هل تخيلت يوما أن تخرج في رحلة إلى الشمال الكرة الأرضية، حيث الثلوج لا تذوب، والناس يعيشون عادات غريبة لا تصدق؟ هذا ما حدث للرحالة المسلم أحمد بن فضلان في رحلته العجيبة إلى بلاد الصقالبة، الروس، والخزر في القرن الرابع الهجري!
في عام 309هـ (921م)، أرسل ملك الصقالبة (شعوب سلافية في روسيا) وفداً إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله يطلب إرسال بعثة إسلامية لنشر الإسلام في بلاده، والمساعدة في بناء حصون تحميهم من شر مملكة الخزر اليهودية، فوافق الخليفة، وأرسل بعثة بقيادة ابن فضلان التي استمرت 11 شهراً، كان فيها ابن فضلان شاهداً على عجائب لا تُصدق عقل!
عند وصول ابن فضلان إلى شمال وسط أسيا، واجه صقيعاً وبرداً قارساً لم يعرفه العرب من قبل، وكتب عن نهر جيحون المتجمد حيث كانت الخيل تعبر عليه وكأنه طريق معبّد! وقال عن الطقس: "كأن باباً من الجحيم قد فُتح علينا!".
أما في بلاد الصقالبة، فقد اندهش من عادات غريبة وظواهر غريبة لا تصدق، النهار طويل جداً في الصيف، والليل لا ينتهي في الشتاء وقد يستمر لعدة شهور، والتي فسّر ملك الصقالبة هذه الظاهرة بأنها حرب بين الجن المؤمن والكافر.
عند لقائه بالروس، صُدم ابن فضلان بعاداتهم التي اعتبرها "قذرة وغير إنسانية"! فوفق وصفه، هم لا يغتسلون بعد قضاء الحاجة أو الجماع! يشتركون في إناء ماء واحد لغسل وجوههم ويبصقون فيه جماعياً! يجامعون جواريهم علناً دون خجل!
لكن أغرب ما وصفه كان طقوس الدفن عند الروس: عندما يموت أحد زعمائهم، يتم اختيار جارية لتموت معه، قبل قتلها، إذ يتم اغتصابها علناً من قبل أصدقاء سيدها، ثم تقوم امرأة تُدعى "ملك الموت" بقتلها طعناً، ويُحرق جثمانها مع جثمان الزعيم داخل سفينة ضخمة وسط احتفال دموي!
ألهمت رحلة ابن فضلان العديد من الأعمال الفنية، مثل فيلم "المحارب الثالث عشر" (1999) بطولة أنطونيو بانديراس، والمسلسل الشهير Vikings، حيث استُخدمت مذكرات ابن فضلان كمصدر رئيسي لفهم ثقافة الفايكنغ!
رحلة ابن فضلان لم تكن مجرد مغامرة، بل كانت أول توثيق عربي دقيق لأوروبا الشمالية قبل ألف عام! ترك لنا وصفاً نادراً لشعوب لم يكن العرب يعرفون عنها شيئاً، وسجّل عاداتهم وتقاليدهم الغريبة التي لم يكن يتخيلها أحد في بغداد!
هل تخيلت يوماً أن المسلمين كانوا من أوائل من استكشفوا الشمال الأوروبي؟
المصادر:
كتاب رسالة ابن فضلان فى وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة، أحمد بن فضلان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق