سرّ التشبيه الإلهي: لماذا ضرب اللهُ مَثَلَ الدنيا بالماء؟
قال الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45].
تتجلّى في التشبيه القرآنيّ دِقّةٌ معجزةٌ ولطائفُ لا تنقضي؛ فقد اختار الله سبحانه وتعالى الماء بخصائصه الدقيقة ليكون التجسيد الأمثل لـ حقيقة الحياة الدنيا. وقد استخرج المفسرون وأهل النظر من هذا التشبيه عجائب بلاغية وإيمانية جليلة، أصلُها في الخصائص الخمس التالية:
١. استحالة القبض عليه (زوال التملك)
حاول أن تقبض بيدك على حفنةٍ من الماء.. ماذا يحدث؟ سيتسرب من بين أصابعك مهما أحكمت إغلاقها، ولن يتبقى في كفك شيء.
هذه هي الدنيا تماماً؛ مهما جمعت من حطامها، ومهما توهّمت أنّك حزتها وقبضت عليها، ستتسرب من بين يديك بالفقد أو الموت، ولن تخرج منها في النهاية إلا بـ "البلل" (الكفن).
٢. التقلّب وعدم الثبات (تغير الأحوال)
الماء من أكثر المواد تقلّباً وتغيراً؛ يتبخر فيغدو غازاً، ويبرد فيصير جليداً صلباً، ويذوب فيعود سائلاً.
وكذلك الدنيا؛ لا تستقر على حال: غنىً يعقبه فقر، وصحةٌ يتبعها مرض، وشبابٌ ينتهي بالهرم. ومن ظنّ أنّ الدنيا قد تصفو له وتستقر، كمن ظنّ أنه يستطيع تجميد الماء في كفه إلى الأبد.
٣. بين الحياة والغرق (قانون الكفاف)
الماء إذا أخذت منه بقدر حاجتك (للشرب أو السقيا) أحياك وأينع به زروعك، أمّا إذا ألقيت بنفسك في أعماقه غرقاً وطمعاً.. قتلك!
وكذلك الدنيا؛ من أخذ منها بلغته وما يكفيه عاش هانئاً سعيداً، ومن ألقى بنفسه في محيطها غرق في همومها وديونها وشهواتها.
قاعدة النجاة:
"من الطبيعي أن تكون السفينة في الماء، لكن الخطر كل الخطر أن يكون الماء في داخل السفينة! فسفينة النجاة تطفو على الماء، فإذا دخل الماء إليها غرقت.. فاجعل الدنيا تحت قدميك ترفعك، ولا تجعلها في قلبك فتغرقك."
٤. خداع الانعكاس (وهم السراب)
الماء الصافي كالمرآة، يعكس لك صورة السماء والأشجار، فترى فيه زينةً تسرّ الناظرين. لكنك إن مددت يدك لتمسك بتلك الصور، لن تجد إلا ماءً لا حقيقة لما ينعكس فيه.
والدنيا مرآة تعكس للإنسان شهواته وأحلامه، فيظن أنها الحقيقة الخالدة، فإذا خاض فيها اكتشف أنها مجرد انعكاس زائل وظلٍّ حائل.
٥. دورة النهاية الحتمية (الزوال السريع)
رسمت الآية الكريمة "دورة حياة" كاملة وموجزة:
ماء ينزل من السماء
⬅️ نبات يختلط به، فيخضرّ ويزدهر (مرحلة القوة والشباب والفتنة)
⬅️ يجفّ فجأة ويتحول إلى (هشيمٍ تذروه الرياح).
فالماء الذي كان سبباً في الحياة والخضرة، هو نفسه الذي انسحب وترك النبات يابساً هشيماً. وهكذا هي الدنيا؛ تعطي لتسلب، وتُبتسَم لك اليوم لتبكيك غداً.
اللهم ردنا إليك ردآ جميلا
ولاتجعل الدنيا اكبر همنا ولامبلغ علمنا ولاتسلط علينا من لا يرحمنا . اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات انك سميع قريب مجيب الدعوات .
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا الي يوم الدين وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق