الأربعاء، 11 فبراير 2026

 من هزيمة الرملة إلى نصر حطين:

في أواخر خريف عام 1177م، تحت سماء الشام المتقلبة بين الدفء والرياح الباردة، انطلق **صلاح الدين الأيوبي** من القاهرة على رأس جيش يفوق العشرين ألف مقاتل، يحمل في قلبه حلمًا كبيرًا: توحيد صفوف المسلمين واستعادة الأرض المقدسة من أيدي الصليبيين.
خيّم أولاً في بلبيس، ثم تقدم جنوبًا نحو عسقلان، المدينة الصليبية المهمة. لم يجد مقاومة تُذكر في البداية؛ أسر بعض الأعداء فأمر بإعدامهم، وسرعان ما تفرق جنوده في القرى المجاورة يجمعون الغنائم، يظنون أن النصر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى. كان الجيش مشتتًا، الجنود متناثرين في كل اتجاه، يلهثون وراء المزيد من الغنيمة، بينما تقدم صلاح الدين بمجموعة صغيرة من أمرائه نحو الرملة، المدينة الكبيرة القريبة من الساحل.
فجأة، وقف نهر تل الصافية في طريقهم. توقف الجميع يبحثون عن ممر آمن للعبور، يتفرقون هنا وهناك دون نظام أو حذر كافٍ. في تلك اللحظة الحاسمة، انقض عليهم **بلدوين الرابع**، الملك الشاب البالغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، الذي ينهش الجذام جسده كان يقود جيشه بحزم، يسانده الأمير **رينالد دي شاتيون** (أرناط) وفرسان المعبد والإسبتارية. كان الصليبيون قد راقبوا تحركات المسلمين من بعيد، فاختاروا اللحظة المثالية للهجوم المباغت.
اندلعت المعركة شرسة على أرض **تل الجزر** (أو مونتجيسارد) قرب الرملة. لم يكن مع صلاح الدين إلا عدد قليل من المخلصين، بينما كان معظم جيشه مبعثرًا في الغنائم. حاول الجنود إعادة تنظيم صفوفهم بسرعة؛ اقترح بعضهم نقل الميمنة إلى جهة الميسرة والميسرة إلى القلب، ليصبح التل خلف ظهورهم بدلاً من أمامهم. لكن بينما كانوا منشغلين بهذا التعديل السريع، هجم الصليبيون كالإعصار، مستغلين الفوضى والتشتت.
اشتد القتال، وسقط الشهداء . برز **تقي الدين عمر**، ابن أخي صلاح الدين، وابنه **أحمد** في الصفوف الأمامية، يقاتلان ببسالة منقطعة النظير، يصدان الهجمات ويوقعان بالأعداء. لكن الصليبيون كانوا أكثر تنظيمًا وسرعة في تلك اللحظة الفارقة. تكبد المسلمون خسائر فادحة، واضطر صلاح الدين نفسه إلى الانسحاب مع نفر قليل، يمتطي جملاً سريعًا يشق الصحراء عائدًا إلى مصر، تاركًا خلفه أرضًا مغمورة بدماء الرجال وأحلامًا مؤجلة.
كانت الهزيمة قاسية، مؤلمة، ومُرّة، لكنها لم تكن نهاية الطريق. بل كانت درسًا عميقًا لا يُنسى في أهمية اليقظة الدائمة، والانضباط العسكري، والحذر من الغرور بالغنائم، والحفاظ على وحدة الصف. تعلم صلاح الدين منها ألا يستهين بالعدو مهما بدا ضعيفًا، وأن يجمع قواه ويوحد جبهته قبل أي مواجهة حاسمة.
وبعد أقل من عشر سنوات، في صيف عام 1187م، عاد صلاح الدين بجيش موحد، منظم، مشبع بالإيمان والعزم. هناك، في سهل **حطين** يوم الرابع من يوليو، حقق النصر التاريخي العظيم الذي قلب موازين القوى، أسقط مملكة القدس الصليبية، وحرر معظم الأراضي المحتلة.
من هزيمة الرملة إلى انتصار حطين، سطّر التاريخ قصة قائد عظيم يتعلم من أخطائه، يصقل إرادته، ويجمع شتات أمته. فالنصر الحقيقي لا يأتي مصادفة، بل هو ثمرة نية صادقة، ووحدة حقيقية، وعمل دؤوب، وتوكل على الله بعيدًا عن الغرور والتكبر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق