الثلاثاء، 11 أغسطس 2026




 في سنة 1483م، سُطّرت في تاريخ الأندلس واحدة من أكثر الملاحم العسكرية صدقًا، حين التقت القوات النصرية بالقوات القشتالية في معركة لوسينا الشهيرة. في تلك المعركة، برز اسم قائد مسلم صمد حتى النهاية رغم الهزيمة الحتمية، إنه الشيخ القائد إبراهيم علي العطار (Aliatar)، حاكم مدينة لوشة ووالد "مريمة" زوجة أبي عبد الله الصغير.

كان العطار يمثل عقيدة الصمود الأخيرة لدولة بني نصر في غرناطة، وهو الرجل الذي أمضى حياته في الثغور مدافعًا عن أرضه، محولًا مدينته إلى حصن منيع تحطمت عليه مرارًا جحافل الصليبيين القشتاليين.
فعندما حوصرت القوات المسلمة في لوسينا واختلت صفوف جيش غرناطة، تبدلت مصائر الرجال؛ فبينما استسلم ملك غرناطة أبو عبد الله الصغير لوقائع الهزيمة وأُسر ذليلاً في الميدان، رفض إبراهيم العطار أن يلقي سلاحه أو يلوذ بالفرار بحثاً عن نجاة رخيصة.
واجه القائد المسنّ ذو الـ 80 عاماً مصيره وثبت مع ثلة من رجاله يذودون عن كرامة الأمة حتى سقط شهيداً في المعركة وهو يحمل سيفه المقوس الشهير، مقدماً نموذجاً حياً للجهاد والفروسية الإسلامية التي لم تنحنِ أمام التفوق العددي الهائل للكفار، والذين تجاوز جيشهم في تلك الحملة آلاف المقاتلين.
إن هذا الثبات الأسطوري للعطار أجبر المؤرخين والفرسان الصليبيين على احترامه وتقديره، فالعقلية العسكرية الغربية في العصور الوسطى كانت تبجل الشجاعة الحقيقية حتى في الخصوم.
فخلدوا ذكراه في أدبياتهم التاريخية، وصولاً إلى إقامة تمثال له في مدينة لوشة (Loja) عام 2009 كرمز للمدافع الباسل عن المدينة، فضلاً عن الاحتفاظ بسيفه ذي التصميم الأندلسي الفريد كتحفة أثرية نادرة تُعرض اليوم في متحف الجيش بطليطلة شاهدةً على صلابة مالكها.
في المقابل، صب التاريخ والقشتاليون جام احتقارهم على صهره أبي عبد الله الصغير؛ فبالرغم من أن الأخير انقاد لإملاءات الملكين الكاثوليكيين "فرديناند وإيزابيلا" بعد أسره، ودخل في تحالفات خفية معهم لإشعال حرب أهلية ضد عمه "الزغل" وتفتيت جبهة غرناطة الداخلية، إلا أن هذا التنازل لم يشفع له. لقد استغله التاج القشتالي كأداة لإضعاف الأندلس، وحين انتهت مصلحتهم منه انتزعوا منه مملكته وفُرِض عليه تسليم غرناطة عام 1492م.
لم ينظر إليه الصليبيون إلا كحاكم ضعيف ومتردد فرط في إرث أجداده، وبقت صورته في الذاكرة الجمعية مقرونة بالخنوع، مؤكدةً حقيقة تاريخية ثابتة: أن الأعداء قد يحترمون الخصم المقاتل حتى الموت كإبراهيم العطار، لكنهم لا يكنّون سوى الازدراء لمن يرتضي الهزيمة ويقدم التنازلات.
المصدر:
موسوعة دولة الاسلام في الاندلس، لمحمد عبدالله عنان ج4

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق