الأربعاء، 29 أبريل 2026

 



قبر مضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه في اسطنبول.

قال ابن عبدربه القرطبي الأندلسي:
ثقل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فأتاه يزيد بن معاوية عائدا، فقال: ما حاجتك أبا أيوب؟
فقال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها، ولكن قدّمني ما استطعت في بلاد العدو، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: "يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح" أرجو أن أكون هو.
فلما مات أبو أيوب أمر يزيد بن معاوية بتكفينه، وحمل على سريره، ثم أخرج الكتائب، فجعل قيصر يرى سريرا يحمل، والناس يقتتلون، فأرسل إلى يزيد: ما هذا الذي أرى؟
قال: صاحب نبينا ﷺ، وقد سأَلَنَا أن نقدمه في بلادك، ونحن منفذون وصيته أو تلحق أرواحنا بالله.
فأرسل إليه: العجب كل العجب! كيف يُدهّي - يصفونه بالدهاء - الناس أباك وهو يرسلك فتعمد إلى صاحب نبيك فتدفنه في بلادنا، فإذا ولّيت أخرجناه إلى الكلاب؟
فقال يزيد: إني والله ما أردت أن أودعه بلادكم حتى أودع كلامي آذانكم، فإنك كافر بالذي أكرمت هذا له، ولئن بلغني أنه نبش من قبره أو مثّل به لا تركت بأرض العرب نصرانيا إلا قتلته، ولا كنيسة إلا هدمتها! فبعث إليه قيصر: أبوك كان أعلم بك، فوحقّ المسيح لأحفظنّه بيدي سنة.
قال ابن عبد ربه: فلقد بلغني أنه بنى على قبره قبّة يسرج فيها إلى اليوم.
قال مجاهد: كانوا إذا أمحلوا - أي الروم - كشفوا عن قبره فمطروا.
قال الإمام مالك: بلغني عن قبر أبي أيوب أن الروم يستصحون به ويستسقون.
قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ودفن عند القسطنطينية وقبره هنالك يستسقى به الروم إذا قحطوا، ويتعاهدونه ويرمُّونه.
وذكر الخطيب البغدادي أن شيخا من أهل فلسطين رأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية، فسأل عنها فقيل له هذا قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فأتى قبره وعليه قنديل معلق بسلسلة.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا لأبي أيوب رضي الله عنه لما بات يحرسه فقال ﷺ: "حرسك الله يا أبا أيوب كما بت تحرس نبيه"، قال العلامة العجلوني: "فهم يحرسونه - أي قبره - إلى أن افتتحها أهل الإسلام - أي القسطنطينية - وذلك بدعائه عليه السلام له بالحراسة".
وقد دعا له النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "لا يكن بك السوء يا أبا أيوب".
وقبل فتح القسطنطينية وأثناء الحصار، كان الشيخ آق شمس الدين بن حمزة الدمشقي البكري شيخ السلطان محمد الفاتح، وهو الفاتح المعنوي للقسطنطينية، يرافق الجيش، وقام بدلالة السلطان محمد الفاتح على موضع قبر أبي أيوب رضي الله عنه، وكان قد اندثر إلا بقية من أثر مما كان مبنيا عليه، فأمر بالحفر فوجدوا القبر عليه شاهد مكتوب عليه اسم أبي أيوب رضي الله عنه، ثم قام الشيخ آق شمس الدين بزراعة شجرتين كبيرتين ما زالتا إلى اليوم تعليما لموضع القبر.
وبعد فتح القسطنطينية بخمس سنوات بني بأمر السلطان محمد الفاتح أول مسجد بجوار قبر أبي أيوب رضي الله عنه، وهو الذي يسمى اليوم عند الأتراك "جامع سلطان أيوب" وأضافوا لفظة سلطان احترامًا له رضي الله عنه، وأوقف عليه الفاتح أوقافاً.
ثم أعاد بناء المسجد السلطان سليم الثالث، وبنى على قبر أبي أيوب مبنى بجوار المسجد مستقلا عنه تفصل بينهما ساحة فيها الشجرتان اللتان زرعهما الشيخ شمس الدين رحمه الله، وسبيل ماء، ولوحة فيها التعريف به رضي الله عنه.
وتواتر السلاطين على العناية به، وبلغ من تعظيمهم للمحل وصاحبه أن يقلد السلطان الجديد السلطنة فيه، وتجرى عليه رسوم السلطنة فيه.
وقد كتب على واجهة المبنى من الخارج قصيدة بالعربية لشيخ الإسلام في الدولة العثمانية في زمن السلطان عثمان الثاني الشيخ خوجه زاده أسعد أفندي يقول فيها:
أكرم أبا أيوب عبدك خالدا
يا رب في جنات خلدك خالدا
الله شرف قـــــــدره فأناخ في
مأواه راحلة النبي المفتدى
ثم ذكر قصة نزول النبي ﷺ في ضيافته سبعة أشهر، حتى بنى المسجد والحجرات الشريفة.
وصار الأتراك يطلقون عليه: "مهماندار رسول" بمعنى مضيف الرسول ﷺ.
وهنا أقف أمام قبره رضي الله عنه وقفة تأمل في تلك الحياة المباركة التي امتدت ثمانية عقود.
إذ ولد في يثرب قبل البعثة، في دار بناها تبع وهو مار بالمدينة تحسبا لمقدم رسول آخر الزمان عليه الصلاة والسلام كما يجد في الزبور.
ونشأ في تلك الدار على دين قومه لا يعلمون الكتاب ولا الإيمان.
وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت الدعوة قومه أدركته عناية الله تعالى فكان من المسارعين للإسلام، فشهد بيعة العقبة في منى في مكة المكرمة.
ثم ما لبث أن هاجر سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فكان أبو أيوب رضي الله عنه أحد مستقبليه.
ثم اختصه رسول الله عليه الصلاة السلام بالنزول في داره سبعة أشهر كاملة، حتى بنى مسجده وحجراته ﷺ.
ومنذ ذلك الحين دخل أبو أيوب رضي الله عنه التاريخ، ولا يسمع به مؤمن إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة إلا ويغبطه على تلك الكرامة التي حظي بها بإضافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار أبو أيوب ضيفا عزيزا في وجدان كل مسلم إلى أن تقوم الساعة.
ويشهد بعدها أبو أيوب رضي الله عنه كل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تمضي السنون فيدعو داعي الجهاد لفتح القسطنطينية، فيجيب أبو أيوب رضي الله عنه الداعي، مع أنه إذ ذاك قد جاوز الثمانين من عمره ولكنه كان يقول: قال الله: "انفروا خفافا وثقالا" ولا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا.
وعند أسوار عاصمة إمبراطورية الروم أدركه الأجل فقال: إذا مت فكفنونى ثم اركبوا بي وسيروا في أرض العدو، حتى إذا لم تجدوا مساغاً فادفنوني.
فكان قبره هنا قرب أسوار القسطنطينية، فالسلام على سيدنا أبي أيوب ورحمة الله وبركاته ورضي الله عنه وأرضاه وجزاه الله خير الجزاء وأكمله وأتمه وأوفاه.
يا كريما ضاف خير الرسل يا طبت وطابوا
ناخت القصواء في رحبك يا نعم الرحابُ
إنما جئنـاك تحدونا بطـولات عجـــــــابُ
ذكريات في فم الدنيا هي المسك المذابُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق