الغوازي في مصر ونفيهن إلى الصعيد
الغوازي اسم أُطلق في مصر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على فئة من الراقصات والمغنيات الشعبيات اللاتي كن يؤدين عروضهن في الشوارع والاحتفالات العامة والأفراح. وقد وصفهن عدد من الرحالة والمؤرخين الأوروبيين الذين زاروا مصر في تلك الفترة، ومن أشهرهم إدوارد وليم لين، الذي سجل ملاحظاته عن المجتمع المصري في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وفي سنة 1834م أصدر محمد علي قراراً بمنع البغاء والرقص النسائي العلني في القاهرة. وقد ترتب على هذا القرار إبعاد الغوازي من العاصمة إلى مدن الصعيد، ولا سيما قنا وإسنا وأسوان. وتعد هذه الواقعة من الحقائق التاريخية المشهورة التي وردت في الدراسات الحديثة وفي المصادر التي تناولت تاريخ الغوازي في مصر.
وقد أشار الباحث الأمريكي وليم هـ. بيك في دراسته عن «راقصة إسنا» إلى أن نفي الغوازي من القاهرة جعل تجمعاتهن في إسنا وقنا من أشهر التجمعات التي قصدها الرحالة الأجانب خلال القرن التاسع عشر، بعد أن تعذر العثور عليهن في القاهرة كما كان الحال من قبل.
وتذكر المصادر أن قرار سنة 1834م لم يقتصر أثره على الغوازي وحدهن، بل أدى أيضاً إلى انتشار دور الراقصين الذكور المعروفين باسم «الخُوَل»، الذين حلّ بعضهم محل الراقصات في المناسبات العامة بعد منع الرقص النسائي العلني في العاصمة.
كما تشير المصادر إلى أن وجود الغوازي استمر في مدن الصعيد خلال العقود التالية، وأصبحت إسنا وقنا من أشهر المراكز المرتبطة بهن في أدبيات الرحالة الغربيين في القرن التاسع عشر.
أما أسباب قرار النفي نفسه، فإن المصادر المتاحة تثبت وقوع القرار وتنفيذه، لكنها لا تقدم نصاً رسمياً معروفاً يقرر أن اختيار قنا أو إسنا كان بقصد العقاب السياسي أو الانتقام من سكان الصعيد. ولذلك فإن هذه التفسيرات تبقى آراءً وتحليلات تاريخية لا تدخل ضمن الوقائع الموثقة توثيقاً مباشراً.
أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال وتغيرت الوسائل. فبعد أن كانت بعض المظاهر المخالفة للآداب العامة ترتبط في الماضي ببيئات محددة أو أنشطة موسمية كالموالد والأسواق، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تتيح لأي شخص أن يعرض نفسه وأفكاره وسلوكه أمام الملايين بضغطة زر.
ولذلك لم يعد الانحدار الأخلاقي أو الابتذال مرتبطاً بأصل أو نسب أو جماعة معينة، بل صار سلوكاً فردياً يمارسه بعض الناس طلباً للشهرة أو المال أو لفت الانتباه. فنرى من يتعمد إثارة الجدل، أو هدم قيم الحياء، أو استعراض ما ينبغي ستره، أو تحويل الحياة الخاصة إلى مادة للعرض والمتاجرة، في مشاهد تستفز كثيراً من أصحاب القيم والتقاليد.
والحق أن الأخلاق لا تُنسب إلى عرق ولا إلى قبيلة ولا إلى طائفة، وإنما تُنسب إلى الأفعال. فكما يوجد الصالح والطالح في كل مجتمع، يبقى الميزان الحقيقي هو السلوك نفسه، لا اسم الأسرة ولا أصل الجماعة ولا انتماؤها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق