الخميس، 2 أبريل 2026

 ليلة أن قرر الملك "عزّ الدين" هدم الاهرام

في عام 592 هجرية (الموافق 1196 ميلادية)، اتخذ الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي قراراً غريباً هز أركان القاهرة. لم يكن القرار بشن حرب، بل كان بمحو أثر. قرر الملك أن "الأهرامات" -تلك الجبال الاصطناعية- يجب أن تزول من الوجود.
بدأ العزيز بـ هرم "منكاورع" (الأصغر بين الثلاثة)، ظناً منه أن صغر حجمه سيجعله صيداً سهلاً لمعاول عماله.
المشهد الأول: جيش الهدم في مواجهة الجرانيت
لم يكن الأمر مجرد عمال بسطاء، بل "حشد الملك العزيز ركضه وخيله، وفعلته وأمراء دولته"، كما يصف المؤرخ "عبد اللطيف البغدادي" في كتابه الشهير (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة في أرض مصر).
نصبوا الخيام حول الهرم، وبدأوا العمل بالمعاول، والعتلات، والحبال، والأوتاد. كانت الخطة تعتمد على "نقض" الهرم حجرًا حجرًا، تماماً كما يبنى، لكن بالعكس.
المشهد الثاني: صرخة الحجر عند السقوط
يصف البغدادي -وهو شاهد عيان حضر الواقعة- مشهداً مهيباً لعملية السقوط:
> "فكانوا إذا قلعوا الحجر ووقع، سُمع له هدّة عظيمة من مسافة بعيدة، تزلزل لها الأرض، وتكاد الجبال منها تميد."
>
لكن المفاجأة لم تكن في سقوط الحجر، بل فيما يحدث بعد سقوطه. الحجر الضخم من الجرانيت الصلب كان يغوص في رمال الجيزة "غوصاً" عميقاً، مما يجعل استخراجه من الرمال يتطلب جهداً يفوق جهد قلعه من الهرم نفسه!
المشهد الثالث: الهزيمة أمام العظمة الهندسية
استمر العمل ثمانية أشهر كاملة. ثمانية أشهر من الضجيج، والغبار، والأموال المنفقة، والعمال الذين كَلّت سواعدهم. والنتيجة؟
يقول البغدادي بلهجة فيها الكثير من الإجلال لبراعة القدماء:
> "فلما طال مقامهم، ونفدت نفقاتهم، وكلّت عزائمهم، واضمحلّت قواهم؛ انصرفوا خائبين.. ولم ينالوا منه إلا تشويهاً."
>
لقد اكتشف الملك ورجاله أن تكلفة "هدم" الهرم تكاد تضاهي تكلفة "بنائه" لو أرادوا بناء مثله. فما استطاعوا إلا إحداث ذلك الشق الطولي (الثلمة) الذي نراه اليوم في الواجهة الشمالية لهرم منكاورع، ليبقى هذا الشق "وسام صمود" للهرم، و"شاهد عجز" على كل من حاول المساس به.
مراجع القصة للتوثيق:
* كتاب "الإفادة والاعتبار" لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي (القرن 12 ميلادي).
* كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (المعروف بـ خطط المقريزي) للمؤرخ تقي الدين المقريزي، حيث أورد تفاصيل محاولات الهدم المتكررة في العصر الإسلامي.
* كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" لابن تغري بردي.
تلك المحاولة لم تكن مجرد صراع بين "مِعول" و"حجر"، بل كانت في نظر الناس وقتها صراعاً بين البشر وقوى خفية تحمي هذه الجبال الخالدة. حين عجزت الأدوات البدائية عن النيل من الهرم، بدأ الخيال الشعبي والمؤرخون في نسج أساطير تفسر هذا الصمود الأسطوري.
إليك أبرز ما رُوي في بطون الكتب عن "عجائب" تلك المحاولة وما صاحبها من غرائب:
1. لغز "الشق" وما وراءه (أسطورة الفراغ المظلم)
تقول الروايات التي نقلها بعض الإخباريين إن العمال حين أحدثوا ذلك الشق الرأسي الكبير في هرم منكاورع، لم يجدوا فقط حجارة صماء. تزعم الأسطورة أنهم كلما توغلوا، كانوا يسمعون أصواتاً كأنها "طنين" مستمر يصيب العمال بالدوار.
* الإشاعة وقتها: قيل إن الهرم "يتنفس"، وأن الشق الذي أحدثوه كشف عن ممرات لا تؤدي إلى غرف، بل إلى سراديب لا نهاية لها، تخرج منها رياح باردة حتى في أشد أيام الصيف حرارة، مما أرعب العمال وجعلهم يظنون أنهم فتحوا باباً من أبواب العالم السفلي.
2. "الرصد" وحارس الهرم (الروح التي لا تنام)
في التراث العربي القديم (كما ذكر المقريزي والمسعودي في مروج الذهب)، كان هناك اعتقاد راسخ بوجود "رصد" أو خادم لكل هرم يحميه.
* الأسطورة: تقول إن "رصد" هرم منكاورع كان يتجسد في صورة امرأة عارية جميلة جداً، لها أنياب، تظهر للعمال في الغسق أو عند الفجر وتغويهم، فإذا اقتربوا منها ضحكت صوتاً مرعباً ففقدوا عقولهم أو سقطوا صرعى. قيل إن كثرة الحوادث و"الوفيات المفاجئة" بين العمال هي التي أجبرت الملك العزيز على وقف العمل، وليس التكلفة المادية فقط.
3. الحجارة التي "تصرخ" وتعود لمكانها!
هذه واحدة من أغرب الأساطير التي تداولتها الألسن آنذاك؛ حيث زعم البعض أن الحجارة التي كان العمال ينجحون في قلعها وتدحرجها إلى الأسفل، كانت تطلق "صيحة" تصم الآذان عند ارتطامها بالأرض.
* الخرافة: ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مدعين أنهم كانوا يتركون الحجارة ملقاة في المساء، فيأتون في الصباح ليجدوا بعضها قد تحرك من مكانه أو كأنه يحاول "الزحف" للعودة إلى جسد الهرم مرة أخرى، وهو ما فسروا به صعوبة نقل الحجارة بعيداً عن القاعدة.
4. كنز "الهرم الصغير" الملعون
كان الملك العزيز يطمع في العثور على كنوز الملك "منكاورع". وتقول الأسطورة إن العمال عثروا بالفعل على تابوت من الرخام أو الحجر، وعندما فتحوه لم يجدوا ذهباً، بل وجدوا "جسداً بشرياً" فوقه غطاء من الذهب، وبمجرد كشف وجهه، تحول الجسد إلى رماد أمام أعينهم، وسقط كل من في الغرفة مغشياً عليه.
* النتيجة: انتشر خبر "اللعنة" في القاهرة، وقيل إن من يلمس حجارة الهرم بسوء، تصيبه الحمى أو "المرض الأسود".
التفسير التاريخي "العقلاني":
المؤرخ عبد اللطيف البغدادي كان أكثر عقلانية؛ فرغم ذكره لهذه القصص كـ "أقاويل العامة"، إلا أنه فسر الفشل بأن الهرم مبني بأسلوب "التداخل والتعشيق"، وأن الحجارة الجرانيتية كانت ثقيلة لدرجة أنها تكسر العتلات الحديدية، فكان العمال يظنون أن الحجر "يقاوم" بفعل السحر، بينما هو في الحقيقة يقاوم بقوة الفيزياء.
> هل تعلم؟
> هناك أسطورة تقول إن الخليفة المأمون قبل العزيز بقرون حاول أيضاً، وقيل إنه وجد في ممر الهرم الأكبر "لوحاً من الرخام" مكتوباً عليه: «بنيناه في مائة عام، فمن كان يظن في نفسه قوة، فليهدمه في ألف عام.. والهدد أيسر من البناء».. وكأن الهرم يتحدى كل ملك يأتي بعده!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق