الأحد، 7 يونيو 2026


زكاة الفطر ومشروعية إخراجها بالقيمة نقودا:
فُرِضَتْ زكاةُ الفطر طُهرة للصائمين وطُعمة للمساكين، واتفق الفقهاء على أن الواجب فيها صاعٌ من تمر أو شعير، واختلفوا في الواجب من القمح؛ فالجمهور على أنه صاعٌ أيضًا، ويرى الحنفية أنَّ الواجبَ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو دقيقه أو سويقه.
والصاع مكيالٌ لأهل المدينة يسع أربعة أمداد، ووزن الصاع عند الجمهور يعادل: 2.04 كيلوجرام، وعند الحنفية: 3.25 كيلوجرام، وتُحسَب بأقل قيمة لغالب قوت البلد؛ لأن الأصل براءة ذمة المكلَّف مما زاد على ذلك.
أما عن إخراجها مالًا: فهو جائز شرعًا، بل هو الأقرب إلى تحقيق مقصود الشرع في التوسعة على الفقراء وإغنائهم يوم العيد، وذِكْرُ الحديثِ لبعض الأنواع إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لحصر الواجب فيه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» أخرجه ابن سعد في "الطبقات" والدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والإغناء الآن يتحقق بالمال لا بالحبوب؛ ولذلك كان المفتى به في عصرنا؛ لأنه الأوفق لمقاصد الشرع والأرفق بمصالح الخلق.
وعلى ذلك جرى عمل جماعة مِن السلَف من كبار الصحابة؛ كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، رضي الله عنهم، وعليه عَمَلُ كثيرٍ مِن التابعين والسلف الصالحين؛ كالخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -وكتب به إلى عُمّاله في الأمصار-، والحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي وهو من أئمة التابعين في الكوفة، وحكاه عن عمل من أدركهم من السلف الصالح، وقد أدرك نحوًا مِن أربعين صحابيًّا؛ منهم علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجرير البجلي، رضي الله عنهم، وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين.
وهذا مذهب الحنفية، وجماعةٍ من المالكية، ومقتضى تعليل من أجازها من غير المنصوص مِن الشافعية، وبجواز العمل به أفتى الشهاب الرملي، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ورجحها ابن تيمية للمصلحة، وهو قول أئمة أهل الحديث والأثر؛ كسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، ومذهب الإمام البخاري في "صحيحه"، وهو المتعين إذا طلبه الإمام للمصلحة. قال الإمام الطحاوي: "أداء القيمة أفضل؛ لأنه أقرب إلى منفعة الفقير فإنه يشتري به للحال ما يحتاج إليه، والتنصيص على الحنطة والشعير كان لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة كانت بها، فأما في ديارنا فالبياعات تجرى بالنقود، وهي أعز الأموال؛ فالأداء منها أفضل" اهـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق