الأحد، 14 يونيو 2026

 

"لم يكن اسمه حسن..."

قبل أن يعرفه التاريخ باسم السلطان الناصر حسن، تذكر بعض الروايات أنه كان يُعرف في طفولته باسم "قماري"... طفل صغير نشأ داخل أسوار قلعة الجبل، لا يعلم أن القدر سيضع فوق رأسه تاج مصر والشام مرتين، ثم يكتب له واحدة من أكثر النهايات غموضًا في تاريخ الدولة المملوكية.
إذا كان مسجد السلطان حسن قد خلد اسمه، فإن حياة الرجل نفسه كانت أكثر إثارة من أي أسطورة.
ولد الناصر حسن بن محمد بن قلاوون حوالي سنة 736هـ/1336م، وهو الابن الأصغر تقريبًا للسلطان الناصر محمد بن قلاوون، أحد أعظم سلاطين الدولة المملوكية البحرية. حكم الناصر محمد مصر ثلاث مرات، واستطاع أن يفرض هيبة الدولة المملوكية على المنطقة بأسرها، حتى أصبحت القاهرة واحدة من أغنى وأهم مدن العالم الإسلامي.
لكن ما إن توفي الناصر محمد سنة 741هـ/1341م، حتى بدأت الدولة تدخل مرحلة من أخطر مراحلها.
فقد ترك عددًا كبيرًا من الأبناء، ولكل ابن أنصار وأمراء يدعمونه. وتحولت قلعة الجبل إلى ساحة صراع سياسي، بينما أصبحت السلطة الحقيقية في يد كبار الأمراء، الذين صاروا يختارون السلطان ويعزلونه متى أرادوا.
تعاقب أبناء الناصر محمد على العرش واحدًا تلو الآخر:
المنصور أبو بكر...
ثم الأشرف كجك...
ثم الناصر أحمد...
ثم الصالح إسماعيل...
ثم الكامل شعبان...
ثم المظفر حاجي...
حتى جاء الدور على الصبي حسن.
وفي سنة 748هـ/1347م، اعتلى حسن العرش للمرة الأولى وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
تخيلوا المشهد...
طفل يرتدي ثياب السلطنة، يحمل لقب "ملك مصر والشام"، بينما القرار الحقيقي في يد مجموعة من الأمراء الأقوياء.
وكان من أبرز هؤلاء الأمراء الأمير منجك اليوسفي، والأمير شيخون العمري الناصري.
ولمن لا يعرف شيخون، فقد كان أحد أقوى رجال الدولة في ذلك العصر، حتى إن اسمه أصبح مرادفًا للنفوذ والهيبة. امتلك المدارس والخوانق، وأصبح صاحب الكلمة المسموعة داخل القلعة، وكان من بين من تولوا إدارة شؤون الدولة فعليًا في عهد السلطان الصغير.
في تلك الأثناء، وقع الحدث الذي هز العالم كله...
الطاعون الأسود.
في سنة 749هـ/1348م، اجتاح الوباء مصر والشام، ووصفت المصادر القاهرة بأنها مدينة يغلفها الحزن. كانت الجنائز لا تتوقف، وامتلأت المقابر، حتى إن الناس عجزوا أحيانًا عن دفن موتاهم بالسرعة المعتادة.
وفي الوقت الذي كان فيه الموت يحصد الأرواح، كان السلطان الطفل يتعلم الدرس الأقسى في السياسة:
السلطة لا يمنحها التاج وحده.
مرت السنوات، وبدأ حسن يدرك أنه مجرد واجهة لحكم الأمراء.
كبر الصبي قليلًا، وكبر معه طموحه.
أراد أن يكون سلطانًا حقيقيًا، لا مجرد اسم يُذكر في الخطبة وعلى العملة.
لكن الأمراء لم يسمحوا له بذلك.
ففي سنة 752هـ/1351م، قرروا عزله عن الحكم، وسجن داخل القلعة، بينما نُصّب أخوه الصالح صالح سلطانًا مكانه.
تخيلوا...
سلطان الأمس أصبح سجين اليوم.
شاب في السادسة عشرة تقريبًا، يعرف جيدًا كيف تعمل المؤامرات داخل القصر، ويشاهد بنفسه كيف يمكن أن تتحول السلطة إلى سراب.
لكن الصراعات بين الأمراء لم تتوقف.
وبعد سنوات قليلة، وجد الأمراء أنفسهم بحاجة إلى إعادة أحد أبناء البيت القلاووني إلى العرش لاستعادة الشرعية أمام الناس.
فعاد حسن إلى الحكم مرة أخرى سنة 755هـ/1354م.
وهنا بدأت شخصية السلطان حسن الحقيقية في الظهور.
لم يعد ذلك الصبي الخاضع للأوامر.
بل أصبح سلطانًا يسعى لتحطيم نفوذ من صنعوا السلاطين قبله.
بدأ يعتمد على مماليكه الخاصين الذين قام بتربيتهم بنفسه، وابتعد تدريجيًا عن الأمراء القدامى.
وكان الأمير شيخون في البداية من أكثر المقربين إليه، حتى زوّجه السلطان إحدى بناته، في إشارة واضحة إلى قوة العلاقة بينهما.
لكن السياسة المملوكية لم تكن تعرف الوفاء طويلًا.
فسرعان ما تغيرت التحالفات، وأصبح كل أمير يخشى الآخر، وكل سلطان يخشى من حوله.
قبض السلطان حسن على عدد من كبار الأمراء، وصادر أملاك بعضهم، وحاول استعادة هيبة العرش التي ضاعت لعقود.
وتصفه المصادر بأنه كان شديد الذكاء، محبًا للعلم، كريمًا في عطاياه، شديد الاعتداد بنفسه، ميالًا للفخامة والإنفاق، لكنه كان أيضًا سريع الغضب أحيانًا، لا ينسى الإساءة، ويحيط نفسه بدائرة ضيقة ممن يثق بهم.
ورغم الاضطرابات السياسية، كان لديه حلم أكبر من مجرد البقاء على العرش.
أراد أن يترك أثرًا لا يستطيع أحد محوه.
فقرر إنشاء مشروع معماري وتعليمي وديني غير مسبوق في القاهرة، يجمع بين المسجد والمدرسة، وتُدرّس فيه المذاهب السنية الأربعة معًا.
مشروع بلغت نفقاته أرقامًا هائلة بالنسبة لعصره، حتى قال المؤرخون إن الناس كانوا يتحدثون عن ضخامته كما يتحدثون عن عجائب الدنيا.
لكن القدر كان يعد له نهاية مختلفة.
في سنة 762هـ/1361م، تمرد عليه الأمير يلبغا العمري، أحد أقوى أمرائه وأكثرهم نفوذًا.
اشتعلت المعارك عند قلعة الجبل، وتحولت القاهرة إلى ساحة اضطراب.
ثم...
اختفى السلطان حسن.
اختفى دون أن يراه الناس بعدها.
ذكر بعض المؤرخين أنه قُتل سرًا ودُفن دون إعلان.
بينما ذهب آخرون إلى أن جثمانه لم يُعثر عليه أبدًا.
وهكذا انتهت حياة السلطان الذي جلس على عرش مصر مرتين، وعاش بين القصور والسجون، وبين المجد والخوف، وبين الأمل والخيانة.
رحل الناصر حسن وهو في السادسة والعشرين تقريبًا...
لكن الغريب أن الرجل الذي اختفى جسده، بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة القاهرة إلى يومنا هذا.
فكل من يمر أسفل قلعة صلاح الدين، ويرفع رأسه أمام ذلك البناء المهيب، يتذكر السلطان الشاب الذي عاش حياة قصيرة، لكنه ترك وراءه أعظم شاهد على طموحه...
جامع ومدرسة السلطان حسن.
Sultan Hassan's life was a dramatic tale of power, betrayal, imprisonment, and mystery. Crowned at the age of thirteen, removed from power, restored to the throne, and vanished under mysterious circumstances before the age of twenty-six, he left behind one of the greatest architectural masterpieces of the medieval Islamic world.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق