإسرائيل باعتبارها دولة وكيانًا سياسيًا.**
وهذا التفريق مهم لفهم طبيعة كتاباته؛ فهو لم يكن يدرس اليهود بوصفهم موضوعًا دينيًا، وإنما كان يبحث في تكوينهم التاريخي والبشري والجغرافي، ثم يربط ذلك بالتحولات السياسية التي أنتجت الصهيونية وإسرائيل.
**ما الغرض من هذه الدراسات؟**
لم يكن الهدف من دراسة حمدان لليهود مجرد البحث في أصل جماعة بشرية، بل كان جزءًا من محاولة أوسع لفهم **الأساس التاريخي والديموغرافي والجغرافي للرواية الصهيونية عن فلسطين**.
فالسؤال المتعلق بأصول الجماعات اليهودية وتكوينها لم يكن بالنسبة إليه منفصلًا عن سؤال آخر: **ما طبيعة العلاقة التاريخية بين الجماعات اليهودية المختلفة وبين فلسطين، وكيف تحولت هذه العلاقة إلى أساس لمشروع سياسي حديث؟**
ومن هنا تتضح أهمية وضع كتاب «اليهود: أنثروبولوجيا» بجوار كتاباته عن الصهيونية والاستعمار وإسرائيل؛ لأن كل عمل يمثل جزءًا من منظومة أكبر.
**أطروحة الخزر.. من الدراسات المبكرة إلى شلومو ساند**
لم تتوقف دراسة الصلة بين الخزر وتكوين بعض الجماعات اليهودية الأوروبية عند ما طرحه جمال حمدان، بل ظلت هذه الفرضية حاضرة في عدد من الدراسات والمؤلفات، وتناولها باحثون وكتاب من خلفيات مختلفة، بمن فيهم يهود وإسرائيليون. وقد اكتسبت الفكرة حضورًا واسعًا مع كتاب آرثر كوستلر «القبيلة الثالثة عشرة» الصادر عام ١٩٦٧، الذي جعل من الخزر محورًا لتفسير جانب كبير من تكوين يهود أوروبا الشرقية.
ثم أعاد المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند طرح المسألة بصورة موسعة في كتابه «اختراع الشعب اليهودي» الصادر بالعبرية عام ٢٠٠٨، ثم بالإنجليزية عام ٢٠٠٩.
وناقش ساند تاريخ الجماعات اليهودية والهجرات والتحولات الدينية، وأولى مسألة الخزر ومساهمتهم في تكوين يهود أوروبا الشرقية مساحة مهمة من دراسته. كما سبقه في تناول الموضوع عدد من الباحثين اليهود وغير اليهود، ومنهم سالو بارون ورافائيل باتاي وغيرهما.
وبذلك لا تبدو فرضية الخزر فكرة مرتبطة بكاتب واحد أو بمرحلة زمنية محددة، وإنما مسارًا بحثيًا امتد عبر عقود، وتعددت فيه التفسيرات حول حجم المكوّن الخزري وطبيعة أثره في الجماعات اليهودية الأوروبية. وقد تراوحت الدراسات بين من يرى في التحول الخزري عنصرًا مهمًا في تاريخ يهود أوروبا، ومن يركز على تعدد مصادر التكوين السكاني والهجرات والتحولات الدينية التي مرت بها الجماعات اليهودية عبر التاريخ. وتظل أهمية هذه الدراسات في أنها تفتح البحث في العلاقة بين الدين والهجرة والتحول السكاني والهوية التاريخية، وهي قضايا شكلت جزءًا مهمًا من النقاش حول تاريخ اليهود وتكوين جماعاتهم.
**لماذا تستحق مؤلفات حمدان عن اليهود إعادة الدراسة؟**
تكمن أهمية إعادة قراءة هذه المؤلفات اليوم في أنها تتيح وضع أفكار حمدان أمام ما تراكم خلال العقود اللاحقة من أبحاث تاريخية وديموغرافية وأنثروبولوجية وجينية.
والمطلوب ليس التعامل مع حمدان باعتباره صاحب إجابات نهائية، ولا إسقاط أفكاره بالكامل بسبب ما قد يكون قد تجاوزه العلم، وإنما **اختبار أفكاره ومصادره واستنتاجاته، ومعرفة ما بقي منها صالحًا، وما يحتاج إلى تعديل، وما يمكن تطويره في ضوء المعرفة الحديثة**.
كما أن دراسة أعماله في هذا المجال تساعد على فهم أحد الجوانب الأقل تناولًا من مشروعه الفكري؛ فهو لم يكن يكتب عن مصر وحدها، بل كان يحاول بناء تصور متكامل للعلاقة بين **المكان والإنسان والتاريخ والقوة والسياسة**.
**حمدان قبل كوستلر.. أهمية السبق في طرح السؤال**
لا تكمن أهمية المقارنة في إثبات أن أحد الكتابين يغني عن الآخر، ولا في ترتيب قيمة الرجلين، وإنما في حقيقة أن **جمال حمدان كان قد خصص دراسة لمسألة اليهود وتكوينهم الأنثروبولوجي عام ١٩٦٧، قبل صدور «القبيلة الثالثة عشرة» بتسع سنوات**.
وتستحق هذه الحقيقة أن تكون معروفة في دراسة التراث الفكري العربي، خصوصًا أن كتاب حمدان صدر في إطار مشروع علمي مصري لم يحظَ عالميًا بالانتشار الذي حظي به كتاب كوستلر.
لكن القيمة الأهم تتجاوز مسألة الأسبقية نفسها؛ فهي تكمن في أن حمدان كان يطرح منذ وقت مبكر أسئلة تتقاطع مع قضايا التاريخ السكاني والجغرافيا السياسية والصراع على الأرض، وهي قضايا لا تزال حاضرة في البحث والنقاش حتى اليوم.
**إرث يحتاج إلى قراءة لا إلى مجرد احتفاء**
لذلك فإن إعادة نشر «اليهود: أنثروبولوجيا» ودراسة ما كتبه حمدان عن اليهود والصهيونية وإسرائيل لا ينبغي أن تكون لمجرد الاحتفاء بسبق زمني، وإنما لإعادة **فحص مشروعه الفكري كله** في ضوء المعرفة المعاصرة.
فالفائدة الحقيقية من إرث جمال حمدان ليست في البحث عن عبارة تؤيد موقفًا مسبقًا، وإنما في العودة إلى منهجه، ومصادره، وأسئلته، ثم إخضاعها للبحث العلمي الحديث.
**فقد تكمن أهمية حمدان الحقيقية في أنه لم يكتفِ بوصف الجغرافيا، بل حاول أن يفهم كيف يصنع المكانُ التاريخَ، وكيف يعيد التاريخ تشكيل المكان والسياسة والصراع.**
في التعليقات روابط
👇
:
- مقالي بعنوان : السامية، البركة، والدولة: تفكيك التوظيف الديني والعرقي في المشروع الصهيوني.
- حملة الدعوة لإعادة تصنيف الصهيونية أيديولوجية عنصرية... برجاء الانضمام للحملة و دعمها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق