الليلة التي كادت القاهرة أن تعود فاطمية
في عهد السلطان الظاهر بيبرس، ذلك الأسد الذي أعاد بناء دولة المماليك من رماد الفتن، هدأت العواصف ظاهرياً، لكن القاهرة – تلك المدينة التي لا تهدأ أبداً – كانت تخفي تحت هدوئها براكين خفية.
بعد انقراض الخلافة الفاطمية بأكثر من قرن، ظلت ذكراها تتردد في بعض الصدور كحلم بعيد، خاصة بين الشيعة وبعض أهل التقية والحنين. وفي تلك الأجواء، برز رجلٌ غامضٌ يُدعى الكوراني، قادمٌ من نيسابور في بلاد فارس، شيعيّ المذهب، يجمع بين الزهد الظاهر والدهاء العميق.
اختار الكوراني جبل المقطم مسكناً له، فاتخذ قبةً صغيرة، وأقام فيها حلقات ذكرٍ ووعظٍ، يرتدي ثوب التقشف، ويتكلم بلسان يجذب القلوب. سرعان ما تجمع حوله الناس: شيعةٌ من السودان والنوبة، وبعض أهل القاهرة الذين يحنّون إلى أيام الفاطميين، وحتى نفرٌ من المماليك الذين سئموا قبضة بيبرس الحديدية أو ضاقوا ببعض أمرائه.
خلف ستار التقوى، كان الكوراني ينسج شبكةً محكمة. خطته كانت جريئة ومحسوبة: في ليلةٍ مظلمة، يستولي أتباعه على أحياء رئيسية في القاهرة، ينهبون مخازن السلاح، يقتحمون الإسطبلات السلطانية، يستولون على الخيول والسيوف والدروع. ثم يقتحمون مقر السلطان نفسه، يقتلونه أو يأسرونه، ويعلنون سلطاناً فاطمياً جديداً يمثل عودة الخلافة المنشودة.
جاءت الليلة المرتقبة. تحت جنح الظلام، انطلق المتمردون كالذئاب الجائعة. سيطروا على شوارع بأكملها، واستولوا على كمياتٍ كبيرة من السلاح والخيل. للحظات، بدا أن النصر حليفهم، وأن عرش بيبرس يتزعزع.
لكن الظاهر بيبرس لم يكن يُفاجأ بسهولة. كانت عيونه وعيون جواسيسه في كل زاوية. ما إن وصلته الأنباء حتى تحرك بسرعة البرق. استنفر فرسانه المخلصين، وأحاط بالمتمردين في شوارع القاهرة كما يُحاصر الذئب في عرينه. اندلعت معركةٌ ليليةٌ ضارية، سالت فيها الدماء في الأزقة الضيقة، وسقط معظم أتباع الكوراني قتلى أو جرحى، وفرّ الباقون مذعورين إلى الصعيد وإلى الشام.
أُلقي القبض على الكوراني وكبار أعوانه، وسيقوا إلى سجن القلعة حيث ذاقوا أشد أنواع العذاب. ثم صدر الحكم السلطاني الحاسم: صلب الكوراني على باب زويلة، أحد أبرز أبواب القاهرة وأكثرها ازدحاماً. ظل جثمانه معلقاً أياماً طويلة، عبرةً لكل من تسول له نفسه العبث باستقرار الدولة أو إحياء أحلامٍ انطفأت منذ زمن.
وهكذا خمدت آخر شرارةٍ حقيقيةٍ لأملٍ فاطميٍ في العودة إلى الحكم. بقيت بعض الجماعات – كالبهرة وغيرهم – تحتفظ بالحنين في قرارة أنفسهم، لكنه حنينٌ لم يعد يتجاوز حدود السرّ والدعاء الخفي.
ثبتت أركان دولة المماليك في وجه كل ريحٍ عاتية، وأثبت السلطان الظاهر بيبرس أن من يملك الدهاء والقوة معاً، يستطيع أن يحول حتى أشد المؤامرات إلى درسٍ تتعلمه الأجيال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق