تعتبر معركة حمراء الأسد (3 هـ / 625 م) من المعارك المجهولة أو الأقل شهرة مقارنة بغيرها في التاريخ الإسلامي، رغم أهميتها الاستراتيجية الفائقة في استعادة هيبة المسلمين بعد غزوة أحد.
بعد أن غادر المسلمون ساحة أُحد، وهم يحملون جراحًا عميقة وقلوبًا مثقلة بحزن الشهداء، عادوا إلى المدينة المنورة في شوال من السنة الثالثة للهجرة. كان الرسول ﷺ نفسه مصابًا، ووجهه الشريف مشجوج، ورباعيته مكسورة، وحلقتا المغفر قد غرزتا في خده. ومع ذلك، لم يهنأ لهم بال، ولم يستسلموا للألم. في تلك الليلة، بات النبي ﷺ يفكر في أمر قريش. هل يعودون إلى مكة راضين بما أصابوا؟ أم يندمون على تركهم دون القضاء النهائي، فيجمعون قواهم ويزحفون نحو المدينة ليستأصلوا الدعوة من جذورها؟وصلت الأنباء سريعًا كالبرق: إن أبا سفيان ومن معه، في الروحاء، يتلاومون ويتشاورون. قال بعضهم: «ما صنعتم شيئًا! أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصلهم». وعارض صفوان بن أمية، محذرًا من تجمع المسلمين الذين تخلفوا، لكن الحقد غلب، فقرروا العودة.سمع النبي ﷺ الخبر، فأدرك أن الفرصة لا تُفوت. نادى في أصحابه صبيحة اليوم التالي، وأمر بلالاً أن يؤذن: «من شهد أحدًا فليخرج في طلب العدو، ولا يخرج معنا غيره». كان النداء اختبارًا للإيمان، فالمؤمنون الذين جُرحوا بالأمس هرعوا رغم آلامهم. منهم أسيد بن حضير الذي تحمل سبع جروح، وقال بصوت جهوري: «سمعًا وطاعة لله ولرسوله». وجاء جابر بن عبد الله يستأذن، فقد خلّفه أبوه على بناته، لكنه قال: «يا رسول الله، أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك»، فأذن له ﷺ.سار الجيش الصغير المجروح، لا يتجاوز عددهم المئات، يتقدمهم النبي ﷺ رغم جراحه، حتى بلغوا حمراء الأسد، على بعد ثمانية أميال أو نحوها من المدينة. هناك عسكروا، وأمر النبي ﷺ أصحابه بجمع الحطب في النهار، فإذا جاء الليل أوقدوا النيران. أشعلوا كل رجل نارًا خاصة به، حتى بلغت النيران أكثر من خمسمائة نار، تتلألأ في الظلام كأنها جيش عظيم لا يُحصى عدده، تراها من بعيد فترعب القلوب.في تلك الأثناء، لعب معبد بن أبي معبد الخزاعي دورًا حاسمًا. كان مشركًا بعدُ، لكن هوى خزاعة كان مع النبي ﷺ. التقى بأبي سفيان في الروحاء، فسأله: «ما وراءك يا معبد؟» فقال معبد بثقة: «محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط! جمع من تخلف عن أحد، وندموا أشد الندم، وهم الآن متعطشون للثأر، ونواصي الخيل تكاد تطلع من وراء الأكمة».ارتعد أبو سفيان، وتردد في نفسه الخوف. كان قد أجمع الرجعة ليستأصل المسلمين، لكنه قال: «والله لقد أجمعنا الكرّة عليهم»، فقال معبد: «لا تفعل، فإني لك ناصح». فثنى ذلك أبا سفيان، وعاد هو وجيشه إلى مكة مذعورين، تاركين وراءهم أحلامهم بالانتقام.أقام النبي ﷺ وأصحابه في حمراء الأسد ثلاثة أيام (أو أربعة في بعض الروايات)، يحرسون ويراقبون، حتى تأكد أن العدو قد انسحب نهائيًا. ثم عادوا إلى المدينة سالمين، وقد ارتفعت هاماتهم، واستعادوا هيبتهم، وغُسلت آثار أحد من القلوب.
فكانت حمراء الأسد ليست معركة دماء، بل انتصارًا نفسيًا وعقائديًا عظيمًا، أعاد للمسلمين شوكتهم، وأثبت أن الإيمان الحق لا يُوهنه جرح ولا يُثنيه ألم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق