بركة الحج شمال القاهرة محطة هامة على درب الحج المصرى
الحج «مشقة» والأجر فيه على قدر الجهد والتعب، ولأن حجاج بيت الله تعالى يأتون من كل فج عميق، فكان الحاج فى القرون الأولى من الإسلام يواجه صعابا كثيرة تعترض طريقه من أجل أن يؤدى الركن الخامس من أركان الإسلام.
ويروى فى أحد الأحاديث القدسية فى فضل الحج «أن الله تعالى قال فى الحجاج: انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا»، وذلك له أعظم الأجر.
أشهر طرق الحج
وكانت الطرق والدروب التى يغلب عليها الوظيفة الدينية من أشهر الطرق فى الدولة الإسلامية، حيث يسلكها الحجاج والمعتمرون، ومن هذه الطرق والدروب: «درب بركة الحاج» أو «بركة جب عميرة» بالقاهرة. وكانت تشمل المنطقة من عين شمس والمطرية حتى مدينة السلام، بما تضمه الآن من مناطق «المرج»، و«عزبة النخل»، و«الأندلس»، وكفور «الشرفا»، و«الباشا»، و«أبو صير»، و«منطقة مؤسسة الزكاة»، ثم بعد ذلك فُصلت عنها هذه المناطق إداريا فى أوقات متفاوتة.
يروى الباحث صابر سعيد القاضى، فى بحثه المسمى «درة التاج فى تاريخ بركة الحاج» أن تلك البلدة تقع على الطريق التجارى القديم، الذى يربط مصر ببلاد الشام والحجاز، وأن هذا الطريق البرى كان يُستخدم من قديم الأزل فى التبادل التجارى بين البلدان، وهو يبدأ من القاهرة مرورا ببركة الحاج ثم بلبيس بمحافظة الشرقية ثم إلى السويس ومنها يقطع شبه جزيرة سيناء كاملة وصولًا إلى ميناء العقبة.
وقد أطلق العديد من الأسماء على هذه المنطقة: منها، «بركة الحاج» أو «بركة الجب» أو «جب عميرة»، وهى قرية إلى الشمال الشرقى من القاهرة، وتعتبر مركز توافد الحجاج من مصر والأندلس والمغرب وإفريقيا، يجتمعون عندها فى الذهاب والإياب، وهى من أنشط الأسواق فى بداية الطريق، حيث يُعرض فيها العديد من البضائع.
أما اسم كلمة (بِركة) بكسر الباء والراء فجاء فى إشارة إلى أن أرض المنطقة منخفضة عما حولها من الأراضى، وكانت قديمًا فى زمن فيضان النيل تمتلئ بالمياه، فتتحول إلى بحيرة موسمية كبيرة تحفها حدائق ومتنزهات بديعة تجلب إليها أصنافًا من البط البرى والطيور المهاجرة من أوروبا كطيور الكراكى. ولأجل هذا كان الملوك والأمراء والأعيان ينزلون إليها لصيد هذه الطيور والاستمتاع بأجوائها العطرة ونسيمها العليل وقضاء الأعياد والمناسبات الاجتماعية التى كان المصريون يحتفلون بها.
وقد تمتعت «بركة الحاج» بأهمية كبيرة فى تاريخ مصر الإسلامية بحكم موقعها الإستراتيجى المهم بصفتها أول وآخر محطة للذاهبين والعائدين بطرق الحج والتجارة للحجاز والشام، وكذلك كانت متنزها كبيرا ومضمارا للرياضة والصيد حتى نهاية العصر العثمانى، وكانت متنزها للخلفاء والملوك والسلاطين والولاة طول التاريخ الإسلامى.
ففى الخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك، يقول: «بركة الحاج قرية موضوعة فى الشمال الشرقى للقاهرة بنحو خمس ساعات، وفى غربى الترعة الإسماعيلية بنحو ستة آلاف متر فى جنوب الخانقاه كذلك، وفى شرقى قرية المرج بنحو ثلاثة آلاف متر، ويقال لها بركة الجب... وبركة الحاج الآن قرية صغيرة أكثر أبنيتها من الطوب اللبن على طبقة واحدة وبها جامع بمنارة مبنى بالآجر وفى أرضها نخيل كثيرة أحمر الثمر وسواقٍ معينة بُعد مائها عن سطح أرض الزراعة نحو ثلاثة أمتار وفى شرقيها بنحو مائتى متر جبانة فيها ساقية عذبة الماء تسميها الأهالى ساقية شعيب ويزعمون أن نبى الله شعيبًا هو الذى احتفرها لسقى غنمه وجميع أهالى القرية يشربون منها».
ويرى الباحث أن اسم «بركة الحاج» بدأ فى الظهور بوضوح على مسرح الأحداث مع دخول الإسلام مصر، وارتبطت بدرب الحج البرى الذى استخدمه حُجاج مصر وبلاد شمال أفريقيا وبلاد المغرب العربى وبلاد غرب إفريقيا، بل وبلاد الأندلس أيضا. فكانت «بركة الحاج» أول منزل (محطة) من منازل الحاج فى درب الحج المصرى، فيها اجتماع حجيج بيت الله الحرام قبل سفرهم وعند عودتهم، وإليها يخرج المشيِّعون لوداع أهلهم عند السفر أو استقبالهم عند الإياب.
وكان أمير الحاج ينزل بالمحمل الشريف، كسوة الكعبة، إلى «بركة الحاج» ويقيم بها أربعة أو خمسة أيام حتى يكتمل حجيج بيت الله الحرام القادمين من كل فج عميق، ومع كل حاج راحلته التى سيركبها فى الطريق تحمل له زاده ومتاعه. وكانت تُقام بالبركة أسواق عظيمة بها كل ما يحتاجه المسافر من طعام أو شراب أو دواب، وكانت بها أماكن تُسمى بـ«الخانات»، تشبه الفنادق الآن، مُعَدة لاستقبال كل هؤلاء، وكذلك أماكن لإيواء خيولهم وجمالهم.
ويخرج الركب من مصر بالمحمل السلطانى والسبيل المُسبل للفقراء والضعفاء والمنقطعين بالماء والزاد والأشربة والأدوية والعقاقير والمعاجين والأطباء والكحَّالين والمُجَبِّرين والجرَّاحين فى أكمل زى وأتم أبهة، وبالأعلام والكوسات السلطانية والأدِلَّاء والأئمة والمؤذنين والأمناء ومُغَسِّلى الموتى.
وكان الديوان العالى يعقد اجتماعًا فى «بركة الحاج» يتم فيه تسليم أمير الحاج الصُّرَّة الشريفة، وكان يحضر هذا الاجتماع الباشا والدفتردار والأمراء والصناجق وأغوات وكتخدات الفرق وأغاجاويشان وأغا المتفرقة والروزنامجى وباش قلعة الروزنامة وأمين الصرة وكاتب الصرة الشريفة وصرَّاف الصرة ويتحرر فى الاجتماع بإملاء الروزنامجى مقدار الصرة المُرسلة لأهالى الحرمين الشريفين وأوجه إنفاقها: «ما هو لأهالى مكة، وما هو لأهالى المدينة».
مراحل المسار الأربعة:
ويذكر الباحث أن درب الحج المصرى مر بأربعة مراحل:
• المرحلة الأولى: باستخدام الطريق البرى الذى يبدأ من بركة الحاج، وقد امتدت هذه المرحلة منذ الفتح الإسلامى لمصر وحتى منتصف القرن الخامس الهجرى، وكان للطريق مساران فى شبه الجزيرة العربية، أحدهما داخلى والآخر ساحلى.
• المرحلة الثانية: امتدت منذ حوالى سنة 440 هـ إلى سنة 666 هـ، وخلال تلك الفترة استخدم الحجاج المصريون السفن النيلية إلى قوص ثم السفر بالقوافل إلى عيذاب ثم عبور البحر الأحمر إلى جدة بدلًا من الطريق البرى الواقع فى شمال الحجاز، وذلك بعد استيلاء الصليبيين على مدينة «أيلة» ما تسبب فى غلق الطريق البرى للقوافل بين مصر والشام والحجاز.
• المرحلة الثالثة: امتدت منذ سنة 667 هجريا إلى سنة 1301 هجريا وخلالها عاد الحجاج إلى استخدام الطريق البرى الساحلى بعد تحرير الظاهر بيبرس لمدينة أيلة من أيدى الصليبيين.
• المرحلة الرابعة: امتدت هذه المرحلة منذ سنة 1301 هـ وحتى التاريخ المعاصر وفيها توقف استخدام الطريق البرى وأصبح الطريق البحرى من السويس هو المستخدم.
ويضيف بعض الباحثين مرحلة خامسة وهى إحياء مسار طريق الحج القديم التى بدأت عام 1993، حين بدأ اكتشاف الدرب بمعاول وعلماء الآثار ضمن أول بعثة أثرية تعمل على درب الحاج المصرى القديم فى القسم الذى يقع داخل الحدود من بركة الحاج وحتى مدينة العقبة الأردنية.
وقد ترك طريق الحج المصرى القديم مجموعة من المنشآت المعمارية والحصون والقلاع والآبار والنواطير التى تخدم الحجاج الذين يمرون من هذا الطريق لأداء شعائر الحج والعمرة فى مكة المكرمة، إلا أن بعضها تهدم والبعض الآخر ما زال باقيا يحتاج إلى الاهتمام والترميم ويمثل عاملاً جاذباً للسائحين، ومنها قلعة عجرود غرب السويس، وقلعة نخل بسيناء، وقلعة الجندى برأس سدر، وقلعة جزيرة فرعون قرب العقبة، وقلعة القصير بالبحر الأحمر، ومن بين مشروعات تنمية سيناء توجد خطط لإحياء طريق الحج، حيث لايزال بعض مساراته يسمح بعبور السيارات وعلى جانبيه معالم لمحطات وقلاع الطريق القديم التى بناها الملوك فى مختلف العهود، لتقوم على خدمة الحجيج فى مسيرتهم ذهابا وإيابا، وتشمل هذه الخطط إقامة المتاحف للآثار والأبنية وإقامة محطات تجارية وخدمية وفنادق ومصانع للأغذية والملابس وأسواق لهدايا الحجاج على غرار ما كان يُقام فى أثناء مرور القوافل.
------------------------
النص منقول عن بوابة الأهرام gate.ahram.org.eg/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق