الأربعاء، 11 فبراير 2026

 ِإِيلَافِ قُرَيْشٍ… حين صُنِع الأمان قبل أن تُعرَف القوة

لم تكن مكة مدينةً تُغري بالبقاء.
وادٍ ضيّق، قاسٍ، لا زرع فيه ولا ماء،
ولا سبب ظاهر يجعل القوافل تتوقف عنده،
ولا ما يفسّر كيف صار مركزًا للحركة في جزيرةٍ تعيش على القلق.
لكن في هذا الوادي قام بيت.
والبيت، حين اختاره الله،
لا يكون مجرد بناء…
بل نقطة أمان في أرض الخوف.
قريش لم تكن قبيلةً ذات بأسٍ عسكري،
ولا دولةً تفرض هيبتها بالسلاح،
ومع ذلك كانت قوافلها تمضي في الطرق التي يخشاها غيرها،
تمرّ بين القبائل المتنازعة،
وتدخل الأسواق الكبرى،
وتعود محمّلة بالرزق،
دون أن تُمدّ إليها يد.
هذا هو الإيلاف.
ليس عقدًا مكتوبًا،
ولا تحالفًا سياسيًا،
بل حالةٌ من الألفة صنعها الله في القلوب.
ألفة جعلت الناس يعرفون قريشًا،
فيأمنونهم،
ويتركون لهم الطريق.
كانوا يرتحلون شتاءً إلى اليمن،
حين يشتدّ البرد في الشام،
ويرتحلون صيفًا إلى الشام،
حين تلتهب أرض الجنوب.
رحلتان ثابتتان،
انتظامهما هو سرّ الحياة في مكة.
قال أهل التفسير:
ألفوا الرحلة،
فلما ألفوها، لم يشقّ عليهم شتاء ولا صيف.
صار السفر عادة،
وصار الرزق منتظمًا،
وصار الأمان أمرًا مألوفًا…
حتى كاد يُنسى أنه نعمة.
ثم وقع الحدث الذي كشف الحقيقة كلّها.
حين تقدّم أصحاب الفيل نحو البيت،
لم تكن قريش قادرة على الدفاع،
ولا على المقاومة،
ولا على المواجهة.
لكن البيت دافع عن نفسه،
وحُفظ،
وحُفظ معه كل ما ارتبط به.
لم تكن الحادثة مجرد نجاة من هلاك،
بل كانت تثبيتًا لمعادلة خفية:
إذا حُفظ البيت،
حُفظ الإيلاف،
وإذا بقي الإيلاف،
بقيت قريش.
ثم نزل الخطاب القرآني،
لا ليحكي قصةً اقتصادية،
ولا ليسرد تاريخ قوافل،
بل ليضع الجميع أمام سؤالٍ واحد،
سؤال لا يحتاج جوابًا طويلًا:
كيف تُعطَون هذا الأمان،
وهذا الرزق،
وهذه المكانة،
ثم تُصرفون العبادة لغير ربّ هذا البيت؟
جاءت السورة قصيرة،
لكنها ثقيلة المعنى.
بدأت بلامٍ ليست للتعليل،
ولا للربط،
بل للتعجّب:
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ…
كأن المعنى:
انظروا، وتأمّلوا،
واعجبوا لهذا الإيلاف،
كيف نشأ،
وكيف استمر،
وكيف صار سببًا للحياة.
ثم جاء الجواب واضحًا، لا يحتمل تأويلاً:
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ
الذي أطعمهم من جوع،
وآمنهم من خوف.
فالقصة، في جوهرها،
ليست قصة رحلة،
ولا تجارة،
ولا قوافل.
إنها قصة نعمة.
والنعمة، إن لم تُقابل بالاعتراف،
تتحوّل من تكريم
إلى حُجّة.
📚
المصدر: التفسير بالمأثور (الطبري: أقوال ابن عباس، مجاهد، قتادة، عكرمة، ابن زيد)
🕋
توثيق وسرد بصري: SHALBYالمدينة المنورة| تاريخ وأمجاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق