الأربعاء، 19 أغسطس 2026

 البهنسا






مساجد لها تاريخ (٢)

مسجد الحسن بن صالح بالبهنسا.. شاهدٌ خالد على عراقة الحضارة الإسلامية في المنيا
أحد أقدم المساجد التاريخية في مصر.. وتحفة معمارية تحكي صفحات مضيئة من تاريخ الإسلام في صعيد مصر
في قلب البهنسا التاريخية، تلك البقعة التي ارتبط اسمها عبر القرون بتاريخ مصر الإسلامي، يقف مسجد الحسن بن صالح شاهدًا على عراقة المكان وعمق جذوره الحضارية، ليظل واحدًا من أبرز المساجد الأثرية في محافظة المنيا، وأحد المعالم التي تجمع بين جلال العبادة وأصالة التاريخ وروعة العمارة الإسلامية.
وتكتسب البهنسا مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية والدينية، حتى عُرفت بـ «البقيع الثاني»؛ لما تضمه أرضها من مقامات وآثار مرتبطة بعدد من الصحابة والتابعين والشهداء والصالحين، فضلًا عن مكانتها التاريخية منذ دخول الإسلام إلى مصر.
مسجد يعود إلى القرن الرابع الهجري
تشير الروايات والمصادر التاريخية المتداولة إلى أن مسجد الحسن بن صالح شُيِّد سنة 332هـ، أي قبل إنشاء الجامع الأزهر الذي بدأ بناؤه سنة 359هـ بنحو 27 عامًا وفق هذا التأريخ، وهو ما يجعله من المساجد الإسلامية المبكرة ذات القيمة التاريخية والمعمارية الكبيرة في مصر.
وينسب المسجد إلى الحسن بن صالح بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو ما يضفي على المكان أهمية دينية وتاريخية خاصة، إلى جانب قيمته الأثرية.
عمارة إسلامية تحمل عبق القرون
ويتميز المسجد بتخطيط معماري يعكس ملامح المساجد الإسلامية القديمة؛ إذ يتوسطه صحن مكشوف تحيط به أروقة، ويُعد رواق القبلة أكبرها وأكثرها اتساعًا، ويضم المحراب الذي تتجه إليه أنظار المصلين.
وتبرز في أرجاء المسجد مجموعة من الأعمدة الأثرية القديمة التي يصل عددها إلى نحو 42 عمودًا، وتحمل في تفاصيلها ونقوشها شواهد على تعاقب العصور التي مر بها المسجد، لتصبح هذه الأعمدة جزءًا أصيلًا من ذاكرة المكان وملامحه المعمارية.
ساقية تاريخية تحكي قصة الماء
ومن العناصر اللافتة في المسجد وجود بقايا ساقية أثرية في الجهة الغربية، ارتبطت بنظام قديم لرفع المياه، حيث كانت المياه تُنقل عبر نفق أرضي متصل بمجرى بحر يوسف، بما يعكس براعة الإنسان المصري في التعامل مع المياه وتوفيرها لخدمة احتياجات السكان ورواد المسجد، ومن بينها الوضوء.
وهكذا لا يقتصر المسجد على كونه مكانًا للعبادة، بل يقدم للزائر صورة حية عن منظومة الحياة والعمران في العصور الإسلامية السابقة.
ضريح ومقامات تزيد المكان خصوصية
ويضم أحد أروقة المسجد من الناحية البحرية ضريحًا ومقامات منسوبة إلى صاحب المسجد، وهو ما أضفى على المكان بُعدًا روحيًا وتاريخيًا ظل حاضرًا في وجدان أهل البهنسا وزائريها عبر أجيال متعاقبة.
البهنسا.. ذاكرة مفتوحة للتاريخ
ولا يمكن الحديث عن مسجد الحسن بن صالح بمعزل عن البهنسا نفسها؛ فهذه المنطقة تُعد من أبرز المواقع التاريخية بمحافظة المنيا، وتزخر بالعديد من المقامات والقباب والآثار الإسلامية والقبطية والفرعونية، مما جعلها مقصدًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث.
ومن هنا يمثل مسجد الحسن بن صالح حلقة مهمة في سلسلة التراث الإسلامي بمحافظة المنيا، ودليلًا على أن صعيد مصر لم يكن بعيدًا عن مراكز الحضارة والعمران الإسلامي، بل كان جزءًا أصيلًا من مسيرة الحضارة الإسلامية في مصر.
تراثٌ نحافظ عليه.. ورسالةٌ نواصلها
إن الحفاظ على المساجد التاريخية ليس حفاظًا على جدران وأعمدة وأحجار فحسب، وإنما هو حفاظ على ذاكرة الأمة وهويتها الحضارية، وصون لشواهد تاريخية تربط الأجيال الحاضرة بماضيها العريق.
ومسجد الحسن بن صالح بالبهنسا، بما يحمله من تاريخ وعمارة ومكانة روحية، يظل شاهدًا على عظمة الحضارة الإسلامية، وصرحًا من صروح التراث في محافظة المنيا، يستحق التعريف به وإبراز قيمته للأجيال الجديدة.
مديرية أوقاف المنيا
تواصل رسالتها في التعريف بالمساجد التاريخية، وإبراز ما تزخر به المحافظة من شواهد حضارية ودينية، تأكيدًا على أهمية صون التراث الإسلامي والتعريف بعراقة المساجد ودورها الممتد في بناء الوعي الديني والحضاري.
مسجد الحسن بن صالح بالبهنسا.. مسجدٌ تتعانق في رحابه العبادة والتاريخ، وتروي أعمدته وحجارته صفحاتٍ من ذاكرة مصر الإسلامية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق