الاثنين، 9 فبراير 2026

 كتب الأستاذ فتحي محمد علي حفظه الله تعالى:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"بسم الله الرحمن الرحيم"
كل عام وحضراتكم بخير.
كان مفروضا أن أستمر في نشر تعريف موجز لكل مقرئ قراءة قرآنية وذكر رواته وأبرز ماأثر عنه من قراءة؛وذلك لحرصي على نشر هذا التراث العظيم من ناحية،ولما استشعرته من إعجاب الجميع بهذا التراث العظيم من ناحية أخرى؛غير أنني أرجأت الاستمرار في ذلك الأمر إلى الجمعة القادمة_إن شاء الله_لحلول ذكرى تلك المناسبة الجليلة ألا وهي مناسبة"الإسراء والمعراج".
ونظرا لتناول عديدين لمسار تلك الرحلة الربانية الجليلة؛فلن أتناولها بطريقة تتبعية؛إنما سأقف عند بعض من مناقب تلك الرحلة.
▪︎ناهيك عن موقف أولئك الذين عرفوا بمشاربهم الخبيثة تجاه كل عظيم في ديننا الحنيف؛فإن هناك علماء أجلاء توقفوا عند وصفها بالمعجزة متذرعين بوصف علماء الكلام لمفهوم المعجزة وأنها:"أمر معجز يجريه الله على يد رسول بهدف التحدي"؛فأخذا منهم بظاهر التعريف رأيناهم لايحبذون إطلاق مصطلح"معجزة"عليها؛وأنها إنما كانت حدثا جللا؛والحقيقة أن ذلك المسلك به تجن؛حيث إنه مجرد أخذ بالظاهر؛وأي ظاهر؟!؛إنه ظاهر لتعريف بشري؛ففضلا عن أنه:"لامشاحة في المصطلح"_كما يقول المناطقة_؛فإن تلك الرحلة الربانية وإن لم تكن قد أجريت على يد رسولنا الكريم_صلى الله عليه وسلم_؛ولم يكن الهدف منها التحدي؛إنما كانت لإيناسه_صلى الله عليه وسلم_على أثر ماكان قد مورس عليه من أهل"الطائف"من صنوف الأذى؛ومن قبلها من مشركي"مكة"؛ناهيك عن"عام الحزن"؛إلا أنها رحلة تمخضت عن معجزات؛فهي لم تكن معجزة_فحسب_بل كانت معجزات.
▪︎وعن الفصل بين الرحلتين_مماترتب عليه وصف بعض الفرق الكلامية منكر الإسراء بالكفر،ووصف منكر المعراج بالفسق_أراهما رحلة واحدة حيث يستحيل الفصل بينهما؛لأن الإسراء كان تهيئة لنفس الرسول_صلى الله عليه وسلم_للصعود إلى السماء؛حيث التقى بعزوته الحقيقيين_وهم الأنبياء والرسل_لأنهم_كما بين المعصوم_صلى الله عليه وسلم_:"إنا_معاشر الأنبياء_إخوة لبني علات؛ديننا واحد والأمهات شتى"_وقد ورد الحديث بصيغ صحيحة شتى كلها يدور في هذا الفلك.
▪︎ويترتب على مفتتح سورة"الإسراء"وجل سورة"النجم"اللتين دارتا في فلك واحد؛فكان مناطهما وصفه_صلى الله عليه وسلم_ب"عبده"لما بهذا الوصف من خصوصية لم ينلها سواه_صلى الله عليه وسلم_ولما استتبعه من الإنعام الإلهي عليه بتلك المعجزة الجلل؛لأنه كان الأوحد الجدير بهذا الوصف مسندا للمولى_سبحانه_بضمير الغيبة؛حتى صار وكأنه علم عليه_صلى الله عليه وسلم_؛لذا كان جديرا بهذا الإنعام الإلهي.
▪︎ثم لماذا فرضت الصلاة في السماء_دون سائر العبادات؛لأنها أول مايحاسب عليه العبد؛وإنها عروج لرب العزة؛فهي من السماء وتصعد إلى السماء.
▪︎وعما إذا كان المعصوم_صلى الله عليه وسلم_رأى ربه في المعراج أم لا؛وجدنا الآراء تتباين وفق معتقد كل فرقة كلامية فمن منكر لأنه ينكر رؤية الله في الدنيا،ومن منكر لأنه ينكر رؤية الله عموما أخذا بظاهر الآية:"لاتدركه الأبصار"؛والحقيقة أن ذلك تجن على اللغة لأن الآية عبرت بالإدراك _أي بالإحاطة_؛وحاشاه_سبحانه_أن يحاط،كما تذرعوا بقوله تعالى لسيدنا"موسى"لن تراني"؛حيث تم تعليق الرؤية على مستحيل_وهو استقرار الجبل_؛لكن النظرة الشمولية أن هذا النفي كان متعلقا بسيدنا"موسى"في الدنيا؛أما في الآخرة؛فإن الآيات القرآنية_بعيدا عن التأويلات المتكلفة_،وكذا السنة الصحيحة بينت أن أهل الجنة سينعم المولى_سبحانه_عليهم برؤيته_بكيفية سيهيؤون بها في الآخرة؛وأن تلك الأحاديث التي يبدو للسطحيين التعارض فيها بين رؤيته_صلى الله عليه وسلم_ربه في المعراج،وبين عدم رؤيته؛إنما يراد بها أنه_صلى الله عليه وسلم_رآه بكيفية هيأه الله بها؛لكنه_سبحانه؛حاشاه_أن يحاط؛حيث يستحيل أن يحيط مخلوق محدود بإله غير محدود؛وعلى أثر ذكر سيدنا"موسى"فهناك تساؤل؛ألا وهو:"لمَ كان طلب مراجعة رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ربه بشأن تخفيف الصلاة من قبل سيدنا"موسى"_عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام_على وجه التحديد؛بينما كان سيدنا"عيسى"_عليه وعلى أمه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام_أقرب في الزمن إلى رسول الله من سيدنا"موسى"؛وقد عده نبينا ألصق الأنبياء به؟!
إن العلة الظاهرة_كما بينها سيدنا"موسى"أنه يخشى أن يكون الأمر ثقيلا علينا_أمة محمد_صلى الله عليه وسلم_؛فلاننصاع_كما كان من"بني إسرائيل"_،والحقيقة أن هناك علة باطنة أشار إليها بعض العارفين؛ألا وهي أن سيدنا"موسى"لأنه حُرم رؤية الله فقد حرص على ألا يُحرم رؤية من رآه؛فقد كان في كل مرة يراجع فيها رسول الله يتحين التماس أثر نور الله على وجه رسول الله؛هذا والله أعلى وأعلم،وهو وحده من وراء القصد،والهادي إلى سواء السبيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق