رغم أن الشيخ محمد متولي الشعراوي وُلِد عام 1911، وكان يكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (شيخ الأزهر الأسبق، وُلد عام 1917) بست سنوات، إلا أن الشيخ الشعراوي كان يصر دائمًا على تقبيل يد الشيخ جاد الحق في أي مكان وزمان.
وكان الشيخ جاد الحق يحاول في كل مرة منعه دون جدوى. والشعراوي لم يكن يعبأ بفعله هذا أمام العامة أو الخاصة، ولا يخشى أن يظهر وهو يُقبّل يد شيخ الأزهر حتى على شاشات التلفاز وأمام العالم كله.
في إحدى المناسبات بمحافظة الدقهلية – مسقط رأسهما – حين كرّمت المحافظة ثلاثة من أبنائها: الشيخ الشعراوي، والشيخ جاد الحق، والدكتور فاروق الباز… فوجئ الحضور بإصرار الشعراوي على تقبيل يد الشيخ جاد الحق، رغم محاولة الأخير منعه.
وهنا قال الشعراوي:
"إنني حينما أوقر شيخ الإسلام، فإنني أنصر ديني. وكما كنت أقبّل يد شيخي وأستاذي الدكتور عبد الحليم محمود – شيخ الإسلام والمسلمين – فأنا أحرص أيضًا على تقبيل يد الشيخ جاد الحق، حتى ولو كان أصغر مني سنًا، فالإسلام أكبر منا جميعًا."
ثم أضاف مبتسمًا:
"لقد ضحكت عندما استحلفني الشيخ جاد الحق أن أكف عن تقبيل يده، فقلت له: لا.. لم ولن أكف عن تقبيل يد شيخ الأزهر الذي هو شيخي وشيخ الإسلام والمسلمين."
وفي ختام الحفل، أعاد الشعراوي الكرة وقبّل يد الشيخ جاد الحق مرة ثانية، مما دفع الأخير أن يقول له:
"والله لا يجوز يا مولانا أن تقبّل يدي، فأنت عالم جليل، ولك مكانتك العلمية والعالمية، إضافة إلى أنك أكبر منا سنًا ومقامًا."
لكن الشعراوي أجابه قائلاً:
"ألم أقل لفضيلتكم أنني لا أقبّل يدكم أنتم، بل أقبّل يد شيخ الإسلام والمسلمين."
وهنا ضجّ المكان بالتصفيق الشديد، إعجابًا بما رأوا من احترام متبادل بين رمزين عظيمين من رموز الإسلام.
وبعد أسابيع، فوجئ الشعراوي أثناء تصوير برنامجه الشهير "خواطر الشعراوي الفياضة حول القرآن الكريم" بمسجد الإمام الحسين – رضي الله عنه – بدخول الشيخ جاد الحق فجأة.
فقال الشعراوي للمخرج عبد النعيم شمروخ:
"أستأذنك يا حاج عبد النعيم أن توقف التصوير لاستقبال شيخنا الإمام جاد."
فردّ الشيخ جاد الحق:
"والله ما جئتكم إلا لأسعد بسماع خواطركم يا مولانا."
حينها قام الشعراوي لاستقباله. وكان الشيخ جاد الحق قد قرر في نفسه هذه المرة أن يفوّت الفرصة على الشعراوي؛ فإذا صافحه سيخطف يده بسرعة حتى لا يتمكّن من تقبيلها كما فعل سابقًا.
لكن الشعراوي، بذكائه المعروف، تظاهر وكأنه فقد توازنه وسيسقط أرضًا، فاندفع الشيخ جاد الحق ليسنده، فإذا بالشعراوي يُمسك بيده ويقبّلها في لحظة خاطفة!
فقال له الشيخ جاد الحق مبتسمًا:
"تاني يا مولانا؟!"
فأجابه الشعراوي ضاحكًا:
"ألم أقل لفضيلتك في المنصورة أنك شيخ الإسلام والمسلمين؟ لقد توقعت ما تفكر فيه، فقبّلتها بتمكين أَمكن. وأعدك يا مولانا أنني لم ولن أكف عن فعل هذا ما دمت حيًا."
ومن المواقف العجيبة أن الشيخ جاد الحق – قبل وفاته – كتب في وصيته أن الذي يُصلي عليه هو الشيخ محمد متولي الشعراوي.
وبالفعل، تحامل الشعراوي على نفسه ونفّذ الوصية، وصلى على جثمان الشيخ جاد الحق، وشارك أسرته العزاء في قرية بطرة مركز طلخا بمحافظة الدقهلية.
ضحك الشعراوي لأنه بحكم ذكائه ودهائه اللطيف استطاع أن يُفاجئ الشيخ جاد الحق، ويقبّل يده رغم محاولاته الدائمة لمنعه. وكان يرى أن تقبيله ليد شيخ الأزهر هو توقير لمقام الإسلام نفسه، لا لشخص الشيخ جاد الحق فقط.
رحم الله الشيخ الشعراوي، ورحم الله الشيخ جاد الحق، وجزاهما عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق