بقلم د سامى صالح عبدالملك
أكد الباحث الأثري أسامة صالح أن سيناء منذ الفتح الإسلامي كانت المعبر الرئيسي لحجاج غرب أوروبا (الأندلسيون) وبلاد المغرب العربي والعديد من دول أفريقيا المسلمة، فكان حجاج أوروبا وغيرهم وحجاج المغرب العربي يبحرون إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة ليبدأوا معا رحلتهم إلى الأراضي الحجازية فى موكب مهيب تتقدمهم كسوة الكعبة الشريفة فيما عرف بالمحمل.
واشار صالح إلى أنه كان من المعروف أن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد أوصى بكسوة الكعبة المشرفة من النسيج المصري المعروف بالقبطي (اشارة الى القبط ) وكانت الفيوم تشتهر بصناعته آنذاك وبرع الأقباط فى صناعته .وكانت كسوة الكعبة تخرج مع قافلة الحجيج المصرية وما يصاحبها من قوافل الحجاج الاندلسيين والمغاربة وغيرهم وقد وصف المؤرخون والرحالة يوم خروج المحمل من مصر بأنه يوم مشهود.
حيث كان يتوجه القضاة الاربعة ومعهم كبار الفقهاء وكبار رجال الدولة الى القلعة حيث تخرج الكسوة موضوعة فى هودج محمول على جمل متزين بأبهى زينة ويتقدمهم أمير الحج الذى تم تعيينه لرئاسة قافلة الحج لهذا العام.. ثم يقوم بالدوران فى القاهرة والفسطاط لمدة ثلاثة ايام فيما عرف بدوران المحمل.. وكانت شوارع القاهرة ومحلاتها تزدان بأبهى زينة احتفالا بهذا الحدث ويسير خلف المحمل العديد من فرق الصوفية وفرق الإنشاد الدينى كما يصاحب هذه الاحتفالات بعض المهرجين الذين أطلق عليهم عفاريت المحمل.
وأوضح صالح انه كان يرافق المحمل العديد من أرباب المهن مثل الاطباء و الجمالين والسقاءين وحاملي الأمتعة ومن أطرف المهن التى رافقت قوافل الحجاج كان شخص يطلق عليه أبو القطط..وكانت وظيفته تقديم الطعام للقطط التى تتبع القافلة او يتصادف وجودها على مر الطريق.
أما عن الطرق التى سلكتها قوافل الحجاج فى مصر فقد مرت بالعديد من المراحل التى ارتبطت بتغيرات سياسية واقتصادية فى العالم الإسلامي آنذاك كد صالح انه منذ الفتح الإسلامي كان الحجاج يستخدمون الطريق البرى عبر شبه جزيرة سيناء"درب الحج المصري " ، حيث كان الحجاج يتجمعون فى الفسطاط بحلول شهر رجب المبارك ثم يتحركون الى بركة الحاج ومنها الى منطقة تسمى الدار البيضاء بالقرب من طريق السويس ثم الى عجرود ومنها يسلكون طريقهم عبر سيناء فى مراحل مختلفة مرورا بالعديد من المحطات والمنازل المعدة لاستقبال الحجاج وصولا الى منطقة (نخل) بكسر النون ، بوسط سيناء وهى من المحطات الرئيسية فى طريق الحج البرى عبر سيناء وفيها كان الحجاج يتزودون بالماء والاطعمة وما يحتاجونه لاستكمال رحلتهم ، ومن نخل يواصلون مسيرهم حتى العقبة ومنها الى الأراضي الحجازية وصولا الى مكة المكرمة وقد قدر المؤرخون المدة الزمنية التى كانت تقطع فيها المسافة من بركة الحاج حتى العقبة من أسبوع الى عشرة أيام .
وتابع صالح انه بعد قدوم الحملات الصليبية الى المشرق الإسلامي أصبح الطريق البرى( درب الحج المصري ) غير آمن ،لاسيما بعد أن تحولت وظيفته الى الوظيفة الحربية حيث استخدمه صلاح الدين الأيوبي كطريق حربى فى مواجهاته ضد الصليبيين ويؤكد ذلك قيام صلاح الدين الأيوبي بإنشاء العديد من القلاع الحربية مثل قلعة سدر وقلعة طابا . لذلك فقد تحول طريق الحجاج الى الطريق البحري عبر ميناء عيذاب والقصير على ساحل البحر الأحمر، حيث كانت قوافل الحجاج من بلاد الأندلس والمغرب العربى تتجمع فى القاهرة قبل شهر رمضان ويركبون المراكب الصغيرة فى نهر النيل متجهين الى صعيد مصر حتى مدينة قوص ثم ينزلون ويبدأون السير فى الصحراء الشرقية لمسافة تقدر بحوالي 150 كيلو متر وصولا الى ميناء عيذاب ومنه يبحرون الى جدة .
وقد حج بهذه الطريق كل من ناصر خسرو الرحالة الفارسي عام 442هـ حيث وصل الى اسوان ومنها الى ميناء عيذاب ، وابن جبير الأندلسي عام 579هـ وفى عام 725هـ سافر ابن بطوطة عبر النيل الى قوص ومنها الى عيذاب قاصدا مكة المكرمة الا أنه رجع الى القاهرة مرة أخرى بعدما فشل فى ايجاد مركب تحمله الى جده مع باقى الحجاج .
واضاف أنه بعد انتهاء الحروب الصليبية عاد الحجاج مرة أخرى الى الطريق البرى عبر سيناء " درب الحج المصري "ولكن بمفهوم جديد ومتطور، حيث بدأت هذه المرحلة فى نهاية العصر الأيوبي وبدايات العصر المملوكي وتحديدا حين سلكت شجر الدر الطريق البرى عبر سيناء لأداء فريضة الحج عام 645هـ وحملت معها كسوة الكعبة ، الا أن هذا الطريق لم يأخذ الطابع الرسمي كطريق أساسي لقوافل الحج الا بعد قيام الظاهر بيبرس بآداء فريضة الحج عبر هذا الدرب فيما بين عامي 666/667هـ ومعه قافلة الحج الرسمية حاملا معه كسوة الكعبة والمفتاح الذى أمر بصنعه لبابها الشريف .
وكان ذلك متزامنا مع نجاح الظاهر بيبرس فى القضاء على معاقل الصليبيين فى بلاد الشام، وقد أمر الظاهر بيبرس بتمهيد الطريق وحفر الابار واقامة النواطير وهى أشبه بطواحين الهواء لإرشاد الحجاج الى الطريق .وكان من المتعارف عليه أن يقوم الحجاج بإرسال أمتعتهم الثقيلة مع الجمالين قبل تحركهم من القاهرة مقابل أجرة محددة وكانت تودع بالمخازن على طول الطريق وفقا لتسلسل المحطات والاستراحات، وقد ظل هذا الطريق مستخدمًا كأحد الطرق الرئيسية للحج حتى عام 1301هـ /1883م وهو العام الذى خرجت فيه آخر قافلة رسمية للحجاج المصريين عبر درب الحج المصري فى سيناء حيث تلاشت أهميته تمامًا حتى هجر استخدامه بشكل كامل بحلول عام 1892م فى عهد الخديوي محمد توفيق باشا .
واوضح الباحث الاثرى ان العصر المملوكي شهد نشاطًا ملحوظًا لميناء الطور والذى أصبح من الموانئ الرئيسية فى العصر المملوكي فأصبح ميناء الطور ميناء للحج" الإسلامي والمسيحي " والتجارة منذ أواخر القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي جنبًا الى جنب مع الطريق البرى السابق ذكره ، فكانت السفن تبحر من موانئ جنوه الايطالية أو البندقية الى الاسكندرية ثم تتوجه الى القاهرة وبعد أن يحصلوا على عهد الامان أو الفرمان من سلطان المماليك كان الحجاج المسيحيون يقيمون لفترة فى استراحة مخصصة لهم بالقاهرة حيث يتم منح الطعام للفقراء المتجهين الى سانت كاترين كجزء من عملية الحج المسيحي .
وكان الحجاج المسلمين والمسيحيين يتحركون معًا من القاهرة الى ميناء السويس عبر درب الحج فى رحلة مدتها ثلاثة أيام، ومن السويس كانوا يركبون معًا الى الطور أو يتجهون عن طريق البر بمحاذاة الطريق الساحلي الى ميناء الطور فى رحلة مدتها ستة أيام ومن الطور كان الحجاج المسلمين يبحرون الى جدة بينما كان الحجاج المسيحيين يستكملون رحلتهم الى منطقة سانت كاترين حيث جبل موسى ودير سانت كاترين ، ومن الطريف أن بعض الحجاج المسلمين كانوا يتجهون لزيارة جبل موسى ودير سانت كاترين قبل سفرهم الى الحجاز أو بعد عودتهم كنوع من أنواع التبرك بتلك الأماكن المقدسة، ولا تزال توقيعات بعض الحجاج المسلمين موجودة على جدران ومحاريب المسجد الفاطمي داخل دير سانت كاترين .
وأكد صالح ان المرحلة الرابعة من مراحل تطور طرق الحج المصري فقد بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وهى الفترة التى شهدت مد وتشغيل خط السكة الحديد فيما بين القاهرة والسويس وحفر قناة السويس فأصبح ميناء السويس ميناء رئيسيا وبالتالي تلاشت أهمية ميناء الطور .
سيناء..طريق الحجاج القديم من نخل وميناء الطور حتى خليج العقبة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق