الأربعاء، 13 مايو 2026

 حين انتقمت القاهرة بعد ستين عامًا

في مايو من عام 1422م، صعد إلى عرش مصر رجلٌ لم يكن يشبه السلاطين الذين سبقوه.
كان طويل القامة، قاسي الملامح، يحمل على وجهه آثار السنين والحروب، كأن الشمس نفسها حفرت خطوطها فوق جبينه.
ذلك الرجل كان السلطان الأشرف سيف الدين برسباي.
لكن ما كان يسكن صدره لم يكن حب السلطة، بل ذكرى قديمة لم تمت.
ذكرى مدينةٍ احترقت.
ذكرى #الإسكندرية يوم هاجمها القبارصة قبل عقود، حين تصاعد الدخان فوق مآذنها، وامتلأت شوارعها بالدماء والنار.
ستون عامًا مرّت، لكن الجرح ظل مفتوحًا في قلب المماليك… وفي قلب برسباي أكثر من الجميع.
حين تولى الحكم، لم يسارع إلى الحرب.
على العكس، حاول أن يفتح باب السلام أولًا.
أرسل رسله إلى نيقوسيا، عاصمة قبرص، يحملون عروض الهدنة والتجارة والأمان.
كان يريد بحرًا هادئًا وسفنًا تعبر بلا خوف.
لكن القبارصة لم يفهموا لغة السلام.
كانوا يبتسمون للرسائل القادمة من #القاهرة، ثم يرسلون قراصنتهم ليقطعوا الطرق البحرية ويحرقوا السفن.
وفي أحد أيام مايو من عام 1426، وصل الخبر الذي غيّر كل شيء.
أربع سفن مملوكية أُحرقت في عرض البحر.
البحارة قُتلوا جميعًا، وأُلقيت جثثهم للموج كأنها لا تساوي شيئًا.
دخل الرسل قاعة العرش في القاهرة، والسلطان جالسٌ في صمتٍ ثقيل.
قرأ الرسالة دون أن يرفع رأسه.
ثم قبض على ذراعي كرسيه بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وخرجت من بين شفتيه كلمة واحدة:
«كفى.»
ومن تلك اللحظة… بدأ البحر يستعد للحرب.
لكن برسباي لم يكن رجل اندفاع أعمى.
كان ينتقم ببطءٍ يشبه اقتراب العاصفة.
قبلها بعامين، أرسل حملة صغيرة بقيادة الأمير تغري المحمودي.
وصلت السفن المملوكية إلى ميناء ليماسول ليلًا، وانقضّت على السفن القبرصية بالنار والحديد.
اشتعل الميناء، وعاد الجنود إلى مصر حاملين أول رسالة تهديد:
“نحن ما زلنا هنا… ونستطيع الوصول إليكم.”
ثم جاء العام التالي، وكانت الضربة أكبر.
أربعون سفينة خرجت من الإسكندرية كأن البحر نفسه يدفعها نحو قبرص.
ضربوا ليماسول بعنف، هدموا أسوارها، وأسروا الآلاف، ثم عادوا إلى القاهرة وسط هتافات الناس التي لم تسمع نصرًا كهذا منذ سنوات طويلة.
لكن السلطان لم يكن يريد غارةً عابرة.
كان يريد نهاية الخوف القديم كله.
وفي صيف عام 1426، خرج الأسطول الأعظم في تاريخ المماليك.
مئة وثمانون سفينة.
صفوفٌ من المراكب الحربية غطّت البحر حتى بدا الأفق كأنه مصنوع من الخشب والحديد والرايات السوداء.
في المقدمة وقف تغري المحمودي وإينال الجكمي، وخلفهم آلاف الجنود الذين حملوا في قلوبهم صورة الإسكندرية المحترقة كأنها نار لا تنطفئ.
وصلوا إلى ليماسول… فسقطت المدينة تحت أقدامهم.
النيران أكلت الميناء، والأسوار انهارت، والبحر امتلأ بالحطام.
ثم تحرك الجيش نحو الداخل.
قسم المماليك قواتهم؛
جيشٌ بري يشق طريقه نحو #نيقوسيا
وأسطولٌ يطارد السواحل كالنسر الجائع.
وفي سهلٍ قريب من كيرينيا، ظهر جيش ملك قبرص، جانوس.
كانت أعدادهم كبيرة، ودروعهم تلمع تحت الشمس، لكن شيئًا واحدًا كان ينقصهم:
الغضب.
أما المماليك، فكانوا يقاتلون بذاكرة ستين عامًا من الإهانة.
وحين بدأ القتال، انهارت صفوف القبارصة سريعًا.
تكسرت رماحهم، وتراجع فرسانهم، وتحول الميدان إلى فوضى من الصراخ والغبار.
وفي النهاية… سقط الملك جانوس أسيرًا.
اقتيد مقيّدًا بالسلاسل أمام الجنود الذين ظن يومًا أن مصر نسيت هزيمتها القديمة.
ثم جاء الدور على نيقوسيا نفسها.
حاصرها المماليك حتى ضاقت أنفاسها.
أغلقوا الطرق، ومنعوا المؤن، وضربوا الأسوار بلا توقف، حتى فتحت المدينة أبوابها أخيرًا وهي ترتجف من الخوف.
وفي البحر، حاول أسطولٌ أوروبي أن يأتي لإنقاذ قبرص، لكن السفن المملوكية اعترضته وأغرقته قبل أن يقترب.
وعندما عاد الأسطول إلى مصر، كان المشهد أشبه بأسطورة.
دخلت السفن إلى ميناء رشيد وسط صيحات الناس.
ثلاثة آلاف وسبعمئة أسير يسيرون في الموكب، وفي مقدمتهم ملك قبرص نفسه… حافي القدمين، مكبلًا بالحديد.
وقف أهل القاهرة على الجانبين يحدقون فيه بصمتٍ ثقيل.
ذلك الملك الذي كانت بلاده يومًا ترعب سواحلهم، صار الآن يسير أسيرًا تحت رايات مصر.
دفع جانوس مئتي ألف دينار ذهبًا فديةً لنفسه، وتعهد أن تدفع قبرص الجزية كل عام للقاهرة.
عاد إلى عرشه… لكنه عاد ملكًا تابعًا، تحكمه هيبة المماليك حتى وهو جالس في قصره.
ومع أن السيطرة المباشرة على الجزيرة لم تستمر طويلًا، فإن قبرص لم تستعد قوتها القديمة أبدًا.
وظلت تدفع الجزية حتى جاء العثمانيون بعد أكثر من قرن، فطُويت الصفحة الأخيرة من الحكاية.
وفي إحدى ليالي القاهرة الهادئة، جلس الأشرف برسباي وحده في قصره.
كان الليل ساكنًا، والهواء يحمل رائحة النيل البعيدة.
نظر السلطان نحو الأفق الذي عبرت منه سفن الانتقام قبل شهور، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة… باردة… حادة كسيفٍ عاد أخيرًا إلى غمده بعد أن أدى مهمته.
لم يتكلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق