لم يملك جعل الرقّاص فَرماه الاعتقال !!
تخيل أنك تسير في شوارع بلدة "منية زفتى" ( مدينة زفتى الحالية في محافظة الغربية بمصر ) في يوم إثنين حار من أيام صيف عام ١١٧٥ ميلادية ، بعد وقت قصير إسقاط من صلاح الدين الأيوبى الخلافة الفاطمية تماماً في مصر عام ١١٧١م.
هناك حالة من القلق في الحي اليهودي بالبلدة .
بطل القصة هنا هو رجل يهودى يُدعى ( سليمان بن حسن ) .
سليمان رجل فقير الحال ، لا يملك عقاراً ولا مالاً ولا تجارة تُنجيه.
تعقدت حياة سليمان عندما اقترض مبلغاً من المال (ثلاثة دنانير ونصف الدينار) من رجل آخر من أعيان الطائفة من المشتغلين بالطقوس داخل المعبد ، وهو ( البقاء اللوي بن صالح الحزان ) .
تأخر سليمان في السداد، وبدلاً من أن يلجأ الدائن "البقاء" إلى المحكمة اليهودية (البيت دين) لحل المشكلة ودياً أو بروح التكافل، قرر أن يسلك طريقاً قاصياً؛ فذهب بسليمان إلى "دين الجند" أو "ديني غوييم" (المحاكم الإسلامية الرسمية للدولة) .
في المحكمة الرسمية، صدر الحكم ضد سليمان بضرورة دفع الدين فوراً أو السجن.
لكن المصيبة الأكبر التي واجهت سليمان هي أنه لم يكن يملك حتى أجر "الرقاص" (وهو الساعي أو الشرطي الذي ينفذ الأحكام وينقل الرسائل والسجناء)، وحيث إن المحكوم عليه هو من يدفع كلفة نقله وسجنه عادة، عجز سليمان تماماً، مما أدى إلى إلقائه فوراً في السجن .
من داخل محبسه، وبسبب وطأة السجن وظلمته، استغاث سليمان بن حسن بوجهاء وأفراد طائفته في منية زفتى.
طلب منهم شهادة رسمية تُثبت فقره وإعساره لعلها تخرجه من السجن أو تخفف عنه. بالفعل، اجتمع خمسة من الشهود والوجهاء في البلدة (منهم كوهين ولوي)، وكتبوا هذه الوثيقة (الشهادة) ليؤكدوا للقاصي والداني: "نحن نعرف حال سليمان، إنه فقير معدم، لا يملك عقاراً ولا مالاً، وقد سُجن بسبب ثلاثة دنانير ونصف".
ووقعوا بأسمائهم في يوم الإثنين ١٨ من شهر سيفان العبري لتقف هذه الورقة حجة لصالحه بـ "الزاوية والبراعة" (لصالح براءته وحقه).
النص مكتوب باللغة العربية الفصحى والعامية المصرية بآن واحد، ولكن بأحرف عبرية (وهو ما يُعرف باللغة اليهودية العربية - Judeo-Arabic).
وإليكم النص مكتوباً بالخط العربي كما يُلفظ تماماً في الوثيقة :
"نقول نحن الشهود الطارحين خطوطنا آخر هذا الـ[مستور]
أن نحن عارفين بحال سليمان بن حسن وأنه رجل فقير قليل
ذات اليد وليس نعلم أن له لا عقار ولا مال وأن عليه
للبقاء اللوي بن صالح الحزان اللوي ثلثه دنانير ونصف دينار
طلبها منه بديني جوييم (بدين الأغيار/المحكمة الرسمية) ولم يكن له قدرة على جعل الرقاص
فرماه الاعتقال وطلب منا أنو (نحن) حتومي مَطّه (الموقعين أدناه) أن نذكر
ما علمنا من حاله وكان ذلك في نفس يوم الاثنين الثامن
عشر من سيوان شنت أتفو (سنة ١٤٨٦ للتاريخ السلوقي) بعير (بمدينة) منية زفتى ليكون
لِزخو وِلِراية (لحقه ولإثباته)
الشهود الموقعون :
شيريت (بقايا) الكوهين بر يخيّن الكوهين (نـع - نيحو عيدن / تنيّح في عدن)
صدقة بر هلال الكوهين (نع)
بركات بر يخيّن (نع)
ياشيا (يوشيا) بر دافيد (نع)
نديب بر دافيد (نع)"
توضيح الكلمات الغريبة والاصطلاحات :
تحتوي الوثيقة على مزيج من المصطلحات الإدارية العربية في العصر الوسيط، ومصطلحات عبرية دينية وقانونية :
الطارحين خطوطنا: الواضعين توقيعاتنا أو خطوط أيدينا. "الخط" في الوثائق القديمة يعني التوقيع.
المستور: أصلها (المَسطور)، وتعني النص المكتوب أو الوثيقة المكتوبة سطراً بسطر.
قليل ذات اليد: تعبير كنائي عربي شهير يُقصد به الفقر الشديد، أي لا يملك مالاً يتصرف به بيديه.
الحزان (החזן): عبرية، وتعني "الرتّاب" أو القارئ/المغني في الكنيس اليهودي، وهو منصب ديني وإداري محترم في الطائفة.
بديني جوييم (בדיני גויים): عبارة عبرية تعني "بأحكام الأغيار" أو "بمحاكم غير اليهود" ، والمقصود بها هنا المحاكم الإسلامية الرسمية للدولة (التي كان يلجأ إليها بعض اليهود أحياناً للضغط على خصومهم لامتلاكها سلطة تنفيذية قهرية كالشرطة والسجن، وهو ما كان يُنظر إليه داخل الطائفة بشيء من الاستهجان).
جَعل الرقّاص :
الجَعل: الأجر أو الرشوة الرسمية/الرسوم.
الرقّاص: في العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، "الرقاص" هو الساعي أو الفراش أو الشرطي الذي يركض (يرقص) بنقل الرسائل أو أوامر القبض. سليمان لم يملك حتى المال لدفع رسوم الشرطي الذي سيقبض عليه أو ينفذ المعاملة، فسُجن فوراً.
فرماه الاعتقال: أدى به الأمر إلى السجن والاحتجاز.
أنو (אנו): كلمة عبرية تعني "نحن".
حتومي مَطّه (חתומי מטה): تعبير قانوني عبري يعني "الموقعون أدناه" أو "الموقعون أسفل الورقة".
سيوان (סיון): هو الشهر التاسع في التقويم العبري (يقع عادة بين ماي ويونيو).
شنت أتفو (שנת אתפו): "شنت" تعني سنة. "أتفو" (א׳תפ"ו) هي حساب جُمَل عبري للأرقام (الألف = 1000، التاء = 400، الفاء = 80، الواو = 6)، والمجموع هو 1486 حسب "التاريخ السلوقي" (تاريخ الإسكندر) الذي كان مستخدماً بكثرة لدى يهود الشرق، وهو يعادل عام 1175 ميلادية.
بِعير (בעיר): "بعير" بالعبرية تعني "في مدينة" أو "في بلدة" .
لِزخو وِلِراية (לזכו ולראיה): تعبير عبري قانوني معناه: "لتكون له استحقاقاً (براءة/حقاً) وحجةً ودليلاً".
نع (נ"ע): اختصار عبري لـ "נוحو עדן" (نيحو عِيدن) وتعني "تنيح في عدن" أو "رحمه الله"، وتُقال تفخيماً لاسم والد الشاهد المتوفى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق