إنه عمر ريوئيتشي ميتا (الحاج عمر ميتا)، من أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيراً في شرق قارة آسيا، من أبرز رواد الإسلام في اليابان خلال القرن العشرين، ومن أكثر الشخصيات التي أسهمت في التعريف بالإسلام والقرآن الكريم لدى الشعب الياباني.
وُلد عمر ميتا في 19 ديسمبر 1892 بمدينة تشوفو في محافظة ياماغوتشي اليابانية، ونشأ في أسرة بوذية عريقة تنحدر من طبقة الساموراي. وتخرج في الكلية التجارية بجامعة ياماغوتشي عام 1916. وبعد تخرجه عانى بعض المشكلات الصحية التي دفعته إلى السفر إلى الصين طلبًا للعلاج، وهناك بدأت نقطة التحول الكبرى في حياته؛ إذ تعرّف إلى المسلمين الصينيين واحتك بهم عن قرب، وأُعجب بأخلاقهم وأسلوب حياتهم وروح التعاون والتكافل السائدة بينهم، فبدأ اهتمامه بالإسلام يزداد شيئًا فشيئًا.
وفي عام 1920 كتب مقالًا بعنوان «الإسلام في الصين» نُشر في إحدى المجلات اليابانية، عبّر فيه عن إعجابه بالحضارة الإسلامية وتأثره بالمسلمين الذين عاش بينهم. كما تعرّف لاحقًا إلى الحاج عمر ياماوكا، أول ياباني أدى فريضة الحج، والذي كان يجوب أنحاء اليابان داعيًا إلى الإسلام، فكان لهذا اللقاء أثر عميق في توجيه اهتمام ميتا نحو دراسة الإسلام بصورة أوسع.
وبعد سنوات طويلة من البحث والتأمل والدراسة التقى الشيخ "وانج ريلان" إمام مسجد نيوتشى في بكين؛ ليعلن عمر ميتا رسميًا اعتناقه الإسلام وعمره وقتها 49 عامًا ليصبح بعدها خادمًا لدين الله، واختار اسم «عمر» تيمنًا بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فتم تكليفه بمهمة مستشار المجلس الأعلى لاتحاد الجمعيات الإسلامية الصينية لما له من خبرات واسعة في شئون المسلمين الصينيين وعلاقاته الوثيقة معهم. ومنذ ذلك الحين كرّس حياته لخدمة الإسلام، فبدأ بتعلم اللغة العربية والانخراط في الأنشطة الإسلامية والثقافية والدعوية داخل اليابان.
وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح من أبرز الشخصيات الإسلامية في اليابان، وشارك في دعم المؤسسات الإسلامية الناشئة، ثم انتُخب رئيسًا لجمعية مسلمي اليابان عام 1960، حيث بذل جهودًا كبيرة في نشر الثقافة الإسلامية وتعريف اليابانيين بالإسلام من خلال المحاضرات والكتابات والأنشطة الثقافية.
كما ألّف عددًا من الكتب المهمة، من أبرزها «فهم الإسلام» و«مدخل إلى الإسلام»، وترجم إلى اليابانية كتاب «حياة الصحابة». كما سافر إلى باكستان عام 1957 لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وأدى فريضة الحج عام 1958، الأمر الذي عمّق صلته بالعالم الإسلامي وزاد من معرفته بمصادر الثقافة الإسلامية الأصيلة.
وكان أعظم إنجازاته بلا شك ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية. ورغم وجود ترجمات يابانية سابقة للقرآن الكريم، فإنها كانت جميعًا من إعداد مترجمين وباحثين غير مسلمين. فقد ظهرت أول ترجمة يابانية عام 1920 على يد ساكاموتو كينئيتشي اعتمادًا على ترجمة إنجليزية، ثم صدرت ترجمات أخرى لاحقة، منها ترجمة جماعية عام 1938، وترجمة جزئية لأوكوبو كوجي، ثم الترجمة المعروفة للمستشرق واللغوي الياباني توشيهيكو إيزوتسو التي أنجزها بين عامي 1951 و1958. غير أن جميع تلك الأعمال لم تكن صادرة عن مترجم مسلم، وهو ما منح مشروع عمر ميتا مكانة خاصة في تاريخ ترجمة القرآن الكريم إلى اليابانية.
وقد شرع عمر ميتا في ترجمة معاني القرآن الكريم عام 1960، وأمضى اثني عشر عامًا في العمل المتواصل بين الدراسة والمراجعة والتدقيق والاستفادة من التفاسير الإسلامية المعتمدة. وكان حريصًا على تقديم ترجمة دقيقة وواضحة تنقل المعاني القرآنية إلى القارئ الياباني بلغة سليمة ومفهومة، مع تجنب المصطلحات التي قد تحمل دلالات دينية بوذية أو فلسفية تؤدي إلى التباس المعنى. وقد اكتمل المشروع عام 1972 بعد مراجعات علمية متعددة، كما قامت رابطة العالم الإسلامي بمراجعة الترجمة قبل اعتمادها ونشرها.
وطُبعت الترجمة في مدينة هيروشيما بواسطة دار «تاكومي كوبو» للنشر، وسرعان ما أصبحت المرجع الإسلامي الأهم باللغة اليابانية، وأسهمت في تعريف آلاف اليابانيين بالإسلام، وظلت لعقود من أكثر الترجمات انتشارًا بين المسلمين والباحثين في اليابان. وقد امتازت هذه الترجمة بأنها لم تكن مجرد عمل لغوي، بل ثمرة تجربة إيمانية عميقة عاشها مترجمها على مدى عقود طويلة من البحث والتعلم وخدمة الإسلام.
وظل الحاج عمر ميتا يؤدي رسالته الدعوية والعلمية حتى رحيله في 29 مايو 1983، بعد حياة حافلة بالعطاء. ولا يزال يُذكر اليوم باعتباره أحد أهم الشخصيات الإسلامية في تاريخ اليابان الحديث، والرجل الذي أفنى سنوات عمره الأخيرة في إيصال معاني كتاب الله، فترك أثرًا علميًا ودعويًا خالدًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
✍️المصدر:
كتاب الاسلام في اليابان لـ صالح مهدي السامرائي ص226 إلى 232
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق