الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

 كانت الساعة قد اقتربت من الثانية من صباح يوم 14 أكتوبر 1932 عندما انتبه أحمد بك شوقى أمير الشعراء فى حجرة نومه وجلس على سريره وصرخ بصوت مسموع:

" أيها الخادم ! "
رد: " نعم يا باشا"
-- "إننى أشعر بآلام فى صدرى، وضيق فى التنفس.. فحاول أسعافى".
-- حاضر يا باشا
وبعدما فشل الخادم قال له: " لقد فشلت...إذن أطلب الطبيب (جلاد)-- طلبته يا باشا"
-- هل جاء؟
-- " حتى الآن..لا يا باشا"
-- " إذن أيقظ أسرتى"
-- حاضر يا باشا!
•••
قبل ثلاثة وثمانين يوماَ من تلك الليلة عاد أحمد شوقى باشا إلى بيته بعدما نعى صديقه شاعر النيل حافظ إبراهيم ( توفى فى 21 يولية سنة 1932) بقصيدة قال فيها:
( قد كنت أوثر أن تقول رثائى
يا منصف الموتى من الأحياء)
الآن يدخل إلى حديقة منزله ثم يتوقف ويقول لسكرتيره:
- " ترى.. كم قبرا تسع هذه الدار؟
بدهشة يرد السكرتير:
"لماذا هذا السؤال يا باشا"
'- " لا شيء..لا شيء.. خاطر مر بنفسي..فتذكرت الموت"!
--يرد السكرتير:" عشت يا أمير الشعراء.. ولا روعت فيك مصر..ولا فجع بك الشرق العربى"
-- "لا تخف..فليس الموت بالمصيبة العظمى"!
كيف يا باشا..فالموت مصيبة المصائب"!
-- " يا هذا.. الموت.. قد يكون منجاة من حسد حاسد أو حقد حاقد"!
•••
عند الساعة الثانية بعد منتصف تلك الليلة ( ليلة الوفاة) عاد الخادم بعدما أيقظ كل من بالبيت وطمأن الباشا إلى قرب وصول الطبيب.
-- رد بصوت ضعيف قائلاَ :"لا أمل بعد الآن..إن أمرى قد انتهى، فسلام على أولادى وأصدقائى"!
•••
بعد 5 دقائق دخلت الزوجة والأولاد فوجدوه يجود بأنفاسه الأخيرة حيث كان يعانى من تصلب فى الشرايين...فوقف الجميع خائفين،صامتين، ينظرون إليه إلى أن نطق يودعهم قائلاَ:
" وصيتى لكم أن تكتبوا على قبرى:
"أن جل ذنبى عن الغفران لى أمل
فى الله يجعلنى فى خير معتصم"
الآن...
وصل الطبيب..لكن قبله حضر ملك الموت..
والآن مات أمير الشعراء أحمد شوقى وآخر ما فعله فى حياته أن وقف بسيارته فى الشارع وقال للسائق.
" ابحث عن الرجل الذى صرفته قبل قليل.. ( كان رجلاَ فقيراَ بائساَ يريد منه مال فى ظل ظروف اقتصادية عالمية طاحنة فى ذلك العام)
رد السائق:
"لكننا ابتعدنا عن مكانه يا باشا
- " قلت..توقف وابحث عنه..فلعله يكون فى حاجة أشد من الذين تقدموه" ( كان قبلها بدقائق قد وزع ما فى جيبه - أو بعضه - على عدد من الفقراء والبؤساء فى طريق عودته من مصر الجديدة إلى الجيزة)
•••
بعد دقائق عاد سكرتيره وقال:"
هذا هو الرجل الفقير يا باشا"!
التفت إليه قائلاَ:" لا تؤاخذنى، فأنا مريض وأعصابى ضعيفة. فلا تتكدر من حدتى" وأعطاه مبلغا من المال ربما كان المبلغ الأخير فى جيبه ثم عاد إلى بيته ولم يغادره حتى مات..
•••
مات وآخر ما فعله:
مساعدة الفقراء ومواساة البؤساء!
وآخر ما قاله:
" السلام للأبناء والأصدقاء"
وآخر ما حذر منه:
" حقد حاقد وحسد حاسد "!..
•••
وكلام أمير الشعراء - يبدو لى وكأنه رسالة لكل إنسان يعمل - بقدر ما يستطيع - وبقدر ما يعتقد - وبقدر ما يحاول - وبقدر ما يبادر - وبقدر ما يناور - وبقدر ما يشاور - ورغم ذلك وفوق ذلك يُهاجم من ( حقد حاقد.. وحسد حاسد ) .. فأرجو أن تكون الرسالة -رسالة أحمد بك شوقي - لهؤلاء وهؤلاء - قد وصلت!
خيرى حسن
-- الأحداث حقيقية والسيناريو من خيال الكاتب.
-- الصورة:
أحمد شوقى.
-- المصادر:
كتاب:
الساعات الأخيرة - طاهر الطناحى - كتاب الهلال - طبعة 1962)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق