الأربعاء، 20 مايو 2026

 ❖ عظماء لن ننساهم .. البطل محمد كريم حاكم الاسكندرية ❖

ولد السيد محمد كريم بحي الأنفوشي بالاسكندرية قبل منتصف القرن الثامن عشر. نشأ محمد كريم يتيماً فكفله عمه، عمل في بداية أمره قبانياً يزن البضائع في حانوت بالثغر، كان عمه قد افتتحه له. لم يتلقَّ محمد كريم تعليماً كبقية أقرانه بسبب وفاة والده، فتردد على المساجد ليتعلم فيها، ثم بدأ يحدث الناس مستغلاً الندوات الشعبية، وبذلك تعرف أهل الإسكندرية على هذه الشخصية العظيمة عن قرب وتلمسوا فيه الوطنية والشجاعة، وكان ذلك سبباً في توليه منصب حاكم الإسكندرية. أحبه الناس مسلمهم وغير مسلمهم لأخلاقه التي تربى ونشأ عليها.
تولى محمد كريم أمر الإسكندرية وجماركها، والإسكندرية هي بوابة مصر البحرية، وقد قام محمد كريم بمهامه على أحسن وجه. وفي يوم 19 مايو 1798م، أبحر الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون قادماً إلى مصر لينهب ثرواتها، وكان على محمد كريم أن يقف ليصد هذه الهجمات ويردها على أعقابها ولا يسمح لها بالدخول. لكن كانت الحملة الفرنسية مزودة بأحدث الأسلحة والمدافع بينما هذه الأسلحة لم تصل بعد إلى أيدي المصريين، ولما بلغ الأمر الإنجليز تحرك الأسطول الإنجليزي بقيادة نلسون متجهاً إلى الإسكندرية وقد طلب من محمد كريم انتظار الأسطول الفرنسي خارج الميناء وأن يسمح لهم أن يشتروا من المدينة ما يحتاجونه من زاد.. لكن محمد كريم رفض طلبهم قائلاً: "ليس للفرنسيين أو سواهم شيء في هذا البلد فاذهبوا أنتم عنا..".
وصل الأسطول الفرنسي إلى شواطئ الإسكندرية (عند العجمي) في أول يوليو 1798م وبادر إلى إنزال قواته ليلاً إلى البر ثم سير قسماً من قواته إلى الإسكندرية (يوم 2 يوليو). ولم يكن عدد سكان المدينة يومها يزيد على ثمانية آلاف نسمة. ولم يكن بها من الجنود ما يكفي لصد الجيش الفرنسي الكبير المزود بالمعدات الحديثة. وكان أن استعد السيد محمد كريم للدفاع عن الإسكندرية بكل ما لديه من ذخيرة وقوة. وظل محمد كريم يقود المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين حتى بعد أن اقتحم الفرنسيون أسوار المدينة. وظل محمد كريم يقود المعركة، ثم اعتصم بقلعة قايتباي ومعه فريق من الجنود حتى فرغت ذخيرته فكف عن القتال وتم أسره هو ومن معه، ودخل نابليون المدينة وأعلن بها الأمان.
حمل محمد كريم إلى نابليون الذي حاول إغراءه وكسبه إلى جانبه، وذلك بأن أطلق سراحه ورد إليه سيفه، وتظاهر بإكرامه، وأبقاه حاكماً للإسكندرية.. ولما تم لنابليون الاستيلاء على الإسكندرية رأى أن يغادرها إلى القاهرة وعين كليبر حاكماً عسكرياً عليها وزحف إلى القاهرة في 7 يوليو عن طريق دمنهور والرحمانية.
ظن نابليون أن محمد كريم ينحاز إلى جانبه بعد أن فك أسره، لكن خاب ظن نابليون، فلم يمهله محمد كريم إلا وأعلن المقاومة الشعبية في أنحاء الإسكندرية مما أرق الفرنسيين الذين فشلوا في استمالته معهم، فاعتقله كليبر حاكم الإسكندرية وأرسله إلى القاهرة ليحاكم محاكمة صورية.
وجهت المحكمة الفرنسية إلى محمد كريم التي شكلها نابليون للحكم على المناضلين تهمة التحريض على المقاومة وخيانة الجمهورية الفرنسية، وأثناء المحاكمة أرسل نابليون رسالة إلى المحقق يأمره فيها أن يعرض على محمد كريم أن يدفع فدية قدرها ثلاثون ألف ريال يدفعها إلى خزينة الجيش ليفتدي نفسه.. ورفض محمد كريم أن يدفع الفدية، ولما ألح عليه البعض في أن يفدي نفسه بهذه الغرامة رفض وقال: "إذا كان مقدوراً علىّ أن أموت فلن يعصمني من الموت أن أدفع الفدية، وإذا كان مقدوراً علىّ أن أعيش فعلام أدفعها ؟".
وفي يوم 6 سبتمبر 1798م أصدر نابليون بونابرت أمراً بإعدام محمد كريم ظهراً في ميدان القلعة رمياً بالرصاص.. ونفذ في السيد محمد كريم حكم الإعدام بميدان الرميلة بالقلعة لتطوى بذلك صفحة من صفحات البطولة والوطنية.. رحم الله البطل الشهيد محمد كريم.
"انشروا سيرة هؤلاء الأبطال وقصوها على أولادكم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق