إبراهيم النبراوي .. بائع البطيخ الذي أصبح طبيب محمد علي باشا الخاص !!!
يقولون ان من رحم الفقر يولد الرجال وقصتنا اليوم خير دليل على تلك المقولة المأثورة ..
إبراهيم باشا النبراوي من بائع بطيخ إلى احد أعظم نوابغ الطب الذين جادت بهم مصر طوال تاريخها، وهو من أوائل الذين اشتغلوا بالطب في عهد محمد علي باشا ومن أوائل الأطباء المصريين الذين امتهنوا تدريس الطب بعدما تم اختياره ليكون ضمن أول بعثة علمية يرسلها محمد علي باشا إلى باريس لدراسة العلوم الطبية والجراحة ونتيجة لنبوغه وتفوقه ، عرفه محمد علي باشا واختاره طبيبا خاصا له ..
ولد إبراهيم باشا النبراوي في نبروه في أسرة فقيرة ، وكان إبراهيم صبيا يعمل إلى جانب أبويه الفقيرين في فلاحة الأرض ، حيث كانوا يمتلكون بضعة قراريط من الأرض يقومون بزراعتها بالخضراوات أو الفواكه، وقد أرسله والده للكُتّاب فتعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ولمّا زرع الأب أرضه بالبطيخ وأراد أن يذهب بالمحصول لعاصمة المديرية، مدينة طنطا لبيعه ، قرّر النبراوي أن يذهب بالمحصول للقاهرة وأقنع والده بأنّ تسويق المحصول هناك سيعود عليهم بالمال الوفير، فاستأجر جملًا وحمل على ظهره البطيخ وتوجه إلى القاهرة لعله يحقق ربحًا عاليا ، ولكن حدث ما لم يكن فى الحسبان، فبعد ان وصل الطفل الصغير إلى سوق الجمالية فى القاهرة ، وجد ان سعر البطيخ ينخفض فرأي أن ينتظر يوم او يومين ربما يرتفع السعر ولكن دون فائدة ، ومع مرور الوقت بدأت بضاعته تفسد فلم يجد أمامه سوى أن يبيع البطّيخ بأيّ ثمن وبخسارة فادحة ، فكان كل ما جمعه من مال لا يساوي ثمن البطيخ ، فشعر بالفشل، ورفض أن يعود إلى أبويه بعدما خيب أملهما، فأرسل إليهما حصيلة البيع وقرر أن يبقى في القاهرة ليشق طريقه ، لعل أن تعوضه الأيام عن خسارته ..
وذات يوم و أثناء سيره للبحث عن عمل ، ساقته قدمه لإحدى الحواري المجاورة للجامع الأزهر، فرأى شيخًا كبيرًا ذا لحية بيضاء يسير في تؤده ووقار ، ومن خلفه عدد كبير من الفتية المعمّمين يتبعونه في أدب جم ، فتتبّع النبراوي الموكب حتى وصل إلى الجامع الأزهر، وافتتن بمظهر الطلاب وهم يتجمعون حول العلماء والشيوخ ، فقرّر أن يلتحق بالأزهر لاستكمال دراسته و أن يصبح عالماً مرموقاً وأن يتعلم حتي يعود لقريته شيخاً للقرية يحترمه الجميع ويسـتطيع ان يعوض خسائر صفقة البطيخ ..
وفى الأزهر كان النبراوى متفوقًا فى دراسته يحوز على إعجاب شيوخه حيث كشف عن نبوغ فريد وقدرة على فهم وتلقي كافة العلوم الشرعية التي كان يتلاقها ، حتى رشحه أحدهم للقاء أعضاء لجنة من مدرسـة الطب جاءت لاختيار النوابغ من الازهـر ليكونوا نواة لمدرسة الطب التي أسسها كلوت بك بأمر من محمد علي ، وهكذا انتقل النبراوي من الأزهر إلى دراسة الطب، وأثبت كفاءة وتميز لافت ، رغم اختلاف المواد ورغم تلقيه علوم لم يكن يسمع بها من قبل وبلغات لم يتحدث بها أبدا، ونتيجة لذلك، اختاره كلوت بك ليكون ضمن أول بعثة علمية يرسلها محمد علي إلى باريس لإتمام دراستها عام 1832..
وفى فرنسا أثبت الشاب إبراهيم النبراوى تفوقًا ونبوغًا فى دراسة الطب والجراحة، وحينما عاد إلى مصر بعد 4 سنوات من الدراسة الشاقة، أصبح مدرسًا بمدرسة الطب، وذاع صيته بين المصريين كطبيب وجراح ماهر، وانتشر ذكره وباتت العائلات الكبيرة والأمراء لا يتلقون العلاج إلا على يديه، وظل يترقى في المناصب حتى أصبح وكيلا لكلية الطب خلفا لكلوت بك، ونال رتبة الباشاوية ..
وفي باريس، التقى النبراوي بفتاة فرنسية جميلة، أصبحت بعد ذلك زوجته وأم أولاده وظلّ وفيًا لها حتى وفاتها ، وبعد وفاة زوجته تزوّج من فتاة أنعمت عليه بها الوالدة باشا والدة عباس الأول، وسافر مع الوالدة باشا لأداء فريضة الحجّ ، ليشرف على صحتها وصحة من معها من الحجاج ..
رُزق ابراهيم باشا النبراوي من زوجته الفرنسية بولدين، أحدهما يوسف باشا النبراوي، الذي عمل ضابطًا بالجيش المصري، كما تولّى رئاسة إحدى المحاكم، أمّا الابن الثاني فهو خليل النبراوي الذي اختار أن يكون طبيبًا مثل أبيه، وهو والد قائدة الحركة النسائية في مصر آنذاك "سيزا نبراوي" سكرتيرة الاتّحاد النسائي ..
ويصفه علي باشا مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" بأنه : "أنجب من اشتهر في الجراحة وأنه ذو إقدام على ما لم يقدم عليه غيره، وأنه أجرى عمليات جراحية فريدة لم يسبقه إليها أحد" ..
ومن مؤلّفات إبراهيم باشا النبراوي ، كتاب الأربطة الجراحية وطبع عام 1838م ، كما تَرجم بعض مؤلّفات كلوت بك من الفرنسية إلى العربية : نبذة في الفلسفة الطبيعية، ونبذة في أصول الطبيعة والتشريح العام، وطُبِعا عام 1837م ..
وهكذا بات إبراهيم باشا النبراوي متربعا على عرش الطب في مصر ، إلى أن لاقى ربه عام 1862م بعد سيرة تستحق الاحترام و التقدير ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق