في عام 1863م..
وبعد أشهر قليلة من تولي إسماعيل باشا حكم ولاية مصر، وجّه دعوة رسمية إلى السلطان عبد العزيز لزيارة مصر، في خطوة حملت أبعادًا سياسية كبيرة، إذ أراد إسماعيل أن يؤكد ولاءه للسلطان، وفي الوقت نفسه يُظهر ما بلغته مصر من ازدهار وقوة وتنظيم في عهده. وقد قبل السلطان الدعوة، لتكون هذه الزيارة أول زيارة يقوم بها سلطان عثماني لمصر منذ دخولها تحت الحكم العثماني سنة 1517، أي بعد نحو ثلاثة قرون ونصف وبذلك يعتبر عبد العزيز ثاني سلطان عثماني يزور مصر بعد جده سليم الأول .
وقبل موعد السفر بأسابيع، بدأت الاستعدادات في الآستانة إسطنبول على أعلى مستوى. فقد جُهز الأسطول السلطاني بكامل هيبته، وأعيد تجهيز اليخت السلطاني «فيض جهاد»، وفُحصت السفن الحربية والمدافع، وأُعدت الغرف السلطانية داخل اليخت كما لو كانت قصرًا عائمًا، كما صدرت الأوامر إلى جميع الولايات الواقعة على الطريق البحري باستقبال السلطان بالتحية العسكرية عند طريق إطلاق المدافع عند مرور الأسطول.
وفي صباح الثالث من أبريل سنة 1863، غادر السلطان قصره بعد أن ودع والدته واستودعها، ثم خرج في موكب رسمي مهيب تقدمه فرسان الحرس السلطاني، وحملة الرايات، وفرقة الموسيقى العسكرية العثمانية (المهتر)، بينما اصطف كبار رجال الدولة والوزراء وقادة الجيش والبحرية على جانبي الطريق. وعندما وصل إلى الميناء، صعد إلى اليخت السلطاني، وكان يرافقه إبنه الأمير يوسف عز الدين وعدد من كبار رجال الدولة والوزراء ورجال المابين، بينما استقل الأمراء أبناء أخوه مراد وعبد الحميد ورشاد " الذين سيصبحون سلاطين لاحقا " فرقاطة أخرى، وتبعتهم سفن تحمل الضباط والحرس والخدم والأطباء والطهاة، حتى بدا الأسطول بأكمله مدينة عائمة تسير فوق البحر.
وما إن اعتلى السلطان ظهر اليخت حتى رُفع العلم السلطاني، وأطلقت المدافع تحية السلطان ، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام السلطاني، ثم تحرك الأسطول ببطء من ميناء الآستانة وسط آلاف المواطنين الذين احتشدوا على الشواطئ لتوديع سلطانهم. وكان سير الأسطول يخضع لنظام بروتوكولي صارم؛ فتقدمت سفن الاستطلاع، تلاها اليخت السلطاني، ثم سفن الأمراء، ثم سفن الحرس والمؤن، وأخيرًا السفن الحربية الثقيلة، ولم يكن يُسمح لأي سفينة بتجاوز اليخت السلطاني.
وعندما وصل الأسطول إلى مضيق الدردنيل، أطلقت الحصون الواقعة على جانبي المضيق " الجانب الأوروبي والأسيوي " مائةً وواحدة طلقة مدفعية من كل جانب، وهي أعلى تحية عسكرية كانت تُقدم للسلطان العثماني، في مشهد جسد هيبة الخلافة العثمانية. وخلال الرحلة كان السلطان يعقد اجتماعات قصيرة مع وزرائه، ويستقبل كبار رجال الدولة، ويؤدي الصلوات داخل المصلى الخاص باليخت، بينما كان أفراد الحاشية والبحارة يسيرون وفق نظام دقيق لا يخرج أحد عنه.
وفي صباح السابع من أبريل ظهرت منائر الإسكندرية وقصر رأس التين، بينما كانت المدينة قد تحولت إلى ساحة احتفال كبرى. فقد أمر إسماعيل باشا بتزيين الشوارع بالأعلام العثمانية ، ونُصبت أقواس النصر، وفرشت الميادين بالأقمشة والرايات، واصطف الجيش المصري بكامل تشكيلاته، كما حضر كبار العلماء والأعيان والقناصل الأوروبيون لاستقبال السلطان.
وما إن اقترب اليخت السلطاني من الميناء حتى دوّت المدافع من الحصون المصرية، وردت السفن الراسية في الميناء بإطلاق التحية، بينما عزفت الفرق الموسيقية السلام السلطاني، وامتلأ الخليج بالأعلام التي زينت السفن والمباني. وبعد رسو اليخت، نزل السلطان على رصيف خُصص له وفرش بالسجاد الفاخر، وكان إسماعيل باشا يقف بنفسه في انتظاره مرتديًا الزي الرسمي الكامل المرصع بالأوسمة والنياشين. تقدم إسماعيل وانحنى احترامًا وفق بروتوكول البلاط العثماني، ثم صافحه السلطان، وبعد ذلك بدأ تقديم باشاواته واحدًا تلو الآخر .
وعقب مراسم الاستقبال، مر السلطان أمام صفوف الجيش المصري الذي اصطف في عرض عسكري ضخم ضم المشاة والفرسان والمدفعية والبحرية، بينما كانت الموسيقى العسكرية تعزف السلام السلطاني . ثم استقل السلطان عربة ملكية مذهبة تجرها ستة خيول بيضاء، وأحاط بها فرسان الحرس المصري والعثماني وحملة الرايات والسيوف، في حين ركب الوالي إسماعيل باشا عربة أخرى خلف السلطان مباشرة، احترامًا لمقامه باعتباره صاحب السيادة.
وسار الموكب عبر شوارع الإسكندرية التي ازدانت بالأعلام والزهور والأقواس الاحتفالية، وخرج سكان المدينة بالآلاف لاستقبال السلطان، حتى وصل إلى قصر رأس التين الذي أعاد إسماعيل تأثيثه بالكامل، فاستورد له الأثاث الأوروبي الفاخر، وفرش أرضياته بالسجاد الإيراني، وزينه بالثريات الكريستالية، ليبدو في أبهى صورة أمام السلطان . وفي مساء ذلك اليوم أقام إسماعيل مأدبة رسمية كبرى حضرها السلطان والأمراء والوزراء والسفراء الأوروبيون، وتلتها احتفالات بالألعاب النارية والعروض الموسيقية التي استمرت حتى ساعات متأخرة من الليل.
وبعد أيام قليلة، توجه السلطان إلى القاهرة في قطار خاص أعده إسماعيل لهذه المناسبة، وكان من أفخم القطارات في ذلك العصر، حيث خُصصت عربة فاخرة للسلطان، وأخرى للأمراء، وثالثة للوزراء، وزُينت العربات بالمخمل الأحمر والزخارف الذهبية. وعند انطلاق القطار أطلقت المدافع تحية جديدة، وعزفت الموسيقى العسكرية، بينما احتشد الأهالي في كل محطة مر بها القطار، يرفعون الأعلام ويهتفون للسلطان، وكانت الوفود المحلية تستقبله في المدن والقرى على طول الطريق.
وعندما وصل القطار إلى القاهرة، كانت العاصمة قد ارتدت ثوب العيد؛ فقد زُينت الشوارع والميادين بالأعلام، وأقيمت أقواس النصر، وأُنيرت الطرق بالمصابيح، واصطف آلاف الجنود وكبار رجال الدولة والعلماء وشيوخ الأزهر والقناصل الأجانب لاستقبال السلطان في محطة السكة الحديد. ومن هناك تحرك موكب سلطاني هائل جاب شوارع القاهرة، تقدمه فرسان الحرس والفرق الموسيقية وحملة الرايات، بينما احتشدت الجماهير على جانبي الطريق، وامتلأت الشرفات والمشربيات بالنساء والأطفال الذين خرجوا لمشاهدة هذا الحدث التاريخي.
وكان أول مقاصد السلطان في القاهرة قلعة صلاح الدين، حيث استُقبل بتحية عسكرية جديدة، وأطلقت المدافع من القلعة، ثم زار مسجد محمد علي باشا، وقرأ الفاتحة على روحه، وأبدى إعجابه بعظمة المسجد وروعة عمارته. وبعد ذلك شهد استعراضًا عسكريًا ضخمًا للجيش المصري الذي كان قد أعيد تنظيمه على النمط الأوروبي، فأشاد السلطان بانضباط الجنود وحسن تدريبهم، وهو ما كان إسماعيل حريصًا على إظهاره.
وفي المساء أقيمت ولائم ملكية فاخرة داخل القصور، قُدمت فيها ألوان الطعام المصري والتركي والفرنسي، واستخدمت أوانٍ من الذهب والفضة والكريستال، كما نُظمت حفلات موسيقية وعروض للألعاب النارية أضاءت سماء القاهرة. ولم يكتف إسماعيل بالاحتفالات، بل اصطحب السلطان في جولات لزيارة المصانع والمدارس والمنشآت الحديثة ومشروعات الري، ليؤكد له أن مصر أصبحت من أكثر ولايات الدولة العثمانية تقدمًا وحداثة ، وأن مصر تفوق العاصمة إسطنبول نفسها في التطور والتقدم .
وقد تركت هذه الزيارة أثرًا بالغًا في نفس السلطان عبد العزيز، وأسهمت في توطيد مكانة إسماعيل باشا لدى البلاط العثماني، حتى إنه حصل في السنوات التالية على امتيازات سياسية مهمة، كان أبرزها منحه لقب الخديوي، وتوسيع حقوقه في إدارة مصر ووراثة الحكم داخل أسرته، كما أطلق إسماعيل باشا على إحدى شوارع القاهرة الكبرى اسم " شارع عبد العزيز " تيمنا بزيارة السلطان لتصبح هذه الزيارة واحدة من أهم المحطات في تاريخ العلاقات بين مصر والدولة العثمانية في القرن التاسع عشر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق