#بين أشواق الكعبة وأنَّات الأمة: تكرار الحج والعمرة في ميزان فقه الأولويات
**********
#تتعلق قلوب المؤمنين بالكعبة المشرفة تعلقاً فطرياً، وتتوق الأرواح لتكرار زيارة البيت الحرام والطواف به، استجابةً للنداء الإبراهيمي، وطمعاً في مغفرة الذنوب.
#وهذا الشوق الإيماني محمودٌ ومطلوب، وهو من علامات حياة القلب. #ولكن، حين تشتد الأزمات، وتتوالى النكبات على جسد الأمة الإسلامية، يبرز التساؤل الفقهي الدقيق:
#كيف نوازن بين تلبية هذا النداء الروحي (بتكرار الحج والعمرة)، وبين تلبية نداء الواجب تجاه إخواننا المنكوبين والفقراء؟
---------
هنا يتدخل "فقه الأولويات" و"علم المقاصد" ليضبط بوصلة العمل الصالح، ويقدم لنا معادلة متوازنة لا تُغفل حق الروح في الزيارة، ولا تُضيع حقوق المسلمين في الحياة والكرامة.
*******
#أولاً: مشروعية التكرار وفضله (تغذية الروح):
#الشريعة الإسلامية لم تمنع تكرار الحج والعمرة، بل حثت عليهما لمن استطاع، لما فيهما من تجديد للعهد مع الله وتطهير للصحائف.
#قال رسول الله ﷺ: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" (سنن الترمذي، حديث رقم 810).
#فتكرار الزيارة (بعد أداء الفريضة) هو سُنة عظيمة، وعبادة ترتقي بروح المسلم وتزكي نفسه.
*********
#ثانياً: الميزان المقاصدي (الضروري مُقدم على التحسيني):
#إذا كان تكرار الحج والعمرة سُنةً ونافلة، فإن إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وإنقاذ أرواح المسلمين (كما نرى في غزة وغيرها من بقاع الألم) هو "فرض عين" أو "فرض كفاية" يأثم المسلمون جميعاً بتركه.
#في ميزان مقاصد الشريعة، تُقسم المصالح إلى مراتب: (ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات).
#حفظ أرواح المسلمين من الهلاك والجوع هو من باب (حفظ النفس)، وهو يقع في قمة "الضروريات الكبرى".
#أما تكرار الحج والعمرة فهو من باب (التحسينيات) والكماليات التعبدية.
#والقاعدة الأصولية الصارمة تنص على أن: (الضروري مُقدم قطعاً على التحسيني، والفرض مُقدم على النافلة).
#فلا يُعقل في ميزان الشريعة أن ينشغل المسلم بـ "تجميل" صحيفته بنافلة، بينما يهدم أساس دينه بترك إخوانه للموت والهلاك (العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص85).
*********
#ثالثاً: العبادة المتعدية والعبادة القاصرة:
#تكرار الحج والعمرة هو "عبادة قاصرة"؛ أي أن نفعها وأجرها يعود على الحاج والمعتمر وحده.
#بينما الصدقة وإغاثة المكروبين هي "عبادة متعدية"؛ يتجاوز نفعها الفرد لينقذ أسرة أو مجتمعاً.
#وقد استقر عند المحققين أن العبادة المتعدية النفع أفضل من العبادة القاصرة.
#قال الإمام ابن تيمية: "والصدقة على ذوي الحاجة أفضل من الحج التطوع، فإن نفع الصدقة متعدٍ، ونفع الحج قاصر" (ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، ج4، ص482).
*********
#رابعاً: فقه السلف في إدارة هذه المعادلة:
#لم يكن هذا الفهم غائباً عن الرعيل الأول، بل طبقوه بوعي مذهل.
#يُروى أن الإمام عبد الله بن المبارك خرج للحج، وفي الطريق رأى امرأة تأخذ غراباً ميتاً من مزبلة لتطعم أطفالها الجياع، فبكى، وأمر برد أحماله، وأعطى كل ماله (الذي أعده للحج) لتلك المرأة، ورجع ولم يحج عامه ذلك، وقال: "هذا أفضل من حجنا" (ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج32، ص446).
---------
#وجاء رجل إلى الإمام بشر الحافي وقال: إن معي ألفي درهم أعددتها للحج (نافلة)، فقال له بشر: "إن كنت تبتغي مرضاة الله، فاذهب فأعطها ليتيم، أو أرملة، أو مديون، فإن إدخال السرور على قلب مسلم أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام" (أبو نعيم، حلية الأولياء، ج8، ص345).
********
#خامساً: المعادلة المتوازنة (كيف نجمع بين الحسنيين؟):
#لكي لا نقع في فخ "التعطيل التام" للشعائر، ولا في فخ "الأنانية الروحية"، يمكن صياغة هذه المعادلة العملية:
---------
#في أوقات النوازل والكوارث (حالة الطوارئ):
١. عندما تنزل بالأمة نازلة كبرى (كحرب إبادة، أو مجاعة، أو زلزال مدمر)، تتوقف النوافل المالية تماماً، وتُوجه كل ميزانيات الحج والعمرة التطوعية لإنقاذ الأرواح.
#هنا، التبرع ليس خياراً، بل هو الأولوية الشرعية المطلقة.
--------
٢.في أوقات السعة (حالة الاستقرار):
#لا نمنع الناس من زيارة البيت، ولكن نرشدهم إلى "الترشيد".
#من اعتاد أن يعتمر كل عام، يمكنه أن يجعلها مرة كل ثلاث أو خمس سنوات، ويجعل ميزانية السنوات البينية كفالةً ليتيم، أو بناءً لمستشفى، أو تعليماً لطالب فقير.
----------
٣.النية الصادقة: من نوى العمرة أو الحج، ثم صرف ماله لإنقاذ مكروب، فإن الله بكرمه يكتب له أجر العمرة بنيته، وأجر الصدقة بفعله، فيفوز بالأجرين معاً.
*******
#خلاصة القول:
*******
#الفقه الحقيقي ليس في معرفة "الخير من الشر"، بل في معرفة "خير الخيرين وشر الشرين". #الكعبة مشرفة وعظيمة، ولكن حرمة دم المسلم وحياته أعظم عند الله من حرمة الكعبة، كما أقسم على ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو ينظر للكعبة قائلاً: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك" (سنن الترمذي، حديث رقم 2032).
----------
#فمن فقه الأولويات أن نبني "الإنسان" قبل أن نكرر الطواف بـ "البنيان".
--------
والحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق