الأحد، 2 أغسطس 2026

 اليوم الذي ظن المصريون أن القيامة قد قامت.. الزلزلة العظمى

قبل أذان الفجر بقليل... كانت مصر تغط في نومٍ عميق. لم يكن أحد يتوقع أن الساعات التالية ستشهد واحدة من أعظم الكوارث الطبيعية في تاريخها.
في فجر *24 ذي الحجة سنة 702هـ، الموافق 8 أغسطس 1303م*، اهتزت الأرض فجأة بعنفٍ هائل. بدأت المباني تتمايل، ثم انهارت الجدران والأسقف فوق أصحابها، وارتفعت صرخات الناس في كل مكان، بينما غطت سحب الغبار شوارع القاهرة والإسكندرية ومدنٍ أخرى. وفي لحظات، تحولت البيوت الآمنة إلى أكوامٍ من الأنقاض، ودُفن تحتها عدد كبير من السكان قبل أن يجدوا طريقًا للنجاة.
كان الزلزال من القوة بحيث لم يجد المؤرخون الذين عاصروه وصفًا يليق به سوى *"الزلزلة العظمى"*، مؤكدين أنهم لم يعرفوا في تاريخهم زلزالًا يضاهيه. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن مركز الزلزال كان بالقرب من جزيرة كريت، لكن قوته الهائلة لم تتوقف عند هناك، بل امتدت موجاته عبر شرق البحر المتوسط حتى وصلت إلى مصر، لتخلّف واحدة من أعظم الكوارث الطبيعية التي عرفتها البلاد عبر تاريخها.
لكن الرعب لم يأتِ من اهتزاز الأرض وحده. فمع وقوع الزلزال هبت رياح شديدة الحرارة، وصفها المؤرخون بأنها *"سموم تلفح فتشوي الوجوه حين تنفح"*، بينما اجتاحت صعيد مصر ريح سوداء كثيفة حتى قيل إن الناس لم يعد أحدهم يرى الآخر من شدة الظلام.
وتجمع المصادر على أن الهزة الرئيسية استمرت مدة طويلة بصورة غير مألوفة، ثم أعقبتها هزات ارتدادية متكررة استمرت قرابة **أربعين يومًا**. لم يعد أحد يشعر بالأمان داخل منزله، فخرج أهل القاهرة إلى الصحراء والقرافة، ونصبوا الخيام في العراء، وباتوا هناك مع أطفالهم ونسائهم خوفًا من عودة الزلزال.
ووصف المؤرخون ذلك المشهد المؤثر بقولهم: **"خرجت النساء حاسرات إلى الطرقات، واجتمع العالم في الصحراء خارج القاهرة، وباتوا ظاهر باب البحر بحريمهم وأولادهم."** وتذكر بعض الروايات أن شدة الزلزال كانت مرعبة إلى درجة أن عددًا من النساء الحوامل أسقطن أجنتهن من شدة الفزع، بينما اعتقد كثير من الناس أن يوم القيامة قد أقبل، فارتفعت أصوات الدعاء والاستغفار في كل مكان.
ولم تتوقف الكارثة عند حدود مصر، بل شعر بها سكان الشام، وبرقة، وتونس، وصقلية، وقابس، وقبرص، ووصل أثرها حتى القسطنطينية. غير أن المدينة التي تلقت الضربة الأقسى كانت **الإسكندرية**.
ففي لحظات، انهارت مبانٍ كثيرة فوق ساكنيها، وسقط مئات الضحايا تحت الأنقاض. ثم حدث ما يشبه الكارثة المزدوجة، إذ اندفع البحر نحو المدينة في موجاتٍ هائلة، فيما يعتقد الباحثون اليوم أنه **تسونامي** نجم عن الزلزال. اجتاحت المياه الأحياء الساحلية، وجرفت الرجال والجمال، وأغرقت السفن، بل حملت بعض المراكب إلى داخل اليابسة، فهرب سكان الإسكندرية مذعورين خارج أسوار المدينة حتى هدأت الأرض وانحسر البحر.
ووصف الأمير المؤرخ **بيبرس المنصوري**، الذي عاش تلك الأحداث، المشهد بقوله: **"كانت الزلزلة عظيمة حتى أن الجزر تساقطت، والمباني تهدمت، والصخور تقطعت، والمياه من خلال الأرض تفجرت."* أما المؤرخ **بدر الدين العيني** فقال: *"لو دام الزلزال أكثر من ذلك لما بقي على الأرض دار ولا ثبت بها جدار."*
وخلف الزلزال دمارًا هائلًا في الإسكندرية؛ فانهارت الأبراج والأسوار، وتصدع الجزء العلوي من **منارة الإسكندرية** وسقطت أجزاء كبيرة منه، كما تهدم السور الشمالي، وتشققت صهاريج المياه العذبة، وتعطلت التجارة بعد غرق السفن وضياع بضائع التجار.
أما القاهرة، فقد تغير وجهها بالكامل. فلم يكد يوجد منزل إلا أصابه تصدع أو انهيار، وسقطت مآذن كثيرة، وامتلأت الشوارع بالحجارة والأتربة، حتى وصفها المؤرخون بأنها بدت وكأن جيشًا غازيًا اجتاحها وتركها خرابًا.
وكانت أشهر مساجدها من بين أكثر المباني تضررًا؛ فتشققت جدران **جامع عمرو بن العاص**، وانفصلت بعض أعمدته، وسقط جزء من سقف **الجامع الأزهر** وتصدعت مئذنته، بينما تعرض **جامع الحاكم بأمر الله** لأعنف الأضرار، إذ انهارت مئذنتاه وسقطت أجزاء كبيرة من جدرانه، كما تضرر **جامع الصالح طلائع** وسقطت أجزاء من مآذنه.
وامتد الدمار إلى أنحاء واسعة من البلاد؛ فسقطت معظم مباني **سخا** حتى لم يبق فيها جدار قائم، وخربت **أبيار**، وتضررت قرى في الشرقية، ودُمر معظم **دمنهور**، كما أصاب الخراب مدينة **قوص** في صعيد مصر.
ولم تنتهِ آثار الكارثة عند هذا الحد، فقد تهدمت الجسور المقامة على ضفاف النيل، فانطلقت مياه الفيضان إلى الأراضي الزراعية، وأغرقت مساحات واسعة من الحقول، لتبدأ بعدها أزمة اقتصادية أثرت في الزراعة والتجارة ومعيشة الناس لسنوات.
ويشير عدد من الباحثين أيضًا إلى أن الزلزال أدى إلى سقوط أجزاء من الكسوة الحجرية البيضاء التي كانت تغطي **الهرم الأكبر**، لتختفي معالم معمارية ظلت قائمة منذ آلاف السنين.
لقد لم تكن زلزلة عام 702هـ / 1303م*مجرد هزة أرضية عابرة، بل كانت كارثة غيّرت وجه مصر وشرق البحر المتوسط في ساعات قليلة. ولذلك بقيت حاضرة في كتب التاريخ باسم *"الزلزلة العظمى"*، بوصفها واحدة من أشد الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة في العصور الوسطى. #زلزال #زلزال_مصر #عظماء_التاريخ #تاريخنا #مصر #شخصيات_مؤثرة #قصص_مؤثرة #شخصيات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق