● المقنزعة
في العصر المملوكي كان هناك شكل مختلف من أشكال العِصابة شائعًا يُسمى العِصابة المقنزعة، وكلمة "مقنزعة" مشتقة من القنزعة، وتعني في اللغة ما ارتفع من الشعر أو الريش، وفي سياق الملابس المملوكية، كانت تشير إلى عِصابة (رباط رأس) تتميز بارتفاعها الملحوظ وتصميمها الذي يشبه التاج المخروطي أو الهرمي المرتفع، كما لم تكن مجرد قماش، بل كانت تُحلى بالذهب واللؤلؤ والياقوت، والعصابة نفسها صنعت من الأقمشة الثمينة مثل الديباج والحرير المنسوج بخيوط الذهب (الزركش).
ويروي المقريزي أنه بمناسبة ولادة زوجة الأمير يلبغا اليحياوي وشقيق زوجة السلطان قلاوون، أقام السلطان احتفالات عظيمة لها لمدة سبعة أيام وليالٍ، وأهداها عصابة رأس مرصعة بأنواع مختلفة من الجواهر تُقدر قيمتها بنحو 50 ألف دينار.
تُعد العِصابة المقنزعة (أو المقنزع) واحدة من أكثر أغطية الرأس تميزاً، وخاصة فيما يتعلق بأزياء النساء في الطبقة الأرستقراطية. وهي تعكس طبيعة المجتمع المملوكي الذي كان يمزج بين الفخامة المفرطة وبين التدخل السلطوي في تفاصيل الحياة العامة.
كما أثارت "المقنزعة" جدلاً اجتماعياً ودينياً كبيراً في العصر المملوكي، لعدة أسباب منها؛ رأى رجال الدين والمحتسبون أن الارتفاع المبالغ فيه للعصابة ينم عن كبر وخيلاء. في بعض الفترات، اعتبرت السلطات أن هذا الزي يخرج عن حدود الحشمة المألوفة أو يبالغ في لفت الأنظار.
أصدر بعض السلاطين مثل السلطان الأشرف برسباي، والظاهر جقمق مراسيم رسمية تمنع النساء من لبس "المقانزع" الطويلة، وأمروا المحتسب بقطع أي مقنزعة يراها في الشارع إذا تجاوزت طولاً معيناً، ثم أصدر السلطان قايتباي أمرًا في القاهرة يمنع النساء من ارتداء العصبة المقنزعة، كما نصّ على أن يكون طول حشوة العصبة ثلث ذراع، وأن تحمل ختم السلطان على جانبيها. أثار هذا الأمر حفيظة النساء، فخرجن حاسرات الرأس، أو بدون عصبة، أو ارتدين عصبة طويلة رغماً عنهن، امتثالاً لأمر السلطان، لكنهن كنّ يرتدين غطاء الرأس المحظور داخل بيوتهن. بعد فترة، هدأت الأمور، وعادت نساء القاهرة يرتدين ما يحلو لهن، كما في السابق.
بقلم / سلمى مندور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق