السبت، 11 يوليو 2026

 يعتبر جامع السلطان الظاهر بيبرس البندقداري بحي الظاهر بالقاهرة أحد أهم وأبرز المعالم العمارية الإسلامية في مصر. وهو ثالث أكبر مساجد القاهرة أثراً ومساحةً بعد ابن طولون وعمرو بن العاص والحاكم بأمر الله. يمثل هذا الجامع بداية التوسع العمراني للقاهرة خارج أسوارها الشمالية في العصر المملوكي، حيث شُيد في مكان ميدان قراقوش القديم الذي كان مخصصاً للعب الصوالجة (الكرة والصولجان)، فأمر السلطان بتحويله إلى جامع، ووقف عليه الأوقاف الواسعة.

● السلطان الظاهر بيبرس المؤسس الفعلي
هو السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس بن عبد الله البندقداري الصالحي النجمي (620 - 676 هـ / 1223 - 1277 م). يُعد رابع سلاطين المماليك البحرية، والمؤسس الحقيقي للسلطنة المصرية المملوكية. توفـ ـي بدمشق عام 676 هـ ودُفـ ـن في المكتبة الظاهرية هناك.
● تميز عهده بنهضة معمارية وحضارية كبرى داخل مصر وخارجها، ومن أبرز أعماله بالقاهرة:
- الجامع الأزهر، أعاد صلاة الجمعة إليه بعد أن أبطـ ـلها صلاح الدين الأيوبي، فقام بيبرس بترميم جدرانه، وتبييضه، وتبليطه، وإصلاح سقفه، واستجد مدرسة للمذاهب الأربعة فيه.
المدرسة الظاهرية بين القصرين: شيدها عام 662 هـ، وألحق بها خزانة كتب ضخمة ومكتباً للسبيل.
- المشهد الحسينى: جدد المشهد وبنى عليه مسجداً.
- المنشآت المدنية والعسكـ ـرية: جدد دار العدل بالقلعة، وبنى دار الذهب، وقبة عظيمة بالقلعة، وجسر السباع بمنطقة السيدة زينب الحالية، بالإضافة إلى إدخال نظام بريد الخيل السريع لربط أطراف مملكته.
● التخطيط المعماري للجامع
يمتد على مساحة مربعة تقريباً تبلغ أبعادها حوالي 108×105
أمتار، بمساحة إجمالية تقارب 11,880 متراً مربعاً (نحو ثلاثة أفدنة).
للمسجد ثلاثة مداخل بارزة عن سمت الجدران، أهمها المدخل الغربي الرئيسي الذي يتميز بزخارفه الهندسية والفنية البديعة الوافدة من عمارة الشام والأيوبيين.
يتكون من صحن أوسط مكشوف يحيط بها أربع ظلات (أروقة)، أكبرها وأعمقها هي ظلة القبلة (رواق القبلة).
تميز الجامع بقبة ضخمة جداً بنيت فوق منطقة المحراب، لكنها سقطت مع مرور الزمن ولم يتبق من معالمها القديمة سوى الجدران الخارجية الحاملة لها والمداخل.
● عـ ـانى الجامع من الإهمـ ـال والتخـ ـريب عبر العصور:
- العصر العثماني (القرن 16 م وما بعده) تعذر الصرف على عمارة المسجد بسبب اتساع رقعته، فبدأ يتخـ ـرب وسقـ ـطت قبته الكبيرة ومئذنته.
- الحملة الفرنسية (1798 - 1801 م) هـ ـدم الفرنسيون أجزاء منه وحولوه إلى قلعة عسكـ ـرية سُميت قلعة سولكوفسكي، ونصبوا المـ ـدافع فوق أسواره، وجعلوا من بقـ ـايا مئذنته برجاً دفاعياً.
- عصر محمد علي باشا: تحول الصحن والظلات إلى مصنع للصابون والمخبز العسكـ ـري، واقتُطـ ـعت بعض أعمدته الرخامية وأحجاره لبناء رواق الشراقوة بالجامع الأزهر.
- الحتلال البريطاني (1882 م) انتـ ـهك حرمة المكان بتحويله إلى مخزن للمؤن ثم إلى مذبـ ـح للماشية، ولهذا السبب عُرفت المنطقة لسنوات طويلة بين العامة باسم مذبـ ـح الإنجليز.
● المسجد في أرشيف "كريزويل" المصور
يُعد البروفيسور البريطاني كيفل أرشيبالد كريزويل، رائد دراسة العمارة الإسلامية، أول من وثق هذا الجامع بدقة شديدة في النصف الأول من القرن العشرين.
- قبل الترميم تُظهر صور أرشيف كريزويل الجامع وهو عبارة عن جدران خارجية شبه خـ ـاوية، خالية من الأروقة والأسقف، والصحن تحول إلى حديقة أو أرض فضاء مهـ ـملة، والمداخل التذكارية متـ ـآكلة ومطـ ـمورة جزئياً تحت تلال الأتربة.
- الأهمية العلمية للأرشيف
اعتمدت لجان الآثار المصرية والبعثات اللاحقة على صور ورسومات كريزويل الهندسية كمرجعية أساسية لمعرفة التفاصيل الدقيقة للزخارف والأطباق النجمية والمقربصات وشكل النوافذ الجصية قبل أن تنـ ـدثر، مما مكن المرممين من إعادة محاكاتها بدقة.
● من الإهمال التاريخي إلى الإحياء
بدأت محاولات الإنقاذ الأولى عام 1918 م عبر لجنة حفظ الآثار العربية التي استردت الجامع وأوقفت التعديات عليه وتركت الصحن كحديقة عامة (حديقة الظاهر)، ثم خضع الجامع لعدة مشروعات ترميم متعـ ـثرة لعقود طويلة بسبب مشـ ـاكل المياه الجوفية وتمويل المشروع.
● الترميم الشامل والافتتاح الحديث:
في يونيو 2023، تم رسمياً افتتاح جامع الظاهر بيبرس بعد الانتهاء من أضخم مشروع ترميم وإعادة إعمار في تاريخه الحديث، بالتعاون بين وزارة السياحة والآثار المصرية، والأزهر الشريف، وبتنسيق ودعم مشترك مع الجانب الكازاخستاني.
- شمل الترميم:
تقوية الجدران وحقنها وتدعيم الأساسات.
معالجة مشـ ـكلة المياه الجوفية التي كانت تـ ـؤرق الأثر.
إعادة بناء الأروقة المتهـ ـدمة والأسقف الخشبية بنفس الطراز المملوكي القديم.
ترميم العناصر الزخرفية والجصية والرخامية بدقة بالغة اعتماداً على الصور التوثيقية القديمة، لتعود الصلاة والشعائر إلى المسجد بعد انقطـ ـاع دام لأكثر من 200 عام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق