شهدت مصر خلال المائة عام الماضية تغيرات اجتماعية وتكنولوجية عميقة، أدت إلى اندثار العديد من الحرف والمهن التي كانت تمثل ملامح أساسية للحياة اليومية. هذه المهن، التي توارثتها الأجيال، اختفت تدريجياً لتحل محلها وسائل حديثة، ولم يعد لها وجود إلا في ذاكرة الكبار وكتب التاريخ.
في السطور التالية، نستعرض أبرز هذه المهن المصرية المنقرضة:
· السقا: من أشهر المهن المصرية القديمة، وكان مسؤولاً عن توصيل المياه العذبة من الخزانات إلى المنازل والمساجد وحارات المدن. كان يحمل "القِربة" المصنوعة من جلد الماعز على ظهره أو يستخدم عربة "الكارو". بدأت المهنة في الاختفاء تدريجياً منذ عام 1865 مع إنشاء شركة المياه وشبكات الأنابيب التي أوصلت المياه النظيفة إلى المنازل .
· الداية: كانت بمثابة طبيبة النساء والتوليد في الأرياف والأحياء الشعبية. كانت تزور النساء في بيوتهن للإشراف على الولادة أو الكشف عن الحمل. اندثرت المهنة مع انتشار التعليم الجامعي للنساء وتفضيل الولادة في المستشفيات تحت إشراف طبي متخصص .
· المشعلجي: كان مسؤولاً عن إشاعة أعمدة الإنارة التي كانت تعمل بالزيت والجاز في الشوارع ليلاً، وإطفائها في الصباح. كانت هذه المهنة منتشرة قبل نحو 200 عام، واختفت تماماً مع وصول الكهرباء وإنارة الشوارع بالمصابيح الكهربائية .
· القرداتي: كان يجوب الشوارع والحواري مع قرده المدرب لأداء الحركات البهلوانية والاستعراضات مثل "عجين الفلاحة"، لجذب انتباه المارة وجمع النقود. تعتبر من أوائل المهن التي انقرضت في مصر مع تغير ثقافة الترفيه واهتمام الناس بوسائل أحدث .
· سمكري وابور الجاز (البوابير): كان "وابور الجاز" الأداة الأساسية للطهي في كل بيت مصري قبل انتشار البوتاجازات. كان السمكري هو الحرفي المختص بإصلاح هذه البوابير وصيانتها. انتهت هذه المهنة مع ظهور البوتاجازات الحديثة التي تعد أكثر أماناً وانتشاراً .
· الخاطبة: كانت سيدة في المناطق الشعبية تعمل كوسيط زواج تقليدي. كانت تحتفظ بصور الفتيات الراغبات في الزواج وتعرضهن على الشباب الباحثين عن عروس، في زمن لم تكن الفتيات تذهب فيه إلى المدارس أو الجامعات بكثرة. تراجعت المهنة بشكل كبير مع تطور التعليم وانفتاح المجتمع .
· الطرابيشي: صانع وقبعة "الطربوش"، الذي كان قطعة أساسية في الملابس الرسمية للرجال ورمزاً للوجاهة الاجتماعية حتى منتصف القرن العشرين. كان يصنع من الورق المقوى والقماش الأحمر. اختفى الطربوش من الحياة المصرية منذ أكثر من 60 عاماً، خاصة بعد ثورة 1952، ومعه اختفت مهنة صناعته .
· مبيض النحاس: كان يقوم بتلميع الأواني النحاسية وإزالة الطبقة الخضراء (الجنزار) عنها باستخدام الرماد الأحمر وماء النار، ليعود لها بريقها. تراجعت هذه المهنة مع انتشار الأواني المصنوعة من الألومنيوم والفخار والمواد الحديثة الأخرى .
· عازف البيانولا (صندوق الدنيا): كان يجوب الشوارع حاملاً صندوقاً خشبياً كبيراً به عدسة مكبرة وأسطوانات مصورة تحكي قصصاً تراثية (مثل عنترة)، إلى جانب موسيقى تصدر منه عند إدارة ذراع تشغيل. كان الأطفال يتجمعون حوله لمشاهدة "صندوق الدنيا" مقابل قرش بسيط. انقرضت هذه المهنة من مصر منذ زمن طويل .
· الوزان (القبانجي): كان مسؤولاً عن وزن البضائع والمواد الغذائية (كالتمور والحبوب) التي تباع بالجملة، باستخدام موازين ضخمة وقبان. اختفت هذه المهنة مع دخول أجهزة القياس الإلكترونية الحديثة .
هذه المهن، رغم اندثارها، تمثل جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي والاجتماعي لمصر، وتعكس صورة حية لطبيعة الحياة والاحتياجات اليومية للمصريين في زمن مضى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق