في عز الظهر، الساعة واحدة، يوم 20 فبراير سنة 1910.. وأمام وزارة الحقانية "وزارة العدل حالياً"، الدنيا اتقلبت! الشاب إبراهيم الورداني، اللي كان لسه متخرج وراجع من بره، واقف ومستني رئيس الوزراء "بطرس باشا غالي". وأول ما شافه، أنهى حياته بـ 6 رصـ.ـاصـ.ـات، استقرت منهم رصـ.ـاصـ.ـتين في رقبته!
لما قبضوا عليه، الورداني متهزشتش منه شعره ولا ندم، وبكل ثقة قال إنه عمل كده لإن رئيس الوزراء في نظره "خاين للوطن".
طب ليه الشارع والوطنيين وقتها كانوا شايلين من بطرس غالي؟
المصريين كانوا غضبانين جداً لـ 4 أسباب رئيسية:
وقع على اتفاقية الحكم الثنائي للسودان سنة 1899.
وقف في صف الإنجليز ضد الفلاحين الغلابة في حادثة "محكمة دنشواي" الشهيرة.
رجّع قانون المطبوعات عشان يكمم بق الصحافة ومحدش يتكلم.
والطامة الكبرى.. كان عايز يمد امتياز قناة السويس 40 سنة زيادة (يعني بدل ما تخلص 1968، تفضل في إيد الأجانب لحد 2008!).
مين بقى إبراهيم الورداني ده؟
دا مكنش شاب عادي.. دا كان صيدلي، درس في سويسرا وسافر إنجلترا أخد شهادة في الكيمياء، ورجع مصر عضو في الحزب الوطني ومرتبط بجمعية "مصر الفتاة". شاب مثقف، وساب مستقبله كله عشان قضية بلده.
وقفت مصر كلها ورا الورداني.. لدرجة إن في سابقة تاريخية، المحكمة (اللي كان بيرأسها قاضي إنجليزي اسمه دلبر وجلي) أصدرت ضده أقصى عقوبة، ورغم إن مفتي الديار المصرية رفض وقتها يوافق على القرار، إلا إن المحكمة ضربت برأيه عرض الحائط لأول مرة في التاريخ وأصرت على موقفها!
المصريين محبوش حد زي ما حبوا الورداني، وبقى اسمه في الشوارع "غزال البر".. والناس كانت بتهتف بحماس في المظاهرات: "تسلم إيدك يا ورداني..".
وفي الليلة دي، الشوارع اتملت بالدموع، وطلعت من قلب الوجع المصري أغنية هزت المحروسة:
"قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. لأحسن غزال البر صابح ماشي"
الأغنية دي عاشت معانا، وفي سنة 1921 لما الإنجليز نفوا سعد زغلول لجزيرة سيشل، المصريين غنوها تاني وبقت (لأحسن رئيس الوفد صابح ماشي).. لحد ما في سنة 1966، الشاعر مجدي نجيب عدل كلماتها، ولحنها العبقري بليغ حمدي، وغنتها شادية بصوتها اللي كله شجن (لأحسن حبيب القلب صابح ماشي)، بس الأصل كان لإبراهيم الورداني!
رغم إن قنصليات وسفارات كتير في الإسكندرية قدمت طلبات للعفو، والناس جمعت آلاف التوقيعات، تم تنفيذ القرار الصعب يوم 28 يونيو 1910.. وطلعت السلطات وقتها قرار غريب بيمنع أي مصري إنه يحتفظ بصورة الورداني في بيته!
لكن الصور يمكن اتمنعت، بس سيرته فضلت محفورة في تاريخ الحركة الوطنية..
رحم الله إبراهيم الورداني.. "غزال البر" اللي عاش ومـ.ـات عشان قضية بلده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق