الأحد، 7 يونيو 2026




 جولة تخيلية ووصفية لزائر للقلعة في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي أي زمن مؤرخي مصر القلقشندي والمقريزي

الدخول من باب السلسلة ( باب الاسطبل – باب العزب حالياً ) ، عبر اجتياز الزائر لباب السلسلة سيجد على يمينة الاسطبلات السلطانية التي تتصل بباب السلسلة بواسطة مبنى كان يستعمل سجناً لكبار الأمراء يسمى الحراقة وكان يوصل اليه بدرج ، ومن المحتمل ان تكون هذه الحراقة في الأصل مكاناً يقذف منه الوقود الملتهب على الأعداء الذين يجرءون على اقتحام القلعة عن طريق باب السلسلة والتي سكنها احياناً بعض الأمراء المكلفين بمراقبة ميدان الرميلة.
ويستمر مسير الزائر ويعبر مسجد الاسطبل حيث يوجد طريق منحوت في الصخر بمحاذاة السور المنيع الذي يحيط بالقلعة ، ويصبح الاسطبل خلفنا سنرى على يسارنا خارج القلعة تلوح لنا بعض المساكن ، تحول عدة منها الى جامع حديث البناء هو الجامع المؤيدي على الصوة والذي كان في الأصل المدرسة الظاهرية شعبان ثم هدمه السلطان فرج بن برقوق ليتحول الى البيمارستان المؤيدي لينتهي الى الجامع المؤيدي ودار لاستقبال مصر من الضيوف والامراء والملوك.
ويستمر الزائر في الصعود فيجد على يمينة باب السر المخصص للسلطان او لمن يعرف كلمة السر ، وقد قيل ان السلطان الظاهر بيبرس جاء مره متخفياً وكان الجميع يعتقدون بوجودة في بلاد الشام فلم يفتح له الباب الا بعد ان قال لهم كلمة السر " العلايم " ، وباب السر يفضي الى شرفة كبيرة شيد عليها الإيوان او المقعد الكبير المخصص للاستقبالات السلطانية.
ويوالي الزائر الصعود حتى يجد مباني الطبلخانة التي كانت أيام السلطان الظاهر بيبرس قاعة العدل للنظر في شئون الرعية ، وكان يلاصق الباب الرئيسي للقلعة ويجاور الطبلخانة " دار الضيافة " التي كان ينزل فيها ملوك الدول وسفرائهم واذا تركنا الطبلخانة وصعدنا بواسطة سلم كثير الدرج اسمه " سلم المدرج " له باب بني أيام السلطان الظاهر بيبرس بمعرفة الأمير الدرفيل حسام الدين لاجين ويؤدي هذا الباب الى سلم المدرج ، ومما يذكر ان السلطان الظاهر برقوق شيد حائطاً يربط هذا الباب بالمباني المجاورة التي اشرنا اليها على يساران وهي محجوزة بين اسوار القلعة العالية والحائط الذي شيدة الظاهر برقوق.
ونحن حتى الان لم نعبر اسوار القلعة الأصلية ، فاذا صعد الزائر سلم المدرج الذي يحازي الجدران لمسافة 50 متر وجد نفسه داخل برج مربع يؤدي الى الداخل ثم يلف يمينه وجد نفسه في قلب القلعة كما كانت عليه أيام الناصر صلاح الدين يوسف ، وهنا يظهر للزائر كتابة على باب المدرج نستدل منها على تاريخ انشاء القلعة عام 579هـ زمن الناصر صلاح الدين يوسف.
وبعد عبور الزائر للباب المدرج سيجد نفسه داخل النطاق او القسم العسكري من القلعة فسيجد ميدان فسيح تحيط به المخازن والمساكن التي يشغلها المماليك وغيرهم ويرى امامه برج كبير منعزل اسمه برج القله كان الظاهر بيبرس قد أنشأه ، ويتخلل هذا البرج باب يسمى بباب القلة نسبة لاسم البرج حيث يبدأ النطاق او القسم السكني والقصور ومقر الحكم في الجزء الجنوبي الغربي للقلعة.
اذا أراد الزائر الصعود فوق السور لشاهد امامه القاهرة بمساجدها وماذنها وقبابها التي شيدها السلاطين وأمراء المماليك ، ولشاهد على يمينه تلال المقطم التي أصبحت القلعة مفصولة عنها بعدما استبدلوا بأحجارها فاقتلعوها من محاجرها وأصبحت بذلك حصناً منيعاً لا يستطيع الاقتراب منه من ناحية الشرق.
ولقد حاول الناصر محمد بن قلاوون ان يحول هذا المنخفض الصخري الى بساتين وغابات لكن اهمل المشروع بعد وفاته بسبب تكبد الأموال والوقت والعناء.
وفي نهاية السور في النقطة الجنوبية الشرقية يقف برج ينتهي لديه سور صلاح الدين يوسف حيث باب القرافة الذي يطل على الصحراء ، ويظهر ان هذا الباب كان قليل النفع ، او يحتمل انه بني في الأصل ليؤدي غرضا واحداً هو ليكون منفذاً لحماية القلعة للهروب منه اذا هوجمت القلعة وضيق الحصار على المدافعين.
كما كان يحتوي في هذا النطاق الملكي السكني على مساكن كبار الموظفين في الدولة كنائب السلطان والوزير الصاحب وغيرهما ، وكان باب القلعة ( باب القلة ) يخرج الاجناد والمماليك للعرض العسكري وللاشتراك في المواكب والحفلات والاعياد والاحداث الكبرى او الخروج للجهاد ، وان كانوا يخرجون لتنفيذ مؤامرة لانزال السلطان عن عرشة او احداث شغب.
ويواجه باب القلة الجامع الناصري الذي بناه الناصر محمد بن قلاوون ، وكان الجامع يتصل بقصر السلطان من ناحيته الجنوبية ، اما الواجهة الغربية فتطل على الميدان الكبير للايوان ، هذا الايوان الذي يمتاز بمقعده الكبير الذي تغطيه قبة يكسوها الخزف المموه الأخضر وتحمل القبة العمد العالية ، وكان منشئ هذا الايوان الأصلي الملك الكامل على طراز الايوانات الفاطمية ثم جدده قلاوون وابنه محمد فيما بعد.
وكان امام الجامع والايوان وباب القلعة ميدان فسيح يحشد فيه الجند ورجال الحاشية والاتباع في ملابسهم الفضفاضة وعليها أسلحتهم البيضاء ودرقاتهم المستديرة ، ولم يكن هناك في هذا المكان شيء يحجب هذه المنشأت عن المدينة فكلها عالية شيدت على ربوة تتألف من أرصفة تعلو فوق بعضها وكانت القصور تكشف الى مسافة بعيدة من النيل والأهرام.
والقصر الابلق اول ما يلفت الأنظار بين تلك المنشات في ركنه برج هائل اسمه الخرجاء ، تتصل به قاعات تفضي الى قصر اخر مقام على نفس الطراز ، وكانت تستند جدرها على الصخر والى اسفلها الاسطبلات بمحاذاة السور الطبيعي للقلعة وكان هناك درج له أبواب يستخدمه السلطان في النزول الى الاسطبل بدون ان يراه احد.
اما الزاوية الجنوبية الغربية من القلعة فكان يشغلها قصر الاستقبالات ومن بعده الى الشرق يمر الزائر الى قصر الحريم السلطاني وكان ملحقاً به مبان كثيرة يشغلها الحشم والخدم ، وقد امتدت الى الزاوية الشرقية للقلعة ، وكان يتصل الحريم بالقصر بواسطة باب النحاس ، كما يتصل بالجامع بواسطة باب الستارة وقد أقيمت على جانبي القصر القاعات الضخمة التي شيد منها محمد بن قلاوون سبعا وعرفت بالسبع قاعات او السبع حدارات واحداها عرفت بقاعة الفضة ، ثم شيد فيما بعد السلطان الناصر حسن بالقرب منها قاعة البيسرية وكانت تتوسط تلك القاعات وتحيط تلك القصور الحدائق الغناء التي تغذيها مياه النيل ، وقد كان في وسع السلطان اذا أراد ان يتخذ المدرج الخاص في قصره ويهبط الى الاسطبلات ثم يخرج من باب السلسله الى ميدان الرميلة وميدان تحت القلعة.
وللعودة من النطاق السكني الملكي الي النطاق العسكري سيعود الزائر من باب القلعة ليجد نفسه مره أخرى داخل القسم العسكري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق