الأربعاء، 4 مارس 2026

 رحلة ملك مالى منسا موسى للحج

أشهر رحلات الحج فى التاريخ
لولا ما أجمع على إثباته كثير من المؤرخين والباحثين الأقدمين والمحدثين، لكانت رحلته الذهبية إلى بيت الله ضربا من الخيال، بل إن الثابت عن تلك الرحلة يفوق الخيال، فقد كلفت ما يفوق المائة مليار دولار، ومع ذلك فإن حجته الفريدة، ما كانت لتتم بدون أن يمر بالقاهرة، ليسلك مسار الحج المصري إلى الحجاز، وما كان ليعود إلى مملكته، لولا الضيافة المصرية، التى جعلت من حجه حجين، حج إلى الكعبة المشرفة، وحج إلى المعرفة التى حملها من القاهرة إلى تمبكتو.
فى القرن (السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي)، برزت مملكة مالى، كواحدة من أكبر الممالك الإسلامية فى غرب إفريقيا، وأكثرها ثراء وقوة، ومع انتشار مبادئ الإسلام فى تلك المملكة، حرص حكامها الأوائل على الحج لبيت الله الحرام، مع ملاحظة أن سلاطين تلك البلاد وأهليهم والمقربين منهم، اعتنقوا الإسلام قبل شعوبهم، فكأن حكامها كانوا أيضًا دعاة للدين الذى ما لبث أن عم المملكة، بعد طول وثنية.
ويذكر المؤرخون مثل القلقشندى والمقريزى، عديدًا من ملوك مالى الذين قدموا إلى مصر فى طريقهم إلى الحجاز، غير أن كتب التاريخ قديمها وحديثها، تتوقف أمام أهمهم «منسَا موسى بن أبى بكر»- منسا تعنى ملك بلغة مالى وقتها- وذلك بسبب رحلة الحج الكبيرة التى قام بها إلى الأراضي المقدسة سنة (724هـ-1324م)، والتي وصفت بالأسطورية، وجعلته يصنف كأغنى أغنياء العصور القديمة قاطبة، بل كأغنى رجل عرف على الأرض حتى هذه اللحظة، فقد صنَّفه موقع ثروة المشاهير عام 2012، كأغنى رجل عرفه التاريخ، بثروة زادت فى تقديرها، على 400 مليار دولار أمريكي.
ويكفى القول إن ما أنفقه مانسا موسى من ذهب فى رحلته، جعلت قيمة الذهب تنخفض لسنوات فى مصر والحجاز، بل إن أسطورة شاعت بين المصريين وقتها، أن هناك أشجارًا فى بلاد مالى تورق وتثمر ذهبا.
وللتدليل على ثراء ذلك الملك، ذكر المقريزى أنَّ خمسة عشر ألف جاريةٍ صحبنه فى رحلته الحجازيَّة.كما ذكر ابن خلدون أنَّ عدد من حملوا أمتعة الملك وحاشيته، كانوا اثنى عشر ألف حمَّال يلبسون أقبية الديباج والحرير اليماني.
على أي حال، فإن حجاج غرب وشمال إفريقيا، كان يجب عليهم أن يتوقفوا فى القاهرة، ليستكملوا رحلتهم إلى الحجاز، وتحت إمرة أمير الحج المصرى، الذى يقود كسوة الكعبة المشرفة، وهو منصب كان كبير القيمة والدلالة، يتناسب مع اهتمام حكام مصر من المماليك وقتها، بطريق الحج وعمارته وتأمينه ورعاية الحجاج وإكرامهم باعتبارهم ضيوفا على المحروسة، فى ذهابهم إلى الحجاز وعودتهم.
ومن أبرز الحكام الذين اهتموا بطريق الحج المصرى، الناصر محمد، والذى كتب عنه ابن بطوطة، فى كتابه «تحفة النظار قائلا: «وكان سلطان مصر على عهد دخولى إليها الملك الناصر أبو الفتح محمد بن المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي... وللملك الناصر السيرة الكريمة والفضائل العظيمة. وكفاه شرفاً انتماؤه لخدمة الحرمين الشريفين، وما يفعله فى كل سنة من أفعال البر التى تعين الحجاج، من الجمال التى تحمل الزاد، والماء للمنقطعين والضعفاء، وتحمل من تأخر أو ضعف عن المشى فى الدربين المصرى والشامي».
وفى عهد الملك الناصر محمد دخل الملك الحاج منسا موسى إلى مصر، ومن كتاب المقريزى،»السلوك لمعرفة دول الملوك»، نفهم أن قافلة منسا موسى، وصلت إلى القاهرة فى اليوم (السادس عشر من شهر رجب سنة 724هـ-العاشر من مايو سنة 1324م).، وأقام تحت الأهرامات ثلاثة أيام فى الضيافة، وعدى منسا موسى إلى بر مصر، -أى انتقل من الجيزة إلى القاهرة عابرا النيل-، فى يوم الخميس سادس عشر رجب، وطلع القلعة ليُسلِّم على السلطان، وامتنع عن تقبيل الأرض، فلم يُجبر على ذلك»، ونفهم من ذلك أن الملوك والسلاطين والأمراء الذين كانوا يقابلون حاكم مصر، كانوا يقبلون الأرض بين يديه، وإن كان منسا موسى رفض ذلك، قائلا:إنه لا يسجد إلا لله.
ثم يذكر المقريزى جملة فى غاية الأهمية، عن لقاء أغنى رجال التاريخ منسا موسى بالسلطان الناصر قائلا: « وأمر السلطان بتجهيزه للحج »
أى أن مصر هى التى جهزت أغنى أغنياء زمانه بضرورات الحج، برغم أن ذلك الحاج وكما يقول المقريزى: أخرج ذهبًا كثيرًا فى شراء ما يُريد من الجوارى والثياب وغير ذلك، حتى انحطَّ سعر الدينار ستَّة دراهم ».
وكما يقول ابن خلدون، فى كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر»: إنَّ منسا موسى أحضر معه ثمانين حملًا من تبر الذهب زنة كلِّ حملٍ ثلاثمائة رطل. أما العمرى فيقول فى كتابه «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، إن منسَا جاء إلى مصر وفى معيته مائة حمل ذهب".
وفى منتصف شهر ذى القعدة غادرت قافلة الحج المصرية القاهرة فى طريقها إلى بلاد الحجاز، وهناك سار منسا موسى بكرمه الذهبى تصدقا وزكاة وإعانة للمحتاج وغير المحتاج من الحجاج وغيرهم، حتى إنه أنفق كل أمواله تقريبا.
لكن ما يهمنا هنا هو تأثير مصر والمصريين على منسا موسى، أغنى ملوك الأرض، فمع عودته وإنفاقه كل أمواله، استدان من بعض كبار تجارها المصريين، وعاد معه بعضهم لاسترداد أمواله منه، وكان منهم تاجر معروف، تذكره المصادر باسم "ابن الكويك" والذى عاد إلى مصر عام 1325م.
أما المهم فى دلالته وتأثيره الدينى والفقهى والثقافى والحضارى، فإن منسا موسى كما تذكر كتب التاريخ، انبهر بالقاهرة وعمارتها وجامعها الأزهر ومدارسها؛ حيث العلم والعلماء، فطلب من السلطان الناصر محمد، أنْ يدله على فقهاء و علماء ومعماريين ومهندسين وحرفيين،يوافقون على العودة معه إلى مالى، لينشأوا هناك من أسباب العمران الروحى والمادى ما يشابه ما تزخر به المحروسة، وهو ما حدث بالفعل، ومن الغريب أن منسا موسى اصطحب معه من مصر المهندس الشهير أبو إسحاق الساحلى، والمثير هنا أن الساحلي كان من الأندلس، وهى أقرب إلى مالى من مصر، ومع ذلك فإن ملك مالى لم يجد ضالته إلا فى المحروسة ، ومن المشهور تاريخيا أن الساحلى أثر فى عمارة مالى، كما شيد مسجد جينجاربير أحد أهم التحف المعمارية فى تمبكتو.
وكما عاد مانسا موسى إلى بلاده بالكثير من الكتب والمخطوطات التى جمعها فى رحلته، وأغلبها اشتراها من المحروسة، وهى كتب أثرت جامعة سانكورى، أحد أهم مراكز العلم والفقه فى إفريقيا، كما أن بعض تلك الكتب لا يزال محفوظا فى مكتبات وقلوب وأرواح أهل مالي.
النص منقول عن بوابة الأهرام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق