شهدت العصور الإسلامية في مصر خلال الحقبتين الأموية والعباسية عدة حركات احتجاجية وثورات قام بها الأقباط، وكانت الدوافع وراء معظم هذه التحركات اقتصاديةً بحتةً نتيجة الأعباء المالية الثقيلة التي فرضها بعض الولاة ومسؤولي الخراج، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز خلال الفترة من (717م/99هـ) إلى (720م/101هـ) حينما قام بعزل أسامة بن زيد التنوخي، وهو متولي الخراج في مصر آنذاك ويختلف تمامًا عن الصحابي الجليل أسامة بن زيد، وذلك بسبب سياسته المالية المتشددة وإرهاقه للمواطنين بالضرائب.
وأمام هذه الأعباء الضريبية المستمرة، انتقل الأقباط من مرحلة التذمر السلبي إلى الثورة الفعلية ضد سياسات الإدارة الأموية، فاندلعت ثورةٌ في الوجه البحري عام (725م/106-107هـ)، مما دفع والي مصر حينها الحر بن يوسف إلى تسيير جيش لمواجهتهم وإخماد تحركهم، واستمرت هذه الاضطرابات لاحقًا خلال فترة ولاية حنظلة بن صفوان الكلبي على مصر بين عامي (737م/119هـ) و (742م/124هـ)، حيث تتابعت الاحتجاجات في منطقة الصعيد ووقعت مواجهاتٌ مع عمال الحكومة عام (739م/121هـ)، وانتهت بانتصار جيش الوالي وتفريق جموع الثائرين.
وتجدّدت المواجهات مع نهايات الدولة الأموية، ففي مدينة سمنود خرج ثائرٌ قبطي يُدعى يحنس، فوجه إليه عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير، آخر والٍ أموي في مصر، حملةً عسكريةً بين عامي (749م/131هـ) و (750م/132هـ)، انتهت بمقتل يحنس وعدد من أتباعه، وفي العام نفسه شهدت مدينة رشيد ثورةً أخرى تزامنت مع دخول الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد إلى مصر فارًّا من زحف الجيوش العباسية، فقام بتوجيه قواته لمحاربتهم وهزيمتهم، كما واجه ثورةً أخرى من أهل منطقة البشمور في شمال الدلتا، ولكنه لم يتمكن من حسم المعركة معهم نظرًا لاجتياح القوات العباسية للبلاد والقضاء على حكمه نهائيًّا.
ومع تأسيس الدولة العباسية، ساد التفاؤل بين الأقباط وهدأت ثورة البشموريين أملًا في تحسن الأوضاع، غير أن المعاناة المالية لم تتبدد وعادت السياسات الضريبية إلى ما كانت عليه في الحقبة الأموية، فلم تمضِ سنواتٌ قليلة على تولي العباسيين حكم مصر حتى تضاعفت قيمة الخراج، وفي المقابل أقر الخليفة أبو العباس السفاح إعفاء كل من يعتنق الإسلام من دفع الجزية، مما دفع الكثيرين من مختلف الطبقات الاجتماعية للتخلي عن دينهم واعتناق الإسلام.
وفي هذا السياق، اندلعت ثورةٌ جديدة في سمنود عام (752م/135هـ) خلال فترة ولاية أبي عون عبد الملك بن يزيد الأولى على مصر، فتم توجيه قوات عسكرية إليهم أسفرت عن هزيمتهم ومقتل زعيمهم أبي مينا، ثم تكرر المشهد في مدينة سخا عام (767م/150هـ) إبان ولاية يزيد بن حاتم المهلبي، حيث انضم إليهم أهالي البشمور وبعض مناطق الوجه البحري، وتمكنوا في هذه المرة من إلحاق الهزيمة بالقوات الحكومية، لتندلع ثورةٌ أخرى لاحقًا في عهد موسى بن علي اللخمي والي مصر من (772م/155هـ) إلى (778م/161هـ) في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي تمكن من السيطرة على الأوضاع وهزيمة الثائرين.
ولتوضيح النظام المالي لتلك الحقبة تاريخيًّا، تجب التفرقة بدقّةٍ بين مفهومي الجزية والزكاة وطبيعة كل منهما، فالزكاة كانت فريضةً دينيةً وماليةً تُفرض على المسلمين كافة متى بلغت ثرواتهم نصابًا محددًا، وتُحسب كنسبةٍ مئويةٍ تتراوح غالبًا بين اثنين ونصف بالمائة للأموال النقدية وتصل إلى عشرة بالمائة للمحاصيل الزراعية، مما يجعلها ضريبةً تصاعديةً لا سقف لها تزداد بزيادة الثروة وتُدفع حتى من أموال القُصَّر والشيوخ لتحقيق التكافل الاجتماعي..
بينما كانت الجزية ضريبةً ماليةً مقطوعةً تُفرض حصرًا على الرجال البالغين القادرين على الكسب من غير المسلمين، وذلك مقابل حمايتهم وإعفائهم من أداء الخدمة العسكرية في الجيوش مع ضمان حريتهم المطلقة في ممارسة شعائرهم الدينية، وكانت الجزية ذات سقفٍ محددٍ لا تتجاوزه مهما تضخمت ثروة الفرد، حيث قُسمت إلى شرائح سنوية تبلغ أربعة دنانير للأثرياء ودينارين لمتوسطي الحال ودينارًا واحدًا للفقراء القادرين على الكسب، في حين كانت تسقط تمامًا وبشكلٍ آليٍّ عن النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والمرضى وغير القادرين ماديًّا، مما يعني أن العبء المالي الأكبر كان يقع فعليًّا على كاهل أغنياء المسلمين، ولإدراك القيمة الفعلية لهذه المبالغ تجدر الإشارة إلى أن الدينار الذهبي في تلك العصور كان يتمتع بقوةٍ شرائيةٍ عالية، حيث كان الدينار الواحد يكفي لشراء شاةٍ أو تغطية النفقات الأساسية لأسرةٍ متوسطةٍ لمدة شهرٍ كامل، مما يوضح أن شريحة الجزية لم تكن تعجيزيةً في أصل تشريعها، بل إن التطبيق التعسفي ومضاعفة الخراج من قِبَل بعض الولاة هو ما أشعل فتيل تلك الاحتجاجات.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الثورات والاحتجاجات المتكررة لم تكن موجهةً ضد الدين الإسلامي أو بهدف طرده، بل كانت ردة فعلٍ مباشرةٍ لارتفاع قيمة الخراج والضرائب وسوء الإدارة في بعض الفترات، وهو أمرٌ له جذورٌ تاريخية سابقة، حيث تسجل المصادر ثوراتٍ مماثلة قام بها الأقباط ضد تعسّف وظلم الإمبراطورية البيزنطية والرومانية لقرون طويلة انطلاقًا من مدينة طيبة التي كانت تمثل معقلًا للمقاومة، في حين تؤكد الكتابات التاريخية أن الفاتحين الأوائل دخلوا مصر بسلام وتسامح، وهو ما وثّقه المؤرّخ القبطي يوحنا النقيوسي الذي عاصر تلك الحقبة وأشاد في مدوناته التاريخية بتسامح الإدارة الإسلامية المبكرة مع المصريين، علمًا بأن بعض المصادر التاريخية مثل كتابات الكندي في فضائل مصر وأبي صالح الأرمني والمقريزي في خططه تشير إلى أن حجم الضرائب في عهد المقوقس الحاكم البيزنطي قبل الفتح الإسلامي كان يقدر بنحو عشرين مليون دينار، بينما استقرت الجزية في عهد والي مصر عمرو بن العاص بعد الفتح عند حوالي مليون دينار، مما يوضح الفارق الكبير في العبء المالي بين الفترتين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق