المحمل المصرى تراث وتاريخ
يا رايحين للنبى الغالى
هنيالكم وعقبالى
لقد فاق المحمل المصرى كل أمثاله من محامل الدول العربية والاسلامية ، فاقهم فى تجهيزه وإعداده ونظامه واحتفالاته وعاداته وتقاليده ومعتقداته ، وفاقهم حتى فى خلافاته ونزاعاته وارجع البعض بداية المحمل المصرى الى عصر الظاهر بيبرس والبعض الآخر أرجعها الى شجر الدر ، وكل ذلك ليس له من سند تاريخى ، وان كان المؤرخ المقريزى قد ذكر ان الظاهر بيبرس هو أول من أدار المحمل فإن تعبير دوران المحمل لا يعنى بالضرورة البداية الفعلية لاتخاذ المحمل المصرى وسيلة لارسال كسوة الكعبة المشرفة فى صحبة قافلة الحجاج وانما الدوران المقصود يكون لذلك الطقس الذى كان يؤديه القائمون على المحمل بإداراته سبع دورات كاملة أمام الناس للفرجة والمشاهدة 1
كان الاهالى فى عصر محمد على يخرجون لملاقاة المحمل عند عودته وفى صحبتهم الطبول والزمور عند بركة الحاج قبل دخولهم الى القاهرة ، كما قال واصفا ذلك ادوارد وليم لين وجيرار دى نرفال 2
ـ البتنوني في معية الخديوي
ويقول "محمد لبيب البتنوني" الذي صحب خديوي مصر "عباس حلمي الثاني" في رحلة حجه إلى الأراضي المقدسة، والتي بدأت في 29 ذي القعدة 1327 هـ/ 12 ديسمبر 1909: "ذهب بعض المؤرخين إلى أن المحمل يبتدئ تاريخه من سنة 645 هـ، وقيل إنه الهودج الذي ركبت فيه شجرة الدر ملكه مصر في حجها في هذه السنة، وصار بعدها يسير سنوياً أمام قافلة الحج وليس فيه من أحد: لأن مكان الملوك لايجلس فيه غيرهم". وأضاف البتنوني: " ويعمل للمحمل يوم خروجه من مصر احتفال كبير من أيام الدولة الأيوبية، وهذا الاحتفال الآن له يوم مشهود بالقاهرة، تمشي فيه الجنود الراكبة والبيادة (المشاة) وحرس المحمل وركبه وخدمته من ضويه وعكامة، يتقدمهم أمير الحج الذي يعينه الجناب العالي الخديوي سنوياً، وهو من الباشوات العسكريين في الغالب، وبعد أن يدور المحمل دورته المعتادة في ميدان القلعة، يمر على المصطبة وهي المكان المعد لجلوس الجناب العالي الخديوي يوم الاحتفال، ومعه رجال حكومته السنية من الوزراء الفخام والعلماء الأعلام وكبار وذوات العاصمة( مصطبة المحمل او ما يعرف بكشك الخديوى وهى بناء شيد فى عصر الخديوى إسماعيل ليجلس فيه للاحتفال بخروج المحمل الى الحجاز وهذة المصطبة ما تزال موجودة أسفل القلعة من الناحية الغربية واتخذت مقرا للحزب الوطنة فترة واحترقت فى ثورة يناير ) وهنالك يأتي حضرة مأمور الكسوة الشريفة وبيده زمام جمل المحمل، فيستلمه الجناب العالي منه ويسلمه إلى أمير الحج، وعندها تضرب المدافع ويسير الموكب يتقدمه أشاير السادة الصوفية ثم الجنود ثم جمل المحمل يتقدمه أمير الحج ويتلوه المحاملي والجمالة ثم الفرايحية "الطبالون" على جمالهم، ويستمر هذا الموكب سائراً إلى المحجر فالدرب الأحمر ويمر من بوابة المؤيد فالغورية فالنحاسين فباب النصر فالعباسية، وهناك يتفرق الموكب، وينزل ركب المحمل إلى خيامهم التي ضربت لهم في فضاء العباسية، وينصب المحمل في وسط ساحتها ليزوره من يريد التبرك به، حتى إذا كان يوم السفر إلى السويس، نقلوه مع أدواتهم وذخائرهم إلى وابور المحمل الذي يكون مهيأ في محطة العباسية، ويعد شحنه يسير إلى السويس، ومنها يبحر إلى جدة، ثم يقصد مكة برأ".
وعقب انتهاء مناسك الحج، ينتقل ركب المحمل إلى المدينة حيث مثوى الأعظم العطرات
المستشرقون والمحمل المصرى
إدوارد لين و"دوران المحمل"
الرحالة المستشرق البريطاني الشهير "إدوارد لين" أو " منصور أفندي"، أبرز من عبر عن الجوانب الإنسانية للشعب المصري في كتابه "المصريون المحدثون، شمائلهم وعاداتهم" الذي صدر في لندن عام 1836 ، حيث استطاع من خلال ملاحظاته لعادات المصريين وتقاليدهم، والرصد الدقيق لتفاصيل حياتهم اليومية من خلال تجاربه الشخصية التي عاشها، أن يشكل لوحة رائعة برع في التقاط ألوانها وظلالها المتباينة لكل مظاهر الحياة في مصر إبان عصره، وحاول اكتساب السلوك الإسلامي، حتى أنه شارك المسلمين في صلاتهم بالمساجد، وقدم تفسيراً جديداً لتقاليدهم ونظم المجتمع الإسلامي فى ذلك العصر.
وقد شاهد إدوارد لين "دوران المحمل" في يوم 6 شوال سنة 1249هـ / 15 فبراير سنة 1834 م، فقال: " عقب عيد الفطر بيومين أو ثلاثة، ترسل كسوة الكعبة من قلعة القاهرة حيث يتم تصنيعها على نفقة الباشا إلى جامع الحسين لتخاط وتزخرف وتعد لإرسالها مع قافلة الحجاج، والكسوة من القماش الأسود المطرز بالقصب، منقوش عليها آيات من القرآن وتزدان حوافها بنقوش ذهبية".
الأديب الفرنسى جيرار دى نرفال
والمحمل المصرى
اما الأديب والرحالة الفرنسي الذي ملك عليه الشرق كل حواسه، وأسرته رؤى القاهرة بين حكايات وأساطير ألف ليلة وليلة، وتمنى لو زارها في غير أحلامه! وتحققت أمنيته ووصل إلى القاهرة في 15 يناير سنة 1843، كان الاحتفال بعودة المحمل من مكة من أكثرالمشاهد إثارة لجيرار دي نيرفال، فذهب إلى خارج باب الفتوح لمشاهدة الموكب العظيم بين حشود هائلة، وعن انطباعاته يقرل: "خيل إلى أن الزمن يعود إلى الوراء وأنا أرى مشهداً من مشاهد العصور الوسطى، طلائع فرسان الوالي انطلقت بين الجماهير بدروعهم البواقة وخوذاتهم الوضاءة لتجعل من هذا التخيل حقيقة، وبعيدأ فوق التلال المترامية أرى آلافا من الخيام الملونة، حيث توقفت قافلة الحجاج للراحة من وعثاء السفر 4 لم يخل المشهد من المنشدين ونافخي الأبواق وقارعي الطبول والدفوف، ما كان أروع مشهد هذا "الأوركسترا الشرقي" فوق أسنمة الهجن وطائفة من المغاربة الذين يكثر بينهـم الدراويش يرددون بحماس شديد أوراد الذكر والمديح، ويزدان الموكب بألوان الرايات والبيارق، بينما الأمراء والشيوخ في ثيابهم الفاخرة على صهرات جيادهم ذات السروج المزركشة بالقصمب والمرصعة بالأحجار الكريمة مما يزيد المشهد رونقاً وبهجة!".
ومن أبرز الكتابات التي استوقفتني كثيراً، ما أبدعه "ألبرت فارمان" قنصل عام الولايات المتحدة الأمريكية في مصر، إبان عهد الخديوي من الكسوة الداخلية للكعبة إسماعيل وبداية حكم ابنه الخديوي توفيق وقد وصل إلى مصر في 28 أبريل سنة 1876، ودامت إقامته يها خمس سنوات كاملة، وقد رصد في كتابه، "مصر وكيف غدر بها" أدق تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في ذلك العصر المفعم بالأحداث والتطورات الهائلة، وكان حريصاً على وصف الاحتفالات بالمناسبات الدينية والقومية في إطار التقاليد الموروثة للشعب المصري.
يقول فارمان: "من أمتع المناظر التي يشاهدها الأجنبي في القاهرة منظر الحجاج المسافرين إلى مكة والمدينة كل عام، رحيل قافلة الحجاج وعودتها وما يلحق بها من أفراح.
عقب عيد الفطر، تعد العدة لسفر الحجاج، وفى اليوم الثالث والعشرين من شوال ترحل قافلة الحجاج حاملة معها الكسوة الجديدة التي تغطي الجدران الخارجية للكعبة كل عام، وتصنع الكسوة من الحرير الأسود الفاخر الموشى بالذهب، وتزدان بالآيات القرآنية، وهي من الفخامة إذا عرفنا أن الحكومة المصرية تكلفها 300، 23 دولار وتنفق الحكومة نحو 330 ألف دولار مصاريف للحج أي ضعف المبلغ المقرر للمدارس!!
وتحاك الكسوة بجامع الحسين، ويصنع أيضاً ستار يعلق على باب الكعبة، وكسوة فاخرة لمقام إبراهيم، وكسوة من الحرير الأخضر الفاخر الموشى بالذهب للجدران الداخلية للكعبة، أما كسوة قبر محمد فتأتي من دمشق".٣
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ ابراهيم حلمى : المحمل ، ص 87: 90
٢ـ إبراهيم حلمى : المرجع السابق ، ص 288
٣ـ عرفه عبده على : الكسوة الشريفة والمحمل فى كتابات الرحالة ، مجلة العربى، العدد 484، 1999م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق